
إندونيسيا – سوريا:
يناير 11, 2026
ليلة عاصفة أعادتني إلى نور الفطرة
يناير 11, 2026(2/3)
م. خالد الأحمر الأنصاري
سفير الشباب بالهيئة العالمية لأنصار النبي- الجزائر
استغل الاستعمار سيطرته على بلادنا وسرق كثيرًا من الكتب
لا أشجع أحداً غير متخصص أو في سن صغير أن يُخرج كتباً في الحديث
لم أرَ في حياتي مثل الشيخ عبد الله السعد حفظاً للحديث
منكر السنة هو منكر للقرآن وهذه الشبهات ما أسهل الرد عليها
س: ماذا عن الكتب المفقودة من كتب السنة وكذا المفقودة كمسند بقي ابن مخلد؟
ج: حقيقة ليست كتب السنة فقط، بل كثير من الكتب فقدت من العالم الإسلامي، ولم تفقد بل سُرقت من العالم الإسلامي في فترة الاستعمار. استغل الاستعمار سيطرته على هذه البلاد وسرق كثيرًا من الكتب، من جميع الدول العربية والإسلامية بلا استثناء، وأكثرها كان من الأندلس ومصر ومن بلاد المغرب العربي ومن سوريا، فنُقلت كثير من الكتب إلى الدول المستعمرة وهي موجودة الآن حبيسة في تلك البلاد، منها ما هو موجود في فرنسا ومنها ما هو موجود في بريطانيا، ومنها ما هو موجود في برلين بألمانيا.
وهذه الكتب كثيرة جدًا، ومن العجيب أن كتاب سنن النسائي الكبرى كان من الكتب المفقودة إلى عهد قريب جدًا حتى عثر عليه الشيخ عبد الصمد شرف الدين الهندي وبدأ يرقب له في طبعه لكتاب المزي ولم يكن يذكر له رقما لأنه كان مفقوداً، فلما وجد النسخة صار يرقمها في نسخته، وهذا من كتب السنة الكبيرة جداً، وبعد ذلك اختصره فيما يسمى بالمجتبى أو المجتنى أو سنن النسائي الصغرى، وتوجد تفاسير بلغت الكثير من المجلدات كتفسير “ابن العربي” فيه ما يقارب 100 مجلد ولا وجود له؛ قد فقد.. فهذه الكتب كلها سُرقت وحبست واختفت أو أخفاها عنا الغرب وحاولوا أن يستفيدوا منها، لكن في الفترة المتأخرة بعد فتح هذه المكتبات، فُتح المجال لطلاب العلم أن يرجعوا لهذه المخطوطات أو هذه المصورات. بدأت تخرج إلينا كثير من كتب السنة والعقيدة وغير ذلك، وكل فترة تخرج إلينا كتب جديدة لم يكن يتخيل أحد أن لها وجوداً أصلاً، كنا نسمع عنها فقط أو عن مسمياتها في بطون الكتب الأخرى التي رجعت إليها.
وطبعًا مسند بقي ابن مخلد هذا أكبر مثال ويقال إنه أكبر من مسند الإمام أحمد، يعني في أكثر من 40 أو 50 ألف حديث. وطبعًا اختفاء مسند بقيّ له قصة طويلة مذكورة في الكتب وكيف حجب عن الناس وعن الدروس وعن المجالس العلمية وأُخفيت كتبه وضاع كتابه المسند الذي قضى حياته في جمعه.
س: شيخنا حدثتنا عن المصنفات، حدثنا تكرماً عن أكبر وأشهر المصنفين والحفاظ والمسندين في زماننا.
