
12 شهيدا ومفقودا بغزة بسبب البرد وتداعيات المنخفض
ديسمبر 12, 2025
الرسول ﷺ في قلوب مسلمي الهند جذوة لا تنطفئ
ديسمبر 12, 2025م. خالد الأحمر الأنصاري
سفير الشباب بالهيئة العالمية لأنصار النبي- الجزائر
السلام عليكم، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم قراءنا الأكارم الأعزّاء..
مرحبًا شيخنا ومجيزنا المسند النبيل بن سابق السبكي..
الشيخ المسند النبيل السبكي: أهلا وسهلا حيّاكم الله وبياكم، سعيد بوجودي معكم والشكر موصول لهيئة مجلة أنصار النبي ﷺ.
م. خالد الأحمر الأنصاري: أمة محمد ﷺ خصّها الله تعالى بالإسناد، فما نُقلت ولا دُوّنت الأحاديث النبوية، ولا حتى آثار الصحابة والتابعين، إلا عن الثِّقات، المعروفين في زمانهم، المشهورين بالصدق والأمانة، والذين كانوا هم الأحفظ والأضبط للمروريات. فإذا ما كتبوا الحديث ذكروا طرقهم إليها، وهذّبوا المرويات من الغلط والزلل، وبوبوها على أسانيدهم أو على الأبواب الفقهية.
حوارنا اليوم مع ضيف مجلة أنصار النبي ﷺ، المتفرّغ منذ عقود يقضي نور يومه، وظلام ليله مستمعا وقارئا، يصحّح ويضبط، ويحقّق ويدعم النُّسخ التي بين يديه من دواوين السنة، ناثرا هذه التركة النبوية بين طالبيها من العرب والعجم منذ عقود، لازم حُفّاظ الدنيا في بيوتهم ومساجدهم، وانقطع نسبيًا عن زوجاته وبنيه وبناته في محراب حديث رسول الله ﷺ.
دون إطالة عليكم، أبدأ هذا الحوار الحديثي مع شيخنا المُسند، الذي -أكرمنا الله- فقرأنا عليه، وسمعنا منه منذ سنوات وإلى اليوم، كثيرًا من كتب السنة وغيرها، من المتون في التجويد والحديث، والفقه والأصول، واللغة نحوها وصرفها وبلاغتها.
حوارنا مع الشيخ المسند: النبيل بن سابق السبكي حفظه الله ورعاه وللخير أبقانا وأبقاه.
م. خالد الأحمر الأنصاري: شيخنا الحبيب، لعله من القواعد المعمول بها عند علماء الحديث القدح في الأسانيد التي فيها رواة نكرة، وحوارنا اليوم يدور كله حول الحديث النبوي، وعليه اقتفاء بسيرة المحدّثين نرغب في الخروج من دائرة النّكارة، من خلال تعريف القراء الكرام بالشيخ النبيل السبكي.
الشيخ نبيل بن سابق السبكي: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد، النبيل بن أبي القاسم آل سابق السبكي، نسبة لقريتي بسُبك الأَحَد، التابع لمركز أشمون بمحافظة المنوفية، وهو مركز عامر بالعلم وأهله، فيه عاش كثير من أهل العلم في قرى متعددة من هذا المركز، وأما قريتي سبك الأحد بصفة خاصة وإن لم يكن لها اسم على الخريطة الجغرافية الحديثة، إلا أنها ضاربة بجذورها في التاريخ، فمنها خرج كثير من الأئمة السُّبكيين منذ القرن السادس الهجري. خرج منها الإمام تقي الدين السبكي وكان قاضي قضاة الشام، وولده من بعده تاج الدين عبد الوهاب السبكي وهو أيضًا تولّى القضاء بعد وفاة والده. ومنها المحدثون، ومنها خاتون السبكية، ومنها أحمد خليل السُّبكي، وهم يردون في الأحاديث في غالب أسانيدها، والتي تصل إلى الإمام ابن حجر رحمه الله. وآخر هؤلاء ممن لم ندركهم وإنما سمعنا عنهم هو الشيخ محمود خطاب السبكي، وهو أيضًا مؤسس الجمعيات الشرعية على مستوى جمهورية مصر العربية كلها، وصاحب المؤلفات المشهورة المعروفة من شرح سنن أبي داود وغير ذلك من الكتب.
فهذه القرية ورد إليها كثير من أهل العلم ودخلها كثير من أهل العلم، حتى إن الإمام الزبيدي رحمه الله في كتابه تاج العروس أوردها في مادة “سبكة”، وذكر اسمها القديم واسمها الحديث، وقال: وقد دخلتها مرارًا وبت بها ليالي. ومنها شيخنا تقي الدين السبكي… وهذه القرية اختارها جدّي رحمه الله وهو من قرّاء القرآن ومقرئيه، اختارها بعد أن انتقل بالأسرة كاملة إلى بلاد من بلاد الحجاز، من جدّة، من منطقة كانت تسمى قديمًا بالحمراء والجديدة. انتقل بالأسرة كاملة، أبوه مع إخوته انتقلوا جميعًا، فاختار هذه القرية ليعيش فيها، ربما لأنه كان قد سمع عنها أو شيء. وعاش فيها. وجدّي هذا هو: محمد نصر السبكي المقرئ البصير بقلبه كما يلقبونه، وينسبه القرّاء إلى الإسكندرية لأنه كان يقرأ معظم وقته في الإسكندرية، فيقولون “السكندري”، وهو شيخ الشيخ عبد العزيز كحيل شيخ الإسكندرية وغيرهم من مشايخ الإسكندرية.
