
وجدت الهداية في أعماق الظلام
نوفمبر 11, 2025
مستوطنون يشنون هجمات واسعة بالضفة ويشعلون النيران بمصنع ألبان
نوفمبر 12, 2025م. خالد الأحمر الأنصاري
سفير الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ في الجزائر
ما كان يليق بسليل سيد الأنصار سعد بن عبادة رضي الله عنه، ولا بمنتسب الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ، أن يختار الحياد، ولا المنطقة الرمادية، ولا أن يكون متفرجاً عبر الشاشات والقنوات، على تدفق أنهار الدماء الزكية الطاهرة من الموحدين الغزاويين، أجساد تتطاير بفعل صواريخ مجهولة الكنه، صرح بذلك كبيرهم الذي علمهم الإجرام مؤخراً، وهو يَمُن على وكيله في فلسطين (النتن ياهو)، يمن عليه تزويده بأسلحة متطورة لم تجرب (بعد) إلا في غزة، ولم يتوقف في المن فقط، بل شكر له تجريبها واستعمالها بكثافة في غزة، فكان من تأثيرها تفجير 70 ألفاً من الأطفال والنساء والرجال المدنيين!
فكان هذا وغيره ملزماً لنا ببذل الغالي والنفيس ولاءً للمؤمنين وبراءً من الكافرين وخادميهم من المنافقين، ونصرة لأهل الملة والدين.
شاركنا في البداية في مؤتمر (القدس أمانتي) في اسطنبول، ونقلنا الصورة واضحة رغم سُحب وغيوم رواية الاحتلال، وضباب مواليه من المرجفين المنافقين، بالكتابة والخطابة وجبهة الإنفاق والبذل المالي من خلال الجمعيات المعتمدة. وبعد عودتنا من إسطنبول إلى الجزائر، جاءت الفرصة المنشودة للذهاب إلى غزة أرض الرباط والعزة، كان انطلاقنا من الجزائر إلى تونس الخضراء للمشاركة فيما سمي بأسطول الصمود العالمي.
متعبدين الله بما جاء في القرآن العظيم، قوله تعالى: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 100]، وبما جاء في سنة النبي العدنان ﷺ قوله: “إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكل امرئ مانوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يُصيبها، أو امرأة يَنكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه”.
أسطول من 44 دولة و60 سفينة وقارب، وأكثر من 500 مشارك، اتخذوا هدفاً واحداً لهم وهو كسر هذا الحصار الجائر الظالم لغزة وأهلها، وانصهر الجميع عرباً وعجماً وبيضاً وسوداً من أقطار شتى وأمصار عدة، وكنا في سفينة آسيا (الغوث)، نسبة إلى أبي مدين شعيب الغوث التلمساني. وكان فقيهًا متصوفًا جزائريًا قاد أتباعه من المجاهدين المغاربة الذين بلغ عددهم حسب المؤرخين ألفاً من طلابه في معركة حطين، تحت قيادة صلاح الدين الأيوبي، ويذكر بعض المؤرخين أن الغوث بُترت يده ودُفنت هناك حوالَي بيت المقدس، وإن كان بعض المؤرخين المحققين ينفون مشاركة أبي مدين الغوث في معركة حطين، مؤكدين أن الذي شارك في هذه المعركة ابنه، ومهما يكن هو المشارك أو ولده، فإن صلاح الدين الأيوبي لما رأى من بسالتهم وشجاعتهم، أوقف لهم أوقافاً في بيت المقدس، سُميت بـ: باب المغاربة، وأوقاف أخرى هي حوانيت المغاربة. وهذا الموروث البطولي وما فيه من غرائب لا ينبغي أن يضيع في الأحفاد، فالغوث أنصاري وسفير الهيئة أنصاري وكان ناطقاً معرفاً بهيئة الأنصار، ولا يليق بالأنصار إلا نصرة إخوانهم بكل غالٍ ورخيص.