ج: طبعًا العلم واسع والعلوم متفرعة، ولا شك أن كل زمان ومكان وكل عصر له رجاله. لا شك أن في كل زمان مؤلفين ومصنفين ومحققين وأصحاب دعوات، لا يخلو عصر منهم ومن أمثالهم، والحقيقة هؤلاء كلهم يُكمِّل بعضهم بعضاً. والعصر الحديث عصر التخصصات فلو كان لكل واحد من هؤلاء تخصص دقيق ويتكلم فيه ولا يتجاوزه لا شك أنه سيبدع فيه، المصيبة أن يتجاوز أهل التخصصات تخصصاتهم إلى تخصصات أخرى لا يتقنونها فيأتون بالعجائب! وأنا حقيقة لا أشجع أحداً أن يصنف أو أن يحقق إلا إذا كان أهلاً لذلك متقناً له. ورأيت شباباً يصنفون أربعينيات 40 حديثاً.. وما أسهل أن تختار 40 حديثًا من أي كتاب كبير.
وفي أول شبابي مثل غيري من الشباب حققتُ رسالة “عقيدة السلف وأصحاب الحديث” للإمام الصابوني، واستغرقت في تحقيقها سنتين تقريباً مع قلة المراجع، وكنت أقضي في تحقيقها أوقاتاً كبيرة جداً، وبفضل الله عز وجل لم أتمكن من طباعتها في مصر، وطبعت أول طبعة في مدينة الرياض في دار طيبة سنة 1991 ميلادية، وكانت هذه أول طبعة لكتاب “عقيدة السلف وأصحاب الحديث” في السعودية كلها وبفضل الله عز وجل الكتاب لم يتجاوز أشهرًا حتى اختفى من السوق رغم العدد الكبير من النسخ المطبوعة، طبع منه 3000 نسخة، وطُلب مني أن أختصر التحقيق، فطُبع من هذا المختصر 5000 نسخة، ورغم هذا اختفت كل النسخ ربما خلال أقل من سنة، حتى إن الطلاب لم يجدوا نسخًا من الكتاب في المكتبات، فصاروا ينسخونه لأنه يُقرأ هناك في كل سنة مرة على الأقل، وعرفت أنه قُرئ في الدمام، وقرئ على الشيخ الدكتور عبد العزيز عبد اللطيف في مدينة الرياض.
وعن تجربة رغم هذا الجهد الذي بُذل فيه، إلا أنني لا أشجع أحداً غير متخصص وفي هذا السن أن يكتب في هذه الأشياء، فقد كان عمري 23 سنة، وكنت عارفاً بأصول التحقيق وعملت على أساس هذه الأصول، ولكني بعد 10 سنوات وبعد اختفاء جميع النسخ، حاولت أن أحقق الكتاب من جديد، فنتج كتاب مختلف تماماً كأنه كتاب آخر؛ فالأول كان 150 صفحة أما الثاني فوصل إلى 300 صفحة، واختلافات كثيرة جداً خاصة أنه بعد نسختي ظهرت الكثير من النسخ الأخرى، والخلاصة أنني عندما حققته المرة الثانية، بعد 10 سنوات كأني لم أحققه من قبل، فكانت بالنسبة لي تجربة فاشلة رغم كل الجهود المبذولة فيه، ولذلك لا أشجع أحدًا على ذلك ما دامت الكتب موجودة محققة ومطبوعة، لا يهم أن يكون لك كتاب ولا يهم أن يكون لك ذكر، المهم أن يكون لك ذكر عند الله.
وطُلب مني في أيامها أن أعرضه على بعض المشايخ ليكتب له مقدمة كالشيخ ابن باز رحمه الله وكان حيًّا، والشيخ ابن عثيمين، والشيخ الفوزان، وكان ذلك يسيراً، لكنني رفضت رفضاً قاطعاً، أن يقدّم له أحد حتى لا ينتشر الكتاب على سمعة مَن قدّم له، وليتني فعلت! لأن الكتاب جدير بالانتشار وجدير بالدراسة. وبعدها لم أعمل على تحقيق شيء، وكنت قبلها عملت على تحقيق “أعلام السنة المنشورة” ووصلت إلى منتصفها وتوقفت وحققت بعض الأشياء الأخرى لكني لا أشجع على ذلك إلا أن يكون المحقق متمكناً ويأتي بالجديد.
