
حين يعيد التاريخ صرخته:
يناير 11, 2026
حوار مع الشيخ الـمُسنِد النبيل بن سابق السبكي
يناير 11, 2026حان الوقت للمُضي قُدماً
فهمي سالم
سفير الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ في إندونيسيا
ليست العلاقة بين إندونيسيا وسوريا علاقة عادية، فسوريا تُعدّ من أوائل الدول التي أبدت تعاطفها واعترفت باستقلال إندونيسيا بعد عام 1945م. وفي تاريخ الدبلوماسية الإندونيسية، شكّل العالم العربي – بما في ذلك سوريا – جزءًا من منظومة التضامن الدولي المناهض للاستعمار التي أنجبت الروح الكبرى لمؤتمر آسيا–أفريقيا (باندونغ) عام 1955م، والتي أكدت أن على الشعوب الحرة أن تقف على أقدامها، وألا تخضع لهيمنة القوى الأجنبية، وأن تتكافل في مواجهة الظلم العالمي.
لكن اليوم، تبدو العلاقة بين جاكرتا ودمشق باردة بشكل غير مبرَّر. فمن الناحية الرسمية، لم تنقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين قطّ. ولا تزال السفارة الإندونيسية في دمشق تواصل عملها، ولم يُسحب السفير منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011. غير أن إندونيسيا، على المستوى السياسي الرمزي، تبدو وكأنها تحافظ على مسافة من الحكومة السورية الجديدة بعد التحول السياسي الكبير في 8 ديسمبر 2024، والتي يرأسها حاليًا الرئيس أحمد الشرع.
ولم يعد السؤال اليوم: هل تغيّرت سوريا؟ بل لماذا لم تتغيّر إندونيسيا بعد، ولماذا تبدو بطيئة في الاستجابة لهذه التحولات في المنطقة؟
إرث “الحذر المفرط” في الدبلوماسية الإندونيسية
تُعرف إندونيسيا بتبنّيها مبدأ السياسة الخارجية “الحرّة والنشطة”. لكن هذا المبدأ تُرجم عمليًا إلى سلوك شديد الحذر: عدم المبادرة بالاعتراف السريع بالحكومات الجديدة التي تحظى بدعم غالبية الشعب السوري، وعدم إظهار اصطفافات سياسية مبكرة، والحفاظ دائمًا على هامش تراجع في حال تغيّرت المعادلات الدولية.
وفي الحالة السورية، تعزّز هذا الحذر بسبب طبيعة الصراع التي لم تقتصر على مواجهة داخلية بين الشعب والنظام في سياق “الربيع العربي” الذي انطلق عام 2011، بل تحوّلت إلى صراع مركّب شاركت فيه قوى عالمية كبرى مثل روسيا والولايات المتحدة وإيران وتركيا، إضافة إلى الفاعلين من غير الدول. وقد اختارت إندونيسيا موقع “المراقب من بعيد”، لا عداءً لسوريا، بل نتيجة لتقاليد بيروقراطية دبلوماسية محافظة للغاية فيما يتعلق بالمخاطر الرمزية.
الصدمة الداخلية: حين صُوِّرت سوريا كساحة “للراديكالية”
أحد أهم أسباب البرود الدبلوماسي الإندونيسي جاء من الداخل. فمنذ عام 2014، دخلت سوريا في الخطاب الأمني الوطني الإندونيسي بوصفها “مسرحًا للراديكالية العالمية” بفعل الحرب الدولية ضد تنظيم داعش. وقد بُنيت كثير من سياسات مكافحة الإرهاب في إندونيسيا على أساس تصوير سوريا كرمز للتهديد.
وعلى مدى ما يقرب من عقد، قُدّمت صورة مبسّطة للرأي العام الإندونيسي: بأن سوريا هي داعش، سوريا تعني إرهاباً دولياً، سوريا تساوي تهديداً للأمن القومي خاصة بعد مشاركة بعض الشباب من إندونيسيا في صف المليشيات الجهادية ضد نظام بشار الأسد، والبعض الآخر انضم علناً إلى صف جماعة داعش في بداية نشأتها، حتى ظهر وسم: “لا تسوّروا إندونيسيا”، أي: لا تجعلوا إندونيسيا امتداداً لساحة الإرهاب الداعشي. وقد ترسّخ هذا الخطاب في تدريبات الأجهزة الأمنية، ومناهج مكافحة الإرهاب، وحتى في الإعلام السائد.
لكن بعيدًا عن هذا التبسيط، فإن واقع سوريا كان وما زال أكثر تعقيدًا. فليس كل فصائل المعارضة السورية “داعش”، وليس كل تغيير سياسي يعني انتصار التطرّف. فالحكومة الجديدة بقيادة أحمد الشرع جاءت من فصائل محلية كانت في صراع مع داعش، وليست جزءًا منه. بل إن دولًا كبرى عديدة –من تركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى الصين وروسيا– بدأت بالفعل باستعادة علاقاتها الدبلوماسية مع الحكومة السورية الجديدة.