بدأت رحلة كسر الحصار من الجزائر، حيث انطلقنا وحملنا أنفسنا براً إلى تونس الخضراء منطلق الأسطول المبارك، فتجمع أفراد الوفد الجزائري للمبادرة الجزائرية لنصرة فلسطين وإغاثة غزة ممثلين عن كثير من المؤسسات العاملة لنصرة فلسطين وغزة، التي تجمعت جميعاً تحت لواء المبادرة الجزائرية لنصرة فلسطين وإغاثة غزة، وكان من المشاركين وقيادة الأسطول وجهاء ونقباء وأطباء وإعلاميين، منهم البرلماني الجزائري “يوسف عجيسة” رئيس الوفد ونائب رئيس اللجنة الدولية لكسر الحصار عن غزة، وأيضاً مؤسس كثير من المؤسسات الدولية لنصرة فلسطين وغزة، ومؤسسة نساء الأقصى، وأمناء الأقصى، مؤتمر القدس أمانتي، ومن المشاركين أيضاً عضو مجلس الأمة وكثير من القامات والنشطاء الجزائريين ومنهم سفير الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ خالد الأحمر الأنصاري (سفير الشباب في الجزائر).
فور الوصول إلى تونس الخضراء عقدنا ندوة صحفية أمام مقر “الاتحاد العام التونسي للشغل” يوم 4 سبتمبر، والتقينا برئيس “اللجنة الدولية لكسر الحصار عن غزة” الأستاذ (زاهر بيراوي)، بعد ذلك قام المشاركون باختلاف ألوانهم وأجناسهم، بتدريبات في الإسعافات الأولية تحسبًا لأي حادث، بالإضافة إلى بعض التدريبات القانونية، والإجراءات والبروتوكولات التي يجب القيام بها في حال تم اعتراض الأسطول من قِبل جنود الاحتلال الصهيوني.

الوفد الجزائري عقب الندوة الصحفية، أمام الاتحاد العام التونسي للشغل
بعد ذلك قام مسؤولون من الوفد الجزائري بإجراء مفاوضات وأبحاث كثيرة لاختيار سفينة لائقة للإبحار بها إلى غزة. وبعد كثير من المحاولات والمعاينات، وقع الاختيار على سفينة “آسيا “كما تُسمى رسمياً، والتي سميناها فيما بعد بسفينة “الغوث” الجزائرية. وهي سفينة سياحية تونسية، وقد تم شراؤها في تونس.
وتزامن شراء السفينة مع وصول السفن التي انطلقت من برشلونة، هذه السفن التي تحمل على ظهرها قيادة الأسطول العالمي، تحمل قيادات كبيرة لهم باع ممتد عبر سنوات في الأعمال الإنسانية الإغاثية. نحن نتحدث عن 22 سفينة انطلقت من برشلونة، وأكبر سفنها سفينة “الما”، وغيرها من السفن التي رست قبالة ميناء “سيدي بوسعيد” بتونس العاصمة، والتي كانت في انتظار تجهيز بقية السفن التونسية، وانتظار الأسطول المغاربي لإتمام تجهيزاته للانطلاق معًا من تونس إلى غزة المباركة. ومع وصول سفن برشلونة، أو السفن الأوروبية، استقبلتهم جماهير بالآلاف استقبالًا حافلًا، وقد قدرتهم بعض المؤسسات بثلاثين ألفاً.
وكانت فرصة لإلقاء مداخلات وتصريحات من بعض النشطاء العالميين وبعض السياسيين والمنظمين للأسطول. لكن المؤسف في الأمر، والغريب الذي لم يتوقعه أحد، أنه في نفس الليلة وقع استهداف صهيوني على واحدة من أكبر سفن الأسطول، سفينة “فاميلي”، استهدفت وهي قبالة ميناء سيدي بوسعيد، أمام أنظار المشاركين، وقد كنا هناك ورأينا الاستهداف أمام أعيننا، استهداف بمسيرة تحمل مواد حارقة، كأنها نار من السماء تنزل على السفينة. والغريب في الأمر أنها كانت على سواحل تونس الخضراء، ما يعد تعدياً صارخاً وانتهاكاً للسيادة التونسية والقوانين الدولية!
هذا الكيان يضرب في كل مكان، في أي وقت، دون رادع، دون محاسب، ومن غير أن يقال له: توقّف!
