
الجيش السوري يطهّر الشيخ مقصود من قسد
يناير 10, 2026
حين يعيد التاريخ صرخته:
يناير 11, 2026جيسون أوديامبو
كيني
أنا جيسون أوديامبو، من قرية صغيرة تقع قرب غابة “كاكاميغا” غرب كينيا.
وُلدت في أسرة تعمل في جمع الأعشاب الطبية وبيعها في أسواق القرى. كان والدي خبيرًا في النباتات، يعرف ما يشفي وما يهدئ الآلام. أما أمي فكانت تبيع الشاي الساخن عند محطة الحافلات، وتبتسم لكل عابرٍ كأنها تعرفه منذ سنوات.
كبرتُ في هذه البيئة الطبيعية، بين الأشجار العملاقة التي تشبه أعمدة السماء، وبين طيور الصباح التي كانت توقظني قبل الشمس. لكنني، رغم هذا الهدوء الخارجي، كنت أحمل بداخلي ضجيجًا لا يعرف السكون.
مرحلة الطفولة: بداية الأسئلة
منذ طفولتي، كنت أختلف عن إخوتي. هم يحبون اللعب والركض في الغابة، أما أنا فكنت أقف طويلًا عند ضفة النهر، أحدق في المياه التي لا تتوقف. كنت أسأل نفسي:
من جعل الماء يجري بلا توقف؟ ولماذا لا أشبه الآخرين في روحهم الخفيفة؟ لماذا أبحث دائمًا عن شيء لا أعرف اسمه؟
لم يكن أحد يفهمني. كانوا يقولون لي: “جيسون… الحياة بسيطة، لا ترهق نفسك بالتفكير أكثر مما يجب”. لكن قلبي كان رافضًا لهذه السطحية! كنت أشعر أن هناك “قوة” وراء الطبيعة، أعظم من المعتقدات التقليدية التي يسمّيها أهالي القرى “أرواح الأجداد”.
حاولت الدخول في الكنيسة كما يفعل معظم أهل منطقتنا. حضرت الصلوات، شاركت في التراتيل، لكن شيئًا في قلبي كان فارغًا. كنت أردد الكلمات دون أن أشعر بمعناها.
دخولي عالم التجارة
بعد بلوغي العشرين، سافرت إلى مدينة “كيسوموا” لأعمل هناك. اشتريت مركبة صغيرة لنقل البضائع، وكنت أتنقل بين القرى والأسواق. كانت حياتي عملية ومليئة بالتحديات.
لكن رغم المشاغل، استمر السؤال القديم في مطاردتي: من هو الإله الحق؟
بحثت في الكتب، شاهدت برامج، قرأت مقالات، لكنني لم أصل إلى يقين. كنت أقول لنفسي: “لو كان الله يريدني أن أعرفه.. فلماذا لا يرسل لي إشارة أو رسالة ما؟” لم أكن أعلم أن الإشارة ستأتي من حيث لا أتوقع.
الليلة التي غيرت حياتي
في إحدى الليالي، كنت أقود شاحنتي الصغيرة محمّلة بصناديق الفاكهة في طريق عودتي من “إلدوريت”. السماء كانت مظلمة، والطريق شبه خالٍ. وبينما أنعطف بالقرب من منحنى حادّ، انزلقت عجلات الشاحنة بسبب الأمطار، وفقدت السيطرة للحظات. صرخت دون وعي: “يا رب، أنقذني!” لا أعرف لماذا قلتُ “يا رب”. لم أكن أعرف من أقصده، لكن الكلمة خرجت مني كأنها كانت تبحث عن صاحبها.
الشاحنة توقفت في اللحظة الأخيرة قبل أن تسقط في منحدر خطير.. نزلت منها وأنا أرتجف. وقفت تحت المطر، مصدومًا، منهارًا، خائفًا، ثم شعرت بشيء جديد: لحظة يقين.. أن هناك من حماني! تلك الليلة لم أنم. بقي السؤال يطرق باب قلبي: من هذا الذي نجاني؟
البداية: مقطع ظهر أمامي بلا قصد!