وُلدتُ في هذه القرية بين أبوين كريمين فاضلين. والدي رحمه الله كان معلّمًا، ووالدتي كانت امرأة مثقفة غير أنها لم تكن تعمل، وإنما كانت ربّة بيت، لكنها علمتني الكثير في الحقيقة، وأخذنا منها كثيرًا من الأخلاق، لا سيما وأن الوالد توفي وأنا ابن أربع سنوات، فكانت بالنسبة لي كل شيء: المعلمة والقدوة في أخلاقها وفي غير ذلك.
ولدت في هذه القرية، في صباح عيد الأضحى المبارك وقت صلاة العيد بالضبط، أو ربما قبله بيسير، من عام 1380هـ، وسُجّل ميلادي بتاريخ 1 يونيو 1961م. هذا ملخص مختصر عن مولدي وعن قريتي.
أما حياتي التعليمية، فكنت شأني شأن بقية طلاب العلم في ذلك الوقت، درست في المدارس الأكاديمية، لم أدرس في المدارس الشرعية إلا مؤخرًا. درست المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية، ثم التحقت بكلية العلوم قسم علم الحيوان وتخرجت منها، ثم بعدها التحقت بكلية الآداب، وكانت هذه مفتتحة جديدة بمحافظة المنوفية، فتخرجت في الدفعة الأولى منها أيضًا، وكان هذا عام 1991 أو 1992 تقريبًا. أما العلوم فكان عام 1984.
ثم بعد حين التحقت بجامعة الأزهر وتخرجت في كلية الدراسات الإسلامية والعربية عام 1998 ميلادي.
س: لو تكرمت كيف بدأ اهتمامك بالرواية والدراية؟
ج: حقيقة لم تكن رحلتي علمية في البداية، إذ كنت كباقي الطلاب، لكن الحمد لله فقد كان والداي على ديانة فأرسلاني إلى الكُتاب وأنا ابن أربع سنوات أو أقل، ولما تُوفي والدي توقفت قليلاً وعدتُّ مرة ثانية بعد وفاته، وبدأت رحلة حفظ القرآن وقطعت في الكتّاب تقريبًا أربع سنوات، وصلت فيها إلى منتصف سورة هود، ثم انتقلت بعد ذلك إلى الصف السادس الابتدائي ومنه إلى المرحلة المتوسطة. وبعد ذلك أتممت الحفظ ولله الحمد، خلال بقية حياتي بعضه كان في الثانوية وبعضه كان في الكلية فكانت هذه بداية الالتزام، في هذه الفترة اشتغلت مع إخواني لا أقول بالدعوة لأني لم أكن داعية ولا صاحب علم، اشتغلت بنصح إخواني ودعوتهم للمحافظة على الصلاة في المساجد وغير ذلك. ثم انتدبت نفسي لقراءة بعض الكتب على أهل القرية من الفلاحين البسطاء. وكنت أقرأ عليهم كل يوم بعد صلاة العشاء شيئًا يسيرًا من أي كتاب من كتب العلم البسيطة السهلة ودعوتهم إلى الخير، ثم بعد ذلك حاولنا -بمعية بعض الإخوة الأفاضل- أن ندعو الناس إلى المحافظة على الصلاة والمحافظة على قراءة القرآن، كان هناك مجلس للقرآن يعقده الشيخ محمد صبيح -رحمه الله-، والأستاذ محمد أبو سالم -رحمه الله-كل يوم بعد العصر يقرؤون القرآن، فجلسنا عندهم حتى نتعلم التجويد والتلاوة وغير ذلك. من هنا بدأ اهتمامي بالعلم.
بدأت بقراءة بعض الكتب دون معرفة أي قراءة اجتهادية، لكن حقيقة القراءة الاجتهادية لها فوائد وعيوب؛ فوائدها أنك تقرأ ما تشاء، ومن عيوبها أنك قد تفهم ما تشاء، وهذا إشكال كبير جدًا. ومررنا بظروف كثيرة كنا نسمع كلامًا لا نعرف أصله من فصله عن كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم فكنا نتوجس خيفة من كثر ما كنا نسمع، وقرأنا في كتب الفقه فوجدنا أقوالًا عجيبة أحدثت لنا نوعًا من الارتباك وتساءلنا: أي مذهب نتبع؟ لأن كل مذهب فيه بعض المسائل العجيبة.