نعم، إنه العلو: ﴿وَقَضَیۡنَاۤ إِلَىٰ بَنِیۤ إِسۡرَ اءِیلَ فِی ٱلۡكِتَـٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِی ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَیۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوࣰّا كَبِیرࣰا * فَإِذَا جَاۤءَ وَعۡدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثۡنَا عَلَیۡكُمۡ عِبَادࣰا لَّنَاۤ أُو۟لِی بَأۡسࣲ شَدِیدࣲ فَجَاسُوا۟ خِلَـٰلَ ٱلدِّیَارِۚ وَكَانَ وَعۡدࣰا مَّفۡعُولࣰا * ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَیۡهِمۡ وَأَمۡدَدۡنَـٰكُم بِأَمۡواَلࣲ وَبَنِینَ وَجَعَلۡنَـٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِیرًا﴾ [الإسراء: 4-6].
لقد علوا في الأرض، وتجبّروا، وقتّلوا الناس، وظلموا، وتمردوا على كل القوانين والحقوق الإنسانية والعالمية، وكل الأعراف تم الاعتداء عليها والدوس عليها من قبل هذا الاحتلال الصهيوني الغاشم، الذي يقهر الضعفاء، بكل أنواع الأسلحة المحرّمة دوليًا، ليغطي فشله وضعفه الحقيقي أمام رجال غزة الأبطال، أمام المقاومة الإسلامية التي نكّست راياته، ومرّغت أنفه في التراب يوم السابع من أكتوبر 2023، ذلك اليوم الذي فتح أعين العالم، ذلك اليوم الذي تم فيه قهر الاحتلال، وبيّن حقيقة ضعفه، وفضح جيشه، وتحطمت أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”، و”أقوى جيش في العالم”، و”أقوى مخابرات في العالم”. فقد تم الدوس عليه، وتعريته، وإساءة وجهه أيما إساءة. وليُغطي ذلك الفشل الذي رآه العالم أمام رجالات غزة وأبطالها، صار يستهدف الضعفاء والمساكين والعُجّز والأطفال والنساء. فهو لم يستطع أن يواجه الأبطال الأقوياء الصامدين، فحوّل معركته إلى الضعفاء والمساكين، والأطفال والنساء والأجنة.
تلا هذا الاستهداف، استهداف واعتداء آخر على أكبر سفينة، السفينة الرئيسية في الأسطول سفينة “الما”، بالطريقة نفسها: مسيّرة تقذف مواد حارقة على ظهر السفينة. الأمر الذي كان كابوسًا يؤرق كل المشاركين، فقد ظنوا أنهم قد يُمنعون من الانطلاق بسبب هذه الاستهدافات التحذيرية التخويفية، التي كان الاحتلال يهدف من خلالها إلى إيقافنا واستسلامنا والعدول عن فكرة الإبحار، وكان واهماً في ذلك. لكنه زاد من بيان حقيقة الاحتلال وخوفه من هذا الأسطول، وأمله في ألّا ينطلق أصلًا، وهذا ما شجع جميع أحرار العالم، وشجّع أبطال الصمود المشاركين، على المضي قدمًا والاستمرار في كسر هذا الحصار، وإنقاذ ما تبقى من غزة.

سفينة ألما وسفينة فاميلي

في اليوم الذي يليه أقيمت ندوات صحفية كثيرة جدًا، تناقلتها القنوات وشاهدها العالم، تندد وتُدين وتجرّم هذا الاستهداف الهمجي على السواحل التونسية، وعلى أناس عزّل يحملون مساعدات إنسانية. وكانت باقي الأيام التي قضيناها في تونس نحو اثني عشر يوماً، تزودنا فيها بكل النقائص وتم إصلاح السفينة وتهيئتها للانطلاق، وشحن الأدوية والمواد الغذائية، فكانت السفن محملة بالمساعدات الإنسانية، بعضها المساعدات الغذائية، ومؤونة الرحلة للطاقم والمشاركين، وأيضًا أجهزة الأكسجين وحليب الأطفال وأدوية.
ومما يبقى في الذاكرة، طيلة تلك الأيام، وجموع الجماهير المغاربية تشجعنا، مع دعوات وعبارات فخر وشكر وإشادة بهذا العمل العظيم، مما يدل أن الشعوب قلوبها معلقة بغزة وبالقدس وفلسطين وبالأقصى مسرى رسول الله ﷺ.