بعد الحادث بثلاثة أيام، كنت أتصفح الإنترنت على هاتفي المتواضع، أبحث عن معنى لمشاعري. ظهر لي بالصدفة -أو هكذا ظننت- منشوراً بعنوان: “لماذا نحتاج إلى إله؟” لصفحة تسمى: “مشروع بصيرة الدعوي”. لم أكن أعرف شيئًا عن المشروع، لكن شيئًا ما بداخلي دفعني لمتابعة هذا المنشور والتصفح عبر هذه المنصة! وأول ما قرأت:
“كل إنسان في الحياة يمر بلحظة يسمع فيها نداء من أعماق قلبه: عُد إلى ربك. قد تكون بعد حادث، أو بعد خوف، أو بعد خسارة.. لكن النداء نفسه للجميع.. تلك هي الفطرة السليمة!”
تجمد جسدي.. كنت أشعر أنه يتحدث عني أنا تحديدًا.. تابعت القراءة حتى النهاية، وفي آخره ظهر رابط للدردشة مع محاور من المشروع ذاته، وعبارة تقول: “هل تبحث عن الحق؟ تكلم معنا”.
ترددت قليلاً.. لكن الأصوات التي سمعتها في ليلة الحادث عادت! فضغطت على الرابط.
الرسالة الأولى: بداية التحول
كتبت: “مرحبًا.. لدي أسئلة كثيرة عن خالقنا.. أنا لا أعرف مَن أعبده”.
فردّ المحاور: “أهلاً ومرحباً بك. هذا أجمل سؤال يمكن لإنسان أن يسأله. ما الذي يشغل قلبك؟”
بدأت أخبره عن الحادث، عن خوفي، عن فراغي الذي لا يملؤه شيء. لم يسخر مني.. لم يقل لي “أنت مخطئ”. بل قال: “الخوف الذي شعرتَ به ليس ضعفًا، بل دليلاً على أن قلبك حيّ”.
وسألني: “هل تعرف شيئًا عن الإسلام؟” قلت: “قليل جدًا.. ولا أعرف إن كان هو الدين الحق أم لا!”
فقال: “دعنا نبحث معًا، دون ضغط، دون أحكام. اسألني ما تشاء”.
أسئلتي الأولى: بداية الفهم
سألته:
- من هو الله في الإسلام؟
- هل يشبه الإنسان؟
- هل له ابن؟
- لماذا أرسل أنبياء؟
- لماذا يعبد المسلمون ربًا لا يرونه؟
وكان يجيبني إجابة بعد أخرى، بصبرٍ وهدوء لافت! وكان يرسل لي مقاطع مترجمة للإنجليزية. كنت أقرأ وأشعر أن الأسئلة التي كانت تحاصرني منذ سنوات وجدت طريقًا للخروج.. أكثر آية هزّت قلبي كانت: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: 4].
قلت له: “هل يعني هذا أن الله كان معي في الحادث؟”
أجاب: “نعم.. وقد نجاك لحكمة يعلمها هو، ربما ليقودك إلى الطريق”.
التحول الكبير: اللحظة التي لم أتوقعها
في إحدى الليالي، كنت جالسًا في سيارتي على ضفة بحيرة فيكتوريا،الهواء كان باردًا، والماء صامتًا، والسماء مليئة بالنجوم.. كتبت للمحاور: “أشعر أن قلبي يلين.. لكني خائف. ماذا لو اخترت الدين الخطأ؟”
فقال: “من يطلب الحق، لن يُضيّعه الله.. سأرسل لك مقطعًا قصيرًا. شاهده بقلبك لا بعينك”.
أرسل لي فيديو بعنوان: “ما معنى أن تسلم قلبك لله؟”
كان الفيديو لرجل يبكي وهو يدعو ويناجي ربه ويقول: “يا رب، أنت أقرب إليّ من نفسي”.
فجأة شعرت أن قلبي ينفتح.. كأن أحدًا يدفع بابًا كان مغلقًا منذ سنوات. كتبت له: “أريد أن أعرف الله حقًا.. ماذا أفعل؟”
قال: “إن آمنت أنه لا يوجد معبود بحق إلا الله.. وأن محمدًا عبده ورسوله؛ فقل الشهادة الآن”.