أما بالنسبة للمسندين فالعالم مليء بالمسندين في كل بقاع الدنيا، حتى في أمريكا، مثل شيخنا محمد فاروق الحنبلي يعيش في أمريكا وغيره يعيش في أمريكا، وسمعنا منهم أشياء كثيرة جدًا بفضل الله عز وجل. مشايخنا من الهنود وغيرهم يعيشون في بريطانيا وسمعنا منهم، غير الذين نسمع منهم كل يوم من الهند ومن باكستان ومن بنجلاديش، وطبعًا من بلاد الشام وغير ذلك من مصريين ومشايخنا النجديين والمكيين والمدنيين وما أكثرهم، والحمد لله الرواية انتشرت في عصرنا انتشارًا واسعًا بعد أن انتقلت إلى القنوات، قنوات الروايات، والأمثلة كثيرة جدًا. مثلاً في بلاد الشام أعلاهم إسنادًا الشيخ محمد مطيع الحافظ -حفظه الله- مُعمر ويُقرأ عليه كل يوم في القنوات الفضائية، وطريق أهل الشام إسناده عالٍ، وأهل اليمن وما أكثر مشايخ اليمن، وما أكثر علماء اليمن في جميع التخصصات، ويقرأ عليهم أيضًا كل يوم: الشيخ إبراهيم الأهدل، الشيخ طاهر الأهدل، الشيخ حسن مقبول الأهدل، الشيخ مصطفى القديمي، وأخوه، وغيره كثير جدًا من أهل اليمن.
أيضاً مشايخنا النجديون: الشيخ صالح العصيمي، الشيخ عبد الله محمود التويجري، الشيخ عبد الله العبيد، الشيخ عبد الله السعد، حفظه الله وفرج عنه.. أما شيوخ الهند، فحدث ولا حرج، لأن علم الرواية تستطيع أن تقول إنه كان حكراً على أهل الهند فترة طويلة من الزمن، وبعد أن اندثرت مجالس الرواية في معظم بلاد العالم الإسلامي تقريباً، كان هناك اهتمام بالغ بعلم الرواية في بلاد الهند، هناك مدارس كبيرة جدًا قديمة ولها أوقاف، ولها طلاب ولها أشياء كثيرة جدًا، فاحتفظت لنا بالأسانيد العالية جدًا، غالب هذه المدارس كان من تلاميذ الشيخ محمد نذير حسين ومحمد إسحاق الدهلوي، وغيره، أو في ديوبند من تلاميذ محمد محمود بن الحسن الديوبندي، أو من تلاميذ الشيخ حسين بن محسن الأنصاري، وهؤلاء كلهم مدارس اهتمت بهذا اهتماماً بالغاً، بل إلى الآن المدارس الإسلامية في الهند الطالب قبل تخرجه بعام يظل سنة كاملة يسمع فيها الكتب الستة على الأقل ويضيف عليهم “مشكاة المصابيح” أو غيره من الكتب حتى يحصل على شهادة التخرج بعد سماع هذه الكتب على مشايخه الذين كانوا يدرس عليهم خلال أربع سنوات.
ما في دولة كما قلت تخلو من الرواة أو من المسندين، لا أقول من المحدثين لأن المحدث له ترتيب حتى نقول عنه محدث، وكذلك الحافظ له اعتبارات معينة كما ذكر في علم مصطلح الحديث، وما أكثر المسندين في العالم الإسلامي! مليء بالمسندين في المغرب وليبيا ومن أهل الجزائر “كالثعالبي”.
س: بالمناسبة شيخنا.. الشيخ “الثعالبي” رحمه الله تلميذ جدّي “علي بن عبد الواحد الأنصاري” وهو أول جد لنا دخل الجزائر (ت1057هــ)، وله تصانيف ومنظومات كثيرة جداً في كثير من العلوم والفنون، حَقق كثيرها المحققون، وناقش بعضهم بها رسائل أكاديمية دكتوراه وماجستير، وعمّنا الشيخ أ. د. جمال بن عمّار الأحمر حقّق كثيراً منها في انتظار طباعتها.