وتبدو إندونيسيا متأخرة في هذا المسار، لا بسبب نقص المعلومات، بل بسبب العبء النفسي والمؤسسي الناتج عن صدمة سياسات مكافحة الإرهاب الماضية.
المسار الثاني للدبلوماسية
اللافت أن العلاقات الاجتماعية والدينية بين الشعبين الإندونيسي والسوري بقيت حيّة ودافئة. فقد استمرت علاقات العلماء، والمدارس الإسلامية (البيسانترين)، والمؤسسات الإغاثية الإنسانية، والمنظمات المدنية الإسلامية لسنوات، حتى في ذروة الصراع بين الثوار والنظام السوري السابق.
ولم تنقطع المساعدات الشعبية الإندونيسية لضحايا الحرب في سوريا، كما لم تتوقف قنوات التواصل بين المجتمعات. ثمة مفارقة واضحة: دبلوماسية الشعوب تحرّكت بسرعة وبصدق أكبر من دبلوماسية الدولة التي بدت باردة ومتحفّظة. ففي حين انشغلت الدولة بالحسابات السياسية، تحرّك المجتمع الإندونيسي بدافع إنساني خالص.
كما أن زيارة وزير الأوقاف السوري محمد أبو الخير شكري إلى جاكرتا واستقباله من قبل وزير الشؤون الدينية الإندونيسي نصر الدين عمر في 31 أكتوبر الماضي، كانت خطوة مطمئنة وأرسلت إشارة إلى بداية تعافي العلاقات بين الشعبين الصديقين.
فلسطين: نقطة التقاء المستقبل
تمتلك إندونيسيا وسوريا اليوم تقاطعًا استراتيجيًا متزايدًا حول فلسطين. فبعد أحداث طوفان الأقصى، عادت القضية الفلسطينية لتكون محور الضمير الإسلامي والإنساني عالميًا. وفي هذا السياق، تكتسب سوريا أهمية جيوسياسية كبيرة، إذ يؤثر استقرارها مباشرةً في ميزان القوى الإقليمية ومحور المقاومة ومسارات العمل الدبلوماسي في الشرق الأوسط.
تُعرف إندونيسيا بموقفها الثابت في دعم فلسطين، لكن هذا الدور سيصبح أكثر فاعلية إذا ما مورس بالتنسيق مع دول تقع في قلب المنطقة، وعلى رأسها سوريا. لا بوصفه تحالفًا عسكريًا، بل تعاونًا سياسيًا وإنسانيًا وأخلاقيًا.
ينبغي ألا تُحفظ العلاقة بين إندونيسيا وسوريا كذكرى تاريخية فقط، بل كطاقة للمستقبل.
تجاوز الوصمات الأمنية
إن تطبيع العلاقات مع سوريا الجديدة لا يعني تجاهل خطر التطرّف. ما تزال إندونيسيا بحاجة إلى اليقظة تجاه الشبكات الإرهابية العابرة للحدود. غير أن السياسة الخارجية لا ينبغي أن تبقى أسيرة مخاوف الماضي الناتجة عن التعميم الخاطئ والخلط بين الفاعلين السياسيين في سوريا.
لا بد من التمييز بوضوح بين الصراعات السياسية الداخلية وبين جرائم الإرهاب العابرة للدول. إن الوصم الدائم لا يؤدي إلا إلى خسارة الفرص الاستراتيجية وإضعاف تقاليد الدبلوماسية الإندونيسية المستقلة.
إحياء روح باندونغ
لن تفقد إندونيسيا مكانتها إن هي أصبحت أكثر انفتاحًا، بل على العكس، فإنها ستُحيي هُويتها كدولة رائدة في التضامن العالمي بين دول الجنوب–الجنوب، كما ورثت ذلك من مؤتمر باندونغ عام 1955.
سوريا ليست مجرد قضية خارجية، بل هي مرآة لكيفية فهم إندونيسيا لمعنى الاستقلال والتضامن والدور الأخلاقي في العالم. وإذا أرادت إندونيسيا أن تبقى صوتًا مؤثرًا للعدالة العالمية، فقد حان الوقت لإنهاء تلك المسافة الرمزية.
إندونيسيا وسوريا: شعبان صديقان، حريّ بهما أن يسيرا أقرب إلى بعضهما البعض، من أجل فلسطين، ومن أجل السلام، ومن أجل كرامة الشعوب الحرة.
تهانينا لشعب سوريا العظيم الصابر الصامد في مواجهة الطغيان بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لانتصار الثورة في 8 ديسمبر 2025. نسأل الله أن تتحقق آمالهم في إرساء الكرامة والاستقلال والعدالة الاجتماعية على أكمل وجه.





