
عُدت من الموت المحقق.. إلى نور الإسلام!
يناير 10, 2026
إندونيسيا – سوريا:
يناير 11, 2026لا تتركوا الساحات فارغة
د. محمد الناهي
سفير الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ في اليمن
الحمدُ للهِ الهادي إلى سواء السبيل، والصلاةُ والسلامُ على سيد الدعاة وإمام المصلحين محمدٍ ﷺ، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد..
فإن في ذاكرة الأمة صفحاتٍ لا يجوز أن تُنسى، ولحظاتٍ لا ينبغي أن تمرّ دون اعتبار. ومن تلك اللحظات الجارحة ذكرى سقوط غرناطة في يناير 1492م؛ تلك الدمعة التي سالت على خدّ التاريخ فأطفأت نور الأندلس، وفتحت أبواب الظلام على المسلمين قرونًا طويلة.
واليوم، تتجسد تلك اللوحة مرة أخرى..
في السودان المجروح، وفي غزة الصامدة، وفي أرجاء الأمة المبتلاة بصراعٍ لا يرحم المتخاذلين. وإن الأمة التي لا تقرأ تاريخها.. سيعيد التاريخ كتابتها كما يشاء عدوُّها.
ذكرى سقوط الأندلس.. درسٌ يصرخ في وجه الغافلين
ما كان سقوط غرناطة نهاية مدينة، بل نهاية مشروع حضارة.. عندما تنازع ملوك الطوائف، وركنوا للراحة، وتركوا الجهاد، وتمسكوا بفتات الدنيا.. سقطت القلاع واحدةً تلو الأخرى، حتى جاء يومٌ سلّم فيه ملك غرناطة المفاتيح بيده.
ويا للعبرة!
وقّع المسلمون اتفاقياتٍ “مقدّسة” مع الإسبان، الذين تعهدوا بحماية المسلمين.. ثم مزقوها في العام نفسه، لتبدأ أقذر عصور الاستعباد ومحاكم التفتيش.
والمعنى الذي لا يزول: الأمة التي تمزّق صفّها يسهل كسرُ ظهرها. والأمة التي تستسلم لعدوها لن تجد عهدًا يحميها.
ارتدادات السقوط.. كيف تحوّل الألم إلى كارثة عالمية؟
لم يكن سقوط الأندلس حدثًا محليًا بل كان شرارةً أشعلت:
- اجتياح الشمال الإفريقي
- حملات البرتغال على سواحل المسلمين
- الالتفاف حول الممالك الإسلامية في إفريقيا
- ثم الغزو الأوروبي للأمريكتين
- بل خططوا للدخول إلى البحر الأحمر.. لهدم الكعبة، ونبش قبر النبي ﷺ.
لقد انكسرت بوابة واحدة.. فدخل منها الطوفان، وهذا درسٌ لا يجب أن يضيع:
سقوط دولة قد يكون سقوط أمة، وصمود مدينة قد يكون حماية لقارات.
السودان.. الأندلس التي تتكرر
السودان اليوم لوحةٌ من الألم: بلد واسع، ثروات هائلة، شعب كريم، ولكنه يُنهش من كل جانب:
- ميليشيات دموية
- دعم خارجي خبيث
- تدمير، اغتصاب، تهجير
- قيادة ضعيفة تهدر المكاسب
- صراع سياسي يقتل كل انتصار عسكري
إنها نسخة حديثة من مصير ملوك الطوائف: انقسام.. فتمزّق.. فتدخل خارجي.. حتى لا يبقى للوطن من يحميه.
وإن أكبر الأخطاء اليوم أن تنتصر القوى الوطنية في الميدان.. ثم تنهزم في المفاوضات، وتضيّع ثمار دماء الشهداء.. ألا فليتذكر السودانيون: غرناطة لم تسقط يوم هُزم جيشها، بل يوم اختلف أهلها.
غزة.. خط الدفاع الأخير للأمة
ما أعجب أمر هذه البقعة الصغيرة! تُحاصر.. وتُجوَّع.. ويشتد عليها البرد.. وينقصها الدواء والماء.. وتُحاربها دولٌ بأكملها، وتضغط عليها قوى العالم لنزع سلاحها وتركيعها.
ومع هذا، ظلت غزة واقفةً في وجه جيشٍ يملك أقوى الأسلحة، لأن القلوب المؤمنة لا تُقهر.
غزة اليوم ليست مدينة، بل عقيدة صمود، وهي الجدار الأخير الذي يحمي الأمة كلها من انهيارٍ أكبر، ولو سقطت -لا قدّر الله- لانكشف ظهر الأمة شرقًا وغربًا.
الدروس الكبرى.. بين دمعة الأمس وجرح اليوم
- الوحدة فريضة لا خيارًا
الفرقة كانت سبب سقوط الأندلس، وهي سبب نزيف السودان، ولو تفكك الصف في غزة لما بقي منها شيء.
- الاستسلام بداية المحارق
اتفاقية غرناطة كانت بداية المآسي، واليوم تُعرض على غزة اتفاقيات تُشبهها.. في ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب.
- صمود معركة واحدة يُنقذ أممًا
معركةٌ واحدة قد تصنع التاريخ، وهزيمةٌ واحدة قد تمزق قرونًا.
- العدو لا يعطي.. بل يخدع
من ظنّ أن العدو سيحفظ عهده، أعاد التاريخ الكذب عليه.
نحو وعي جديد: ما الذي يجب على الأمة اليوم؟
- إعادة بناء خطاب الوحدة وثقافة السدّ
يجب أن يعلم الناس أن تمزيق الصف جريمة، وأن الإرجاف والفتنة خيانة لله ولرسوله ولدماء الشهداء.
- قيادة شجاعة تحسم ولا تتردد
السودان يحتاج رجال قرار، لا رجال تردد. واستثمار لحظات القوة، لا تبديدًا لها.
- صناعة جيل يعرف الجغرافيا والتاريخ
جيلٌ يعرف: أن الأندلس لم تسقط في يوم، وأن غزة لم تصمد صدفة، وأن البلدان الكبرى تُهدم من داخلها قبل أن تُهزم من خارجها.
- دعم غزة بكل سبيل مشروع
غزة اليوم تمثل سور الأمة الأخير.. فحمايتها حماية للمقدسات كلها.
بين دمعة غرناطة ودم السودان وصبر غزة؛ ما أشبه الليلة بالبارحة، لكن الفرق أن التاريخ الآن يُكتب أمام أعيننا.. فإما أن نتعلم من دمعة غرناطة، أو نعيدها في الخرطوم وغزة وسائر أوطاننا.
يا أمة محمد ﷺ.. التاريخ يناديكم:
لا تتركوا الساحات فارغة