الشيخ المسند النبيل السبكي: نعم ما شاء الله! كذلك بلاد شنقيط فيها كثير من المسندين، لكن أسانيد أهل المغرب نازلة بعض الشيء، لأنه لم يكن لهم الاهتمام الكبير بعلم الرواية على عكس المشارقة، ولذلك من انتقل منهم إلى الشرق كان إسناده عالياً؛ لأنه وصل من قبل أهل المشرق، وطبعًا أهل مصر لهم أسانيد عالية. وسبحان الله غالبها يرجع إلى الأمير الكبير والأمير الصغير وأصولهم مغاربة ولما انتقلوا إلى مصر علت بهم الأسانيد، فليس ثمة دولة إلا وفيها بفضل الله عز وجل مسندين ولكن الهند تتميز بكثرة المسندين، يعني كما يقولون “كم في الزوايا من خبايا” ففعلاً فالهند مليئة وكل فترة من الزمن نجد معمرين ومشايخ أصحاب أسانيد عالية لا يعرفهم أحد ولا يسمع عنهم أحد، يعيشون في قرى بعيدة نائية لا يعرفهم أحد حتى ليذهب إليهم فينقل إلينا أخبارهم.
س: شيخنا الفاضل ماذا عن حُفّاظ عصرنا؟
ج: لفظة الحافظ لها معانٍ، والحافظ هو من يحفظ على الأقل الكتب الستة عن ظهر قلب، حفظاً بأسانيدها، ويقدر على تمييز الحديث الصحيح من الضعيف، وله معرفة تامة بعلم العلل، وله معرفة بعلم الرجال، وعلم الجرح والتعديل، وعلم الوَفَيات، فيحفظ كل هذه الأمور، لا أن يعرفها فقط. وفي هذا الأمر لم أقابل ولم أر في حياتي مثل الشيخ عبد الله السعد فرج الله عنه وخاصة في هذا الباب حفظاً. وسمعت أن الشيخ عبد العزيز الطريفي له في هذا الباب أيضاً، فهذا من نستطيع أن نقول عنه حافظ ودونه المحدث، وأيضا يندر أن تجد محدثاً! فله شروط معينة فأمثالنا وأكثر من تراهم الآن لا نتجاوز كوننا مسندين لهذه الأحاديث والمرويات وإن كان ملمّين بعلم الحديث، لكن بعض الطلاب أحيانًا يتجاوز ويسمي المسندين محدثين وهذا تجاوُز في الحقيقة، إلا أن يكون له قدرة على تمييز الصحيح من الضعيف من الحسن له معرفة بالرجال قادر على ضبط الحديث هذا ما يسمى بالمحدث. أما الأصل كلهم مسندون للحديث.
س: لا يخفى على كريم علمكم، حوارنا اللّحظة يأتي في زمن انتشار مُنكري السنة، أو من يسمون أنفسهم بالقرآنيين، وهؤلاء لا يتوقفون عن إثارة شبهات كثيرة في العقيدة وغيرها، يهدفون لإبعاد الناس عن سنة نبيهم ﷺ، فما السبيل شيخنا لحماية الشباب والأمة منهم؟
ج: الحقيقة تسمية القرآنيين تسمية خاطئة، فلو كانوا كذلك على الحقيقة لانتصروا للسنة، فما أشبههم بأم يعقوب رضي الله عنها، وإن كان الشبه ليس بكبير بينهم، فعنها قالت لعبد الله بن مسعود: سمعت أنك تقول: “لَعَنَ اللَّهُ الوَاشِمَاتِ والمُوتَشِمَاتِ، والمُتَنَمِّصَاتِ، والمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ” فمن أين جئت بهذا اللّعن؟ فقال: هو في كتاب الله، فقالت: إني قرأت ما بين دَفَّتي المصحف فلم أجده، قال: إن كنتِ قرأته فقد وَجدته، قالت: وأين ذلك؟ قال: في قول الله عز وجل: ﴿وَمَاۤ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُوا۟﴾ [الحشر: ٧].
