
الاحتلال يوسّع اقتحاماته بالضفة الغربية مع استمرار مناوراته العسكرية
نوفمبر 11, 2025
رحلة سفير الأنصار في أسطول الصمود
نوفمبر 11, 2025دانيال موكوينا
روستنبرغ – جنوب أفريقيا
أنا دانيال موكوينا، أعيش في مدينة روستنبرغ – جنوب أفريقيا.
قضيت نصف عمري تقريباً في باطن الأرض، أعمل في أحد مناجم البلاتين العميقة. كان المنجم بالنسبة لي كعالمٍ آخر، عالمٍ يبتلع الناس في صمت، لا يسمع فيه أحد صرخة أحد.. في الأسفل، لا مكان للضوء، ولا رائحة للهواء. كأننا نحفر في ظلامٍ لا ينتهي بحثاً عن فتات حياة! كنتُ أقول دائمًا إنّ المنجم مرآة الحياة: كثيرٌ من العرق، وقليلٌ من الأمل.
في ذلك المكان الموحش، عرفتُ رجلاً غيّر مجرى حياتي دون أن يدري. كان اسمه “عبد الله “، رجل مسلم من موزمبيق جاء للعمل معنا قبل ثلاث سنوات. لم يكن كثير الكلام، لكنه كان مختلفاً عن الآخرين.. بينما كنا نسبّ ونصرخ في كل شيء، كان هو يبدأ يومه بالدعاء، وينهيه بابتسامة. لم أره يومًا يغتاب أحدًا أو يشاركنا شتائمنا أو مجالس الشراب بعد العمل. كنت أتعجب من هدوئه، كأن قلبه في مكانٍ آخر.
في أحد الأيام، حين اشتدّ الحر في باطن المنجم، انفجر أحد أنابيب التهوية.. ساد الذعر بيننا، وبدأ الناس يركضون في الظلام. وقتها رأيت عبد الله يجري باتجاه الخطر لا هرباً منه، ليساعد زميلاً أغمي عليه.
خرج هو والرجل الآخر بعد دقائق، لكن عبد الله كان يتنفس بصعوبة، وقد التصق الغبار بوجهه حتى كاد يخنقه. جلس على الأرض وقال لي بصوتٍ متعب: “يا دانيال، الحياة قصيرة.. لكن المهم أن تخرج منها بقلبٍ نظيف”.
ضحكتُ يومها بسخرية وقلت: “قلب نظيف؟! نحن في المنجم يا عبد الله، ليس في الجنة!”
ابتسم كعادته وقال: “من عرف الله، عاش بنوره حتى في قلب الظلام”.
كانت جملته غريبة عليّ، لكنّها بقيت ترنّ في أذني أيامًا طويلة.
مرّت الأشهر، وازدادت ظروف العمل قسوة. ثم حدث ما لم أتوقعه.. في صباح يومٍ كئيب، نزلنا إلى المنجم كعادتنا، وكان عبد الله في المجموعة الثانية التي تعمل على عمقٍ أكبر. بعد ساعات، سمعنا صوت انفجارٍ هائل تبعه انهيار جزئي في النفق السفلي. هرعنا نحاول الإنقاذ، لكن الغبار والدخان كانا خانقين.. حين تمكّنا من إخراج المصابين، كان عبد الله بينهم.. ممدداً بلا حراك، ووجهه مغطّى بطبقة من الغبار الرمادي، لكنها لم تخفِ ملامح الطمأنينة عليه.. تجمّدت مكاني وأنا أنظر إليه. لم أرَ في حياتي أحدًا يموت بذلك السكون. كأنه نائم في سلامٍ عميق.
في جنازته، جاء بعض المسلمين من المدينة وصلّوا عليه صلاةً غريبة لم أفهمها، لكنني شعرت أن فيها سكينة وهدوء حقيقي. بعد انتهاء الدفن، اقتربت من أحدهم وسألته: “لماذا أنتم مطمئنون هكذا؟ صديقكم مات!”
فأجابني بهدوء: “لأننا نؤمن أنه انتقل إلى رحمة الله، وليس إلى الفناء”.
هزّتني تلك الجملة من الداخل: “إلى رحمة الله”.. كم تمنّيت يومها أن أصدق مثل هذا الكلام، لكن قلبي كان مثقلاً بالشك.
مرّت أسابيع بعد موته، ولم أعد كما كنت.. صار عبد الله يزورني في أحلامي. أتذكّر ابتسامته، وصبره، وطريقته في الكلام عن الله. كنتُ أقول في نفسي: “ما الذي جعله قويًّا هكذا؟ من أين جاءه كل ذلك النور في الظلام؟”
وفي إحدى الليالي، بينما كنت أتصفّح “فيسبوك” كالعادة لأهرب من التفكير، ظهر أمامي إعلان يقول: “مشروع بصيرة الدعوي.. هل تبحث عن معنى لحياتك؟ نحن هنا لمساعدتك للتعرّف على الإسلام”.
توقفت عند الإعلان كمن وجد شيئًا كان يبحث عنه منذ زمن. شعرت كأنّ اسم “عبد الله” يهمس في أذني. فتحت الرابط دون تردد. كان هناك محاور لطيف يرحّب بي. سألني بعد أن عرف أنني من جنوب أفريقيا: “هل سمعت عن الإسلام من قبل يا دانيال؟”
قلت: “نعم، من رجلٍ اسمه عبد الله.. كان زميلي في المنجم، لكنه مات منذ أشهر”.