ارتعشت يداي، لم يكن حولي أحد، كنت وحدي عند البحيرة، لكني شعرت أنني لست وحدي. قلت بصوتٍ مرتجف: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله”. وما إن خرجت الكلمات من فمي.. حتى بكيت، بكيت كما لم أبكِ في حياتي! كانت دموعًا حقيقية، وصادقة، تغسل روحي من الداخل.
في اليوم التالي: ولادة جديدة
استيقظت وأنا أشعر أن العالم مختلف، لم يصبح أفضل فجأة، بل أصبح أوضح.. كنت أشعر أني أرى الأشياء لأول مرة: الشمس،الأشجار،البشر،نفسي! كأن الغشاوة التي كانت على قلبي قد رُفعت! بدأت مرحلة جديدة بفضل الله مع مشروع بصيرة، فقد انضممت إلى قسم التعليم لديهم، لأبدأ تعلم تعاليم الإسلام بحق. وبالفعل بدأت بتعلم: كيف أتوضأ؟ كيف أصلّي؟ أحفظ ما تيسر من القرآن، وكيف أتعامل مع أهلي بودّ بعد الإسلام؟ والكثير والكثير من تعاليم الإسلام.
كنت أتعلم كل يوم، وأحاول الصلاة بقدر ما أعرف. وفي كل مرة أسجد.. كنت أشعر براحة كاملة لم أعرفها منذ وُلدت.
بدأت أعامل الناس بحسن خلق؛ كنت أردّ البضاعة المفقودة لأصحابها، وأرفض الرشوة الصغيرة التي كان يطلبها بعض الموظفين مقابل المرور، وكنت أساعد المسافرين بلا مقابل. أحدهم قال لي: “جيسون.. أصبحت إنسانًا مختلفًا. ماذا حدث؟” ابتسمت وقلت: “الله يهدي من يشاء”.. لكن لم يكن لدي الشجاعة بعد لإخباره أني أصبحت مسلمًا!
موقفي تجاه أسرتي
كنت أخشى ردّة فعل والديّ، لكن حين أخبرتهما، لم يغضبا! قال والدي: “يا بني.. أهم شيء أن تصبح إنسانًا صالحًا، أن تنفذ ما تؤمن به”. وقالت أمي: “كنت أدعو الله سرًا أن يرشدك. وربما هذا ما كنت تحتاجه”.
تعجبت كثيراً.. لم يعارضاني ولم يوبخاني ولم يطرداني من المنزل! لا أعرف ما الذي منعهم من فعل أي شيء من هذا! ربما هو الله الذي هداني إلى الحق! يحميني من غضبهما كما حماني من الموت أثناء الحادث الذي وقع لي! لا أعرف! لكن كانت دموعي تنهمر دون توقف.
اليوم.. وبعد أشهر من الإسلام،صرت أذهب أسبوعيًا إلى مسجد صغير في ضواحي المدينة، أتعلم فيه ما لا أستطيع تعلمه وحدي، وأصبح لديّ أصدقاء مسلمون من كينيا وتنزانيا.
لكن الشيء الذي أفتخر به أكثر.. هو أنني أصبحت أرسل مقاطع من مشروع بصيرة لغيري من الشباب الذين يبحثون عن الحقيقة، وفي كل ليلة، أقف عند ضفة البحيرة نفسها التي أسلمت عندها، وأقول: “يا رب.. شكراً لأنك أنقذتني قبل أن أفقد نفسي”.
كنت رجلاً بسيطاً.. كان يعيش في خوف وجهل وضياع، حتى قاده الله إلى مقطع في الإنترنت، ثم إلى حوار صادق من خلال مشروع بصيرة الدعوي، ثم نور إلى الإسلام. اليوم حين أنظر إلى حياتي قبل الإسلام وبعده، أعرف شيئًا واحدًا: أن الله لا يترك من يبحث عنه، ولو كان في أعمق نقطة داخل غابة!
كل الشكر والدعاء لمن كان سبباً في عودتي إلى فطرتي السليمة.. إلى الإسلام. شكراً مشروع بصيرة.. شكراً لكل من أخذ بيدي إلى الله.. شكراً لكل من علمني حرفاً يقربني إلى الله.