فلو كانوا قرآنيين حقاً لأخذوا بهذه الآية، فالسنة مبيِّنة للقرآن، والسنة مكملة للقرآن من حيث الأحكام الشرعية، فكثير من الأحكام الشرعية ذُكرت في القرآن إجمالًا ثم تأتي السنة بالتفصيل. وإلا كما قال الصحابي الذي سأله الذي قال له أيضًا: من إنكم لتأتون بأشياء غريبة لم نجدها في القرآن، قال: وهل في القرآن كل شيء؟ فأين في القرآن أن تُصلي خلف المقام؟ أن تسعى بين الصفا والمروة؟ وأين في القرآن أن صلاة الظهر أربع ركعات وثلاث في المغرب وغير ذلك. فاحتجَّ عليه بأن السنة هي مكملة للقرآن.
فمنكر السنة هو منكر للقرآن وهذه الشبهات ما أسهل الرد عليها لاسيما أن هؤلاء جهالاً لم يدرسوا السنة دراسة حقيقة، ولم يدرسوا القرآن ولو فعلوا لذهب عنهم هذا الجهل، وكذلك مثلهم العلمانيون وغيرهم، وهم ظهروا مؤخراً وكانت بداية ظهورهم في مصر، إنما يتبع هؤلاء الشبهات وغالبها يسرقونها من كتب الأقدمين من أصحاب الفرق القديمة كالمعتزلة والجهمية وغير ذلك، ثم يخرجون بها علينا في هذا العصر. فما أسهل الرد على أمثال هؤلاء.
س: من المؤسف أن يقدح هؤلاء في السنة وناقليها، ولكن المفرح أن كثيرًا من المنصفين والمستشرقين مع كفرهم يشهدون بدقة علماء الحديث المسلمين، وأنهم بالإسناد تفوقوا في التحقيق العلمي لتراثهم، فنحن بحمد الله لسنا مثلهم فقد خصهم الله عز وجل بصحف في أيديهم فخلطوا بكتبهم أخبارهم فليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل، وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار.. ما تعليقكم على ذلك؟
ج: الإسلام خصه الله سبحانه وتعالى بالحفظ، كما قال عز وجل: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ، والذكر يشمل القرآن ويشمل السنة. فالله عز وجل هو الذي تكفّل بحفظ هذا الدين، أما الكتب السابقة فلم يتكفّل الله بحفظها وإنما تركها لأهلها لكي يحفظوها، فكانوا يحفظونها كمجرد تعاليم، لم تكتب ولم تصنف ولم تفرد بأسانيد، حتى يُقال إن أول إنجيل كُتب بعد رفع عيسى عليه السلام إلى السماء بنحو 200 عام. وكل هذا الزمن كفيل بأن يجعل كل ما حفظ من الإنجيل لا أثر له ولا وجود له، ولذلك حصل التحريف والزيادات والنقص، والتوراة نفس المسألة، صُحفت وحُرفت كما أخبرنا الله عز وجل: ﴿یُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ﴾ [النساء: ٤٦]. ويخفون أحكامًا كما فعلوا في عهد النبي ﷺ حيث أخفوا حكم الزاني المُحصَن، ويُظهرون أحكامًا وغير ذلك.