فقال: “رحمه الله. يبدو أنه ترك فيك أثراً طيباً”.
أجبته وأنا أتنهد: “لقد ترك فيّ شيئًا لم أفهمه.. كان سعيدًا حتى وهو يعاني، وأنا أعمل نفس العمل وأعيش في الظلام ذاته، لكني لم أشعر بالسلام يوماً”.
قال المحاور بهدوء: “ذلك لأن الإسلام يزرع السلام في القلب لا في الظروف. المسلم يعرف أن الدنيا ممر، وأن ما بعد الموت هو الحياةٌ الحقيقية، لذلك لا يخاف منها”. ثم أضاف: “عبد الله لم يكن يخاف الموت لأنه يعرف الله. هل ترغب أن تعرف من هو”الله” الذي منحه ذلك النور؟”
صمتُّ لحظة، ثم كتبت: “نعم، أريد أن أفهم”.
بدأ يشرح لي معنى الإسلام ببساطة. قال: “الإسلام ليس دين قومٍ دون قوم، بل رسالة الله للعالمين. هو أن تؤمن أن الله واحد لا شريك له، وأن محمداً آخر أنبيائه، أن عيسى عبد الله ورسوله. أن تعيش حياتك في طاعته، وتعمل وتكسب بما يرضي الله، وترحم الناس، وتكون صادقاً مع الله”.
ثم أرسل لي آية من القرآن: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَ اتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾ وقال: “مَن عَرف الله، أضاء الله قلبه بنوره حتى لو عاش في أعمق منجم”.
حين قرأت الآية، شعرت أنني أسمع صدى صوت عبد الله يقولها. كأنّ الله أراد أن يربط بين كلماته القديمة وهذه اللحظة.
قلت للمحاور: “هل تعتقد أن الله سيقبل رجلاً مثلي؟ قضيت عمري في الغفلة والذنوب”.
فقال: “الله أرحم بك من نفسك، يا دانيال. قال النبي ﷺ: “التائب من الذنب كمن لا ذنب له”. لو علم الله صدقك، فتح لك باب النور كما فتح لعبد الله”.
لم أستطع تمالك نفسي.. أجهشت بالبكاء أمام شاشة هاتفي. كنت وحدي في الغرفة، لكنني شعرت أن المكان امتلأ بالسكينة. كتبت له: “أريد أن أبدأ من جديد.. ماذا أفعل؟”
قال: “انطق الشهادتين الآن، وابدأ صفحة جديدة مع الله”.
رفعت رأسي إلى السماء، ثم كتبتها بصوتٍ مرتجف وأنا أرددها مع نفسي: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله”. ما إن انتهيت حتى شعرت كأن باباً فُتح في صدري، وانفجر منه نورٌ داخلي. أحسست بحرارةٍ في قلبي، ودموعي تنهمر دون توقف. كتبت له: “لقد بكيت كثيراً.. لكنني أشعر أنني حيٌّ للمرة الأولى”.
فقال لي: “هذا هو النور الذي وعد الله به من صدق في توبته. الحمد لله يا أخي دانيال، أن هداك إلى الإسلام”.
تلك الليلة لم أنَم. كنت أتنقّل بين رسائل المحاور ومقاطع الفيديو التي أرسلها لي عن الصلاة والوضوء. توضأت للمرة الأولى في حياتي، ثم سجدت على الأرض كما رأيت في المقطع. لم أفهم كل الكلمات، لكنني بكيت كثيراً، وقلت: “يا رب، اجعل قلبي صادقاً مطمئناً مثل قلب صديقي عبد الله، رحمه الله”.
في الصباح، خرجت إلى المنجم وأنا شخصٌ آخر. شعرت أن كل شيء يبدو مختلفًا: الغبار أخف، والظلام أقل، وكأن قلبي صار مصباحًا.حين رآني زملائي، لاحظوا هدوئي. قال أحدهم مازحًا: “ما بك يا دانيال؟ هل ربحت جائزة؟”
قلت بابتسامة لم يعرفوها من قبل: “بل ربحت نفسي”.
مرت الأيام، وصرت أتعلّم أكثر عن ديني الجديد. أشارك في اللقاءات (الأونلاين) مع دعاة مشروع بصيرة، وأتدرّب على قراءة القرآن. بعض زملائي لاحظوا تغيّري، فسألوني عن السبب، فقلت لهم: “أتذكرون عبد الله؟ لقد علّمني النور وهو لا يعلم. والإسلام أضاء الطريق الذي بدأه هو”.
اليوم، بعد مرور الوقت على تلك الليلة، ما زلت أعمل في المنجم، لكنني لم أعد أرى الظلام كما كنت أراه. كلّ ضربة بمعولي تذكّرني بأنّ تحت هذه الأرض معدنًا ثمينًا، كما أنّ تحت التجارب القاسية في الحياة نورًا ينتظر من يبحث عنه. لقد علّمني الإسلام أن النور لا يأتي من الشمس، بل من الإيمان.
الحمد لله الذي هداني بعد طول ظلام،
والحمد لله الذي أرسل إليّ “عبد الله” ليكون السبب، ثم أرسل إليّ مشروع “بصيرة” ليكون الطريق.
أنا دانيال موكوينا… عامل المنجم الذي وجد النور بعد رحيل صاحبه، وما زلت أعمل في المنجم المظلم، لكن بقلب يملؤه نور الإسلام.