وبعد كامل الترتيبات وتدريبات المشاركين على البروتوكول، بدأت السفن تنطلق الواحدة تلو الأخرى في مشهد سيخلده التاريخ، كل يوم تنطلق 4 أو 5 سفن، وهكذا حتى انطلقت 23 سفينة من تونس العاصمة، من عدة موانئ، من ميناء “سيدي بوسعيد”، “بنزرت”، “قمرت”.
انطلقت سفن الأسطول باتجاه القطاع الحبيب، نحن نتكلم الآن عن 45 سفينة انطلقت من تونس إلى غزة. وما تزال تلتحق السفن الإيطالية واليونانية، والسفينة الليبية الكبيرة “سفينة عمر المختار” كل هذه السفن التقت بالأسطول في المياه الدولية، ودخلنا باب البحر مكبرين مهللين، متوكلين على ربنا عز وجل في جو تغمره السعادة والإقدام والإقبال، مع بعض الحزن على فراق إخواننا الذين كانوا معنا في تونس وقدموا لنا كل المساعدة وكل الإعانات، وكانوا حرصهم على إعداد هذا الأسطول وتقديم كل المعونات والمساعدات الغذائية وغيرها من الأمور، فكلٌ قدم ما يمكنه تقديمه، كلٌ حسب مقدرته وعِلمه ومكانته..
انطلقنا متوكلين على ربنا ليلًا بعد العشاء، يوم 15 سبتمبر 2025م، انطلقنا وكلنا أمل، أن نلتقي إخواننا أهل غزة على شواطئ القطاع الحبيب، القطاع المبارك الذي صمد في وجه الاحتلال الغاشم لأكثر من عامين، قطاع ليس له مثيل في هذا العالم، قطاع كأن أهله ليسوا من أهل هذا العصر، بل هم من عصور أخرى، عصور مباركة عصور الثبات والإيمان والإخلاص والصدق والصمود.
بعد ما يقارب ثلاثة أيام من إبحار كل السفن، في منظر مهيب، حتى كأن الأسماك العجيبة ترحب بالأسطول وتفرح بالأسطول. فها هي الدلافين تقفز وتبحر بالتوازي مع سفن الأسطول، والسمك الطائر يحلق مع بواخر الأسطول، وهو السمك الذي يخرج من البحر ويبقى فوق البحر لما يقارب 300 متر كأنه يطير، ثم يغطس من جديد، كانت هناك الكثير من اللّقاءات في عرض البحر، وسط الأسطول، وكثير من الإعلاميين يصرحون وينشرون، والبث المباشر متواصل ودائم على السفن لا ينقطع، كما كان مصوّر سفير الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ، الإعلامي خالد، الذي كان على متن سفينة “آسيا” الجزائرية مكلفاً بالإعلام وأيضًا بالتموين على السفينة.
وقبيل إيطاليا، أو في المياه الإقليمية لجزيرة صقلية، هذه المدينة في جنوب إيطاليا، جزيرة ضخمة كانت يومًا ما أرضًا يُرفع فيها الأذان، أرضًا تُطبّق فيها شريعة رب العالمين، أرضًا طيبة مباركة فيها الخير الكثير. وقبيل صقلية، تعطل محرك سفينة آسيا أو “سفينة الغوث”، تعطل المحرك، وحاولنا إصلاحه في البحر، لكن اكتشفنا أن هذا العطل يجب أن يُصلح على البر، مما اضطرنا إلى مباشرة مفاوضات مع قيادة الأسطول ومع البحرية الإيطالية لإخراج السفينة من البحر إلى اليابسة لتتم الإصلاحات اللازمة، ونُكمل الإبحار إلى غزة.