أما المسلمون أو الإسلام بصفة عامة فالله عز وجل قيّض له علماء وضعوا أصول علم الحديث، وهو علم لم تسبق إليه أمة من الأمم السابقة من لدن آدم وربما إلى قيام الساعة، فحفظ الحديث حفظاً دقيقاً عجيباً، طبعاً الذي كان له الدور الأكبر في هذا هو الإمام البخاري رحمه الله، وإن كان قد سبقه علماء اجتهدوا في وضع أصول هذا العلم ووضعوا ضوابط لأخذ السنة وضوابط للرواية وغير ذلك، كيحيى بن معين ويحيى القطان وغيرهما. لكن الإمام البخاري يعد أعظم من وضع أصول هذا العلم في كتابه المسمى التاريخ الكبير، وفيه أعاجيب، حتى الإمام أبو حاتم الرازي أخذ الكتاب عندما وصله وذهب به إلى أمير البلدة “نيسابور” فيما أذكر أو غيرها وقال له: ألا أريك سحرًا؟ قال: وما ذاك؟ فقرأ عليه مما كتبه الإمام البخاري في التاريخ الكبير، فتعجب تعجبًا شديدًا. لأن البخاري في التاريخ الكبير وضع التاريخ وعلم الرجال يعني تراجم للعلماء وأيهم ثقة وأيهم غير ذلك، وتكلم عن علل بعض الأحاديث، فوضع علم العلل وتكلم على الوفيات فوضع فيه علم الوفيات أيضاً، فكل من جاء بعده صنّف في هذه العلوم تفصيلًا؛ فالبخاري أجمل هذه العلوم إجمالًا في كتابه، ثم ظهرت بعد ذلك كتب الجرح والتعديل ابتداءً، وظهرت كتب العلل لابن أبي حاتم وعلل الدارقطني وغير ذلك، وظهرت كتب الوفيات وظهرت كتب متعددة في هذا الباب.
وظهر ما يسمى بعلم الاصطلاح أيضًا، محاولات الأئمة السابقين، حتى وصل إلى الإمام ابن الصلاح الذي صنّفه تصنيفًا جيدًا بكتابه المعروف “علوم الحديث” حتى قالوا: لقد احترق علم المصطلح في عهد ابن الصلاح! وفي الحقيقة هو لم يحترق فجاءوا من بعده وزادوا زيادات أخرى في علم الحديث؛ مثل الإمام السيوطي وابن حجر وابن كثير وغيرهم، وكثرت التصانيف، فهذا العلم محكم ودقيق جدًا.. منهج علمي دقيق.
ولذلك الغرب عندما يطّلعون على هذا المنهج يَذهلون من دقة هذا المنهج الذي حُفظ به هذا العلم وحُفظ به الدين. وإلى الآن القراءات القرآنية لا زالت إلى يومنا هذا تُتناقل بالسماع. لا يُسمّى أحد مقرئًا ولا ينال إجازة إلا إذا قرأ القرآن عن ظهر قلب بقراءة من القراءات العشر المشهورة المعروفة، فهنا يُجاز بأن يصير قارئًا ومُقرِئًا. فعلوم دقيقة جدًا حفظ الله عز وجل لنا بها هذا الدين سواء كان القرآن أو كانت السنة. وهو ما يُتداول الآن من إجازات قرآنية وإجازات حديثية وغير ذلك، وإن كان هذا الآن في عصرنا من الملح، نعم هي من الملح، لأن الكتب صُنّفت وكتب الأحاديث صنفت ووضعت في مصنفات، ونحن نقرأها أو نتناولها بالشرح وبالتعليق فقط، ولكن الكتب صنفت الآن في كل علوم الحديث، وهي علوم كثيرة جدًا منها غريب الحديث، أسباب ورود الحديث وغيرها الكثير من العلوم.