بمجرد خروجنا من الميناء، فوجئنا أن أكثر من ست سفن من سفن الأسطول معطلة أيضًا، وتحتاج إلى إصلاحات، منها إصلاحات بسيطة، بل بعضها تعطلت بالكلية ولا يمكنها الإبحار مجدداً. غير أنه من لطف الله عز وجل أن الأسطول كله توقف في مدينة صقلية بسبب الأحوال الجوية المضطربة وسوء الطقس لمدة يومين. لينطلق الأسطول مجدداً، غير أن المؤسف أن سفينتنا غير جاهزة بعد، فحاولنا تجهيزها في أسرع وقت، بإصلاحات مكثفة، حتى تم لنا الأمر، وجربناها أكثر من مرة قبل انطلاقنا. بعد ذلك حاولنا تكوين أسطول صغير لكي لا تخرج السفن التي تعطلت وحدها، تم تجهيز السفن، بما فيهم سفينة آسيا، للانطلاق في أقرب وقت، كي لا يلحق بنا الإعصار أو التقلب الجوي، وطلبوا منا إحضار سفينة كبيرة ترافقنا في حال حدوث عواصف، وذلك بسبب أن الإبحار من إيطاليا إلى اليونان، في هذه المنطقة يعد أخطر منطقة للإبحار، بسبب كثرة الأعاصير والعواصف، وارتفاع الأمواج لما يزيد عن عشرة أمتار في بعض الحالات، وبسبب العمق الكبير الذي يسبب التيارات وارتفاع الأمواج وغيرها، نحن نتكلم عن أكثر من 3000 متر في أعماق البحر.
لذلك، كان لزامًا أن تكون هناك سفينة كبيرة ترافق هذه السفن الصغيرة، فتم شراء وتجهيز سفينة “فلسطين بيتُنا” على أمل أن تكون مساعدة ومرافقة لنا. وتم نقل بعض الأشخاص من السفن التي لم ولن تُصَلّح، إلى سفينة “فلسطين بيتُنا” لإكمال الرحلة. وانطلقنا بفضل الله ومنّه مرة أخرى باتجاه غزة، وكلنا أمل كذلك أن نصل ونحقق المطلوب، ونكسر الحصار الغاشم عن إخواننا في غزة. فرحة من إخواننا المغتربين من الجزائريين والتونسيين وغيرهم، وشهادة لله، كانوا نِعم المؤنسين ونِعم المرابطين، الذين رابطوا في الميناء لمدة تزيد عن 10 أيام، يجهزون الطعام والشراب وكل ما نحتاجه. جزاهم الله كل خير.
فانطلقنا بعد المغرب، أو مع وقت المغرب في الليل، أين ازدادت الأمواج كثافة وعلوًا، وازداد هيجان البحر، وكل ما في السفينة يذهب يمينًا وشمالًا، لكننا مستمرون بإذن الله. وكثير منا، عندما نُبحر، يعاني من دوار البحر. نصف مجموعتنا كانت تعاني من دوار البحر، وهذا الدوار الذي قد يسبب حتى الموت في بعض الحالات. والحمد لله الذي نجّانا منه، واستمررنا وأكملنا طريقنا.
بعد إبحار ليلة كاملة، مع أربع سفن صغيرة، إذ بنا قبيل الصبح، نفاجأ بدخان كثيف يخرج من المحرك بكثافة وبعد محاولات كثيرة للإصلاح، باءت بالفشل، وتعذر علينا إنقاذ سفينة آسيا، الأمر الذي اضطرنا للاتصال بالسفن المرافقة، سفينة “فلسطين بيتنا” وسفينة “X1” وسفينة “فاميلي”، عسى أن يساعدونا أو يُنقذونا أو يُغيثونا، لكن للأسف، لم ترد السفينتان علينا عبر جهاز الراديو، وسفينة “X1” اعتذرت عن إسعافنا بحجة اقتراب العاصفة، وأنها لو تعطلت، ستلحق بها العاصفة.
سبحان الله، وقعنا في مأزق كبير وخطر عظيم، لن يخرجنا منه إلّا الله عز وجل اللطيف بعباده، والحمد لله الذي أنقذنا من موت محقق. فإذا نظرنا إلى الأسباب فإننا هَالِكُون لا محالة: المحرك معطّل ونحن بعيدون كل البعد عن كل السفن، ولو غرقنا لن يستطيع أحد أن يلحق بنا في الوقت المناسب. فنحن أبحرنا ليلة كاملة في المياه الدولية؛ فنحن بعيدون عن إيطاليا وبعيدون عن اليونان، ونحن في وسط البحار، تحتنا أكثر من 3000 متر مياه، فوقنا السماء، ويسارنا ويميننا وأمامنا وخلفنا البحر من كل مكان. والبحر يزداد هيجانًا شيئًا فشيئًا، والأمواج تتعالى وتتلاطم كالجبال، في أخطر منطقة للإبحار (بين إيطاليا واليونان)، ونصفنا مريض لا يستطيع حتى أن يجلس في مكانه أو يرفع رأسه. ولا يمكن الرجوع إلى إيطاليا، لأن المحرك معطّل بالكلية، ومجرّد أن أعدنا توجيه السفينة تعطل المحرك وأخذتنا الأمواج حيث أراد الله شيئًا فشيئًا حتى رَدّنا إلى نفس الميناء الذي كنا فيه بفضل الله ومنّه. وكنا في عالم الأسباب هَالِكِين لا محالة، لكن بفضل الله رجعنا سالمين وحفظنا الله عز وجل.
إن ضاقت قلوبنا وصدورنا، فقد ضاق -كذلك- علينا البر والبحر، وضاقت أنفسنا. لما تبين لنا أن رِحلتنا إلى غزة العزة انتهت للأسف الشديد وتعذرت، خاصّة أن الأسطول ابتعد كثيرًا، والعاصفة البحرية اقتربت جدًا لا يمكننا الإبحار. لكن هناك ذرّة أمل تمسّكنا بها، وهي أننا سننضم إلى أسطول الحرية الذي كان بعد أربعة أيام من ذلك اليوم. لكن للأسف الشديد بعد ذلك تم إبلاغنا أن القرار هو عدم إدراج أي سفينة أو أي مشارك من المشاركين في أسلوب فجّر العيون دمعاً لهذا الحدث العظيم وهذا البلاء العظيم، ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة: 92].
بعد أن كنا متجهين إلى غزة حاملين النصر إلى شواطئها، مهاجرين في سبيل الله عز وجل، نريد أن نحتضن أطفال غزة، أن نلعب معهم، أن ننسيهم المأساة ولو لساعة، أن نقف معهم، أن نُفرح أبطال غزة، أن نكون معهم في وجه العالم وضد العالم، أن نذكرهم: أنتم لستم وحدكم ونحن معكم، أن نجرب النوم في الخيام، أن نحرج الكيان الغاصب أكثر أمام العالم. لكن قدّر الله وما شاء فعل. خرجنا بعد ذلك إلى الميناء وحررنا بيانًا صحفيا للمتابعين والمهتمين والرأي العام عموماً، نقلنا فيه واقع السفينة وراكبيها، وأن سفينة آسيا (الغوث) توقف إبحارها إلى غزة، ويشهد الله أننا بذلنا كل ما في وسعنا من جهد، ولكن حكمة الله بالغة. نحمده عز وجل أن أوصلنا إلى هذا المكان؛ فهو يعلم ما في نياتنا، وواسانا المأثور: “نية المؤمن أبلغ من عمله”، وأصدق وأبلغ من ذلك قول ربنا جل جلاله وحسنت أسماؤه وتنزهت صفاته: ﴿فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ﴾.

قائد سفينة آسيا (الغوث) يتلو بيان تعذر استمرار الإبحار، بعد الرجوع من المياه الإقليمية الدولية القريبة من اليونان
بدأنا إجراءات الرجوع إلى الجزائر مع السفارات ومع القنصليات، ولا يفوتنا هنا شكر جهود القنصل الجزائري، الذي قام بالواجب وسهل لنا إجراءات الرجوع إلى الجزائر عبر البر والجو. وابتداءً ذهبنا إلى مدينة “كاتانيا” في صقلية، وبقينا يومين فيها، زرنا مسجدها المسمى (مسجد الرحمة) في “كاتانيا”، والتقينا بالكثير من الفضلاء من إخواننا الجزائريين والمغاربة والتونسيين وغيرهم من المسلمين الذين تجمعهم كلمة التوحيد “لا إله إلا الله” وقول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾؛ فكانوا نعم الإخوة ونعم السند ونعم المعين في بلاد الغربة والوحشة. فلم ينقصنا شيء وكُفينا في كل أمورنا، والحمد لله عز وجل.