س: مما بلغنا عن أهمية السند في الأمة الإسلامية قول أبي حاتم الرازي: “لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله آدم أمناء يحفظون آثار الرسول ﷺ إلا في هذه الأمة”. وقول أبي بكر محمد بن أحمد: “بلغني أن الله خص هذه الأمة بثلاث خصال لم يُعطها مَن قبلها: الإسناد، والأنساب، والإعراب”. وأيضاً قول الشافعي رحمه الله: “مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد كمثل حاطب ليل”. وقول الثوري رحمه الله: “الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح، فبأي شيء يقاتل؟” ومن المؤسف أن مجالس الرواية تشهد فوضى في كثير من القضايا، منها: حروب بين الرواة والمشايخ، تصدُّر الصغار للرواية، التكسّب بالرواية، اعتماد طرق غريبة عجيبة في الإجازة، أقرب ما تكون إلى تلاعبات في كثير من الحالات، الكذب في السماع والقراءة، اعتماد نسخ غير محققة.. فهل من آليات لدى المشايخ والمسندين لإيقاف هذه الانحرافات التي تؤثر على خدمة الأحاديث النبوية؟
ج: الحقيقة أن الضوابط موجودة أصلاً في هذه العلوم، ولو طُبّقت ضوابط الرواية التي كتب عنها كثير من العلماء وخاصة كتب الإمام الخطيب البغدادي، فإن له مصنفات عديدة في هذا الباب، وقد قيل: إن المحدثين عيال على الخطيب البغدادي في هذا الباب، فلو طُبقت تلك الضوابط لذهب كل هذا الغُثاء وكل هذه المفاسد التي أُدخلت على علم الرواية، ولن يبقى من هذه العلوم ولا من ذكر أصحابها إلا ما كان خالصًا لوجه الله تلقّيًا وأداءً.
كل من حاول أن يكذب ولو مرة واحدة، أو لم يصدق مع نفسه، أو لم يصدق مع الله عز وجل، فسرعان ما تذهب روايته أدراج الرياح، ولا يسمع منه أحد، ولا يلتفت إليه أحد. بل حتى بعض الناس أحيانًا يجلسون في مجالس خاصة مع معمرين يدفعون مبالغ كبيرة، أو لمن حولهم، من أجل أن يتفردوا بالرواية عنهم. والله لا يبقى شيء من ذلك. فقد يموت ولا يُسمع منه أحد، قد يُشغله الله عز وجل بأشياء أخرى ولا يسمع منه أحد! فالأصل أن هذا العلم يُبذل لله، ومن لم يبذله لله فلن يُستفاد منه فائدة أبدًا. وكل من كذب أو حاول أن يكذب على رسول الله ﷺ مصيره كما قال النبي ﷺ: “مَن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار”. وهذه أكبر مصيبة وأكبر طامة.
لابد من الإخلاص في أداء هذا العمل، إخلاص في الأداء وإخلاص في التلقي. ومن كان في حاجة إلى المال في هذا الأمر لا بأس أن يأخذ بقدر حاجته، لا يغالي ولا يطالب ولا يفرض إنما يأخذ بقدر احتياجه. وعلى أهل العلم أصلًا أن يبحثوا عن مثل هؤلاء إذا كانوا فقراء أو محتاجين وأن يغنوهم من غير طلب، ولا يُحملون على طلب المال ولا يبقى كما قلت إلا ما كان خالصاً لوجه الله عز وجل. ومما يحدث في مجالس الرواية الآن من آفات، فالعلم نفسه له آفات كما أن له فضائل، كما أن مجالس الرواية لها فضائل، فلها أيضًا آفات. وهذه الآفات إن لم تعالج فإنها مهلكة لا محالة؛ فهذا العلم لا يكون إلا لله ولا يُقبل منه إلا ما كان خالصًا لوجه الله، بل لا يبقى منه في الدنيا إلا ما كان خالصًا لوجه الله. وكم من العلماء من كانوا في زمانهم غير مشهورين ولا معروفين فأحيا الله علمهم بعد قرون كثيرة، وأكبر مثالٍ على ذلك، الإمام النووي -رحمه الله-في آخر القرن السادس، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، ربما كتبهم وعلمهم لم يكن مشهوراً ومنتشراً كما هو الآن بعد ستة أو سبعة أو ثمانية قرون يخرج الله عز وجل هذه العلوم والكتب بنوايا أصحابها وإخلاصهم في هذا الباب!
[هذا ونستكمل الحوار في العدد القادم إن شاء الله تعالى]