حتى انطلقنا من هناك إلى (مطار روما) حيث بقينا ليلة واحدة، ثم انطلقنا من روما إلى الجزائر، وعيوننا على الأسطول وكل دعمنا للأسطول، وكل نفَسٍ ودعواتنا للأسطول أن يوفّقه الله وأن يكسر به الحصار الغاشم على إخواننا في غزة.
لكن المؤسف مع هذا الكيان الذي هو أخبث ما على الأرض، أنه اعترض سفن أسطول الصمود؛ وبدأ بمحاصرة الأسطول من كل مكان، بسفنه، وإطلاق الغازات السّامة على طواقم السفن، وإطلاق مواد حارقة من المسيرات، لكنه لم يستطع أن يقصف السفن هذه المرة كما فعل من قبل مع سفن كسر الحصار، لأن الأسطول فيه 44 دولة مشاركة، 44 جنسية، وأكثر من 500 مشارك، منهم السياسيون والدبلوماسيون والبرلمانيون الأوروبيون والأمريكيون والعرب والمسلمون وغيرهم، ومنهم الأطباء والمهندسون والوزراء السابقون، فيه كلّ الأطياف وكلّ المهن اجتمعت على كلمة واحدة وهي:
يجب إيقاف هذا الحصار، يجب توقيف هذا الاحتلال، يجب وضع هذا الوحش الذي ينهش العالم شيئًا فشيئًا.
عجز الكيان عن قصفه. لكن تم اعتراضهم بَأَبشع الطرق، وحدثت الكثير من المحاولات لإغراق بعض السفن بالمياه، برش المياه داخلها، ورش المشاركين، وضرب بعضهم وشتمهم، ومحاولة إغراقهم والاستيلاء على السفن بشكل غير قانوني وغير إنساني، في مشهد واضح وانتهاك صريح لحقوق الإنسان والمعاهدات والقوانين الدولية. فهذا أسطول إغاثة إنساني لا يمكن أن يُمسّ في أي حرب، وفي أي مكان وفي أي حالة. لكن الاحتلال الصهيوني، هذا الكيان الغاشم الذي لا يعرف حقًا ولا ينكُر باطلًا، يعذب الأطفال والنساء ويقتل الأجنّة؛ فكيف لا يعتدي على أسطول سلمي إنساني؟
لكن الجميع رأى ضعف هذا الكيان وخوفه. والله الذي لا إله إلا هو، خوف الجندي الصهيوني وهو مدجّج بالسلاح جلي واضح؛ صعد على ظهر السفينة بعد خمس محاولات وترددات، لكنه ضعيف واهن. قلوبهم كالحجر، لكنها تخاف من المؤمنين؛ فإننا -لضلالهم-أشد رهبةً في صدورهم من الله.
وقد اقتادوا المشاركين في الأسطول إلى سجونهم البشعة، وهناك وقعت كثير من الاعتداءات، من ضرب وشتم وتزوير الحقيقة من هذا الكيان. فقد تهجم ما يسمى وزير الأمن القومي في الكيان الصهيوني، مجرم الحر، إيتمار بن غفير، على مئات الناشطين في أسطول الصمود العالمي في مكان اعتقالهم بمدينة أسدود الساحلية جنوب الأراضي الفلسطينية المحتلة، ووصفهم بأنهم “إرهابيون”، وهم مقيدون بالأغلال، ملقون على الأرض وهو يهددهم وينعتهم بقوله: “أنتم إرهابيون”.

في الأخير انتهت رحلة أسطول الصمود، الرحلة التي سيخلدها التاريخ، انتهت هذه الرحلة ولم يتنهِ العمل للقضية الفلسطينية ولم ينتهِ واجب النصرة، نصرة المظلوم، نصرة القدس، نصرة رسول الله ﷺ.
﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40]. لن تتوقف هذه المبادرات فالأسطول يليه الأسطول والقافلة تتلوها القافلة، حتى تعود الأرض لأهلها، ستتنوع الأدوات والوسائل قطعاً لا ظناً، نصرة للأقصى وتحريراً للأسرى، حتى نصلي صلاة الفتح في باحات المسجد الأقصى المبارك ولعل ذلك أن يكون قريباً ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21].
وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد وعلى اله وصحبه أجمعين، ولا غالب إلا الله.
“