بدأت حياتي على المذهب المالكي، ثم مع أول مسألة قابلتني في المذهب المالكي تركت المذهب المالكي، وانتقلت إلى المذهب الشافعي، ثم وجدت المذهب واسعًا والخلافات فيه كثيرة، فانتقلت إلى المذهب الحنبلي، ثم لما درست بجامعة الأزهر طُلب مني أن أختار المذهب الشافعي، فدرست أربع سنوات، لكن الدراسة في الجامعة الأزهرية مع الأسف الشديد ليست على المستوى الذي ينبغي أن تكون عليه مثل الجامعات العريقة، ولم أستفِد كثيراً.
بعد ذلك سافرت إلى السعودية كمعلّم، وهناك درَّست كل المواد الشرعية من الصف الثاني الابتدائي وحتى الصف 3 ثانوي، وهناك التقيت بالمشايخ فكان لي طلاب أدرّسهم التجويد والقرآن وغير ذلك، وآخر اليوم ألتحق بالمحاضرات والدروس، وكانت بداية الرحلة العلمية حتى التقيت بشيخنا الشيخ: عبد الله بن عبد الرّحمن السعد -حفظه الله وفك الله أسره- وكان عندي اهتمام أصلًا بعلم الحديث، وبدأت بداية مبكرة فيه أن أتعلم شيئًا منه، لكن في الحقيقة لم أعرف قضايا علم الحديث إلا عندما سمعته من الشيوخ سماعًا حقيقيًا.
بدأت أسمع من المشايخ، فبدأت أعرف أشياء غامضة في البداية، لا سيما والشيخ عبد الله من حفّاظ عصرنا وليس مجرد مُسند، وكان يأتي للمجالس يشرح الكتب دون إعداد مسبق. فكلما تكلم على الراوي، يذكر مولده ووفاته وكلام علماء الجرح والتعديل فيه، وإذا كان هناك خلاف يرجّح بين الخلاف، ثم يذكر الراوي هل هو ثقة أو غير ثقة، ثم يصحح الحديث وهكذا حتى يذكر الحديث وفي أي الكتب هو والزيادات فيه وهل هو صحيح أم ضعيف.
وهكذا بدأنا نضع أيدينا على العلم الحقيقي، وهذا لا يكون مطلقًا إلا عندما تلازم شيخًا من الشيوخ، وتمتد معك فترة الملازمة. فقد لازمته قرابة سبع سنوات، وسمعت عليه دواوين كثيرة جداً، دراية ورواية ولم يكن له اهتمام كبير بالرواية إلا مؤخراً، لكنه اهتم كثيراً بالدراية، وهنا بدأت رحلة التعلم، ثم سمعت من مشايخ آخرين في مجالس علمية كثيرة، كانت تُعقد بمدينة الرياض، منها مجالس لمسند الإمام أحمد كاملاً في 18 يوماً على أربعة من المشايخ المعروفين، وكان معدل السماع اليومي 9 ساعات متواصلة من 1 ظهراً وحتى 10، منهم الشيخ ثناء الله عيسى خان، والشيخ محمد إسرائيل الندوي المعمر الطبيب صاحب الأسانيد العالية، والدكتور عبد الله محمود التويجري، والدكتور عبد الله بن صالح العبيد، وسمعت على الشيخ صالح العصيمي سنن النسائي وسنن ابن ماجه وموطأ مالك، وسمعت بالطبع من شيخنا عبد الله السعد كتباً كثيرة جداً، وكان يتناول كل كتب السنة وتستطيع أن تروي من طريقه كل كتب السنة، ومع ذلك لابد لطالب العلم من الاجتهاد بقراءة الكتب والسماع من المشايخ والرجوع إليهم والاستفادة منهم. أما مجرد القراءة والخروج بنتائج وتصحيح وتضعيف والكلام عن العلل، فهذا لا يأتي دائما بخير، بل غالبًا ما يأتي بالشر على صاحبه، لأن هذا يسمى “صُحُفياً”، لا يسمى طالب علم.
بعد رجوعي إلى مصر صرت أسمع يوميًا ما لا يقل عن خمس إلى سبع أو ثماني ساعات لمجالس علوم الحديث عبر البث الإلكتروني، وهذا نظام حديث لتلقي الروايات الحديثية، وسهّل الكثير إلا أنه قتل الرحلة في طلب العلم؛ أصبح طالب العلم يسمع الحديث وهو نائم على السرير أو يأكل أو يشرب، ففيها تسهيل بلا شك كبير جدًا على طلاب العلم، ولكن لابد من ضوابط السماع، وإن لم يكن هناك من يراقبك فالله عز وجل هو الذي يراقبك. ولابد أن تثبت سماعك بدقة، غير مشغول، وأن تثبت أفواتك بدقة، ليس مجرد سماع فقط ثم تقول: إني سمعت! فالسماع دقيق جدًا في هذه المسائل إذا كان السماع عن طريق البث. حيث سمعنا الكثير جدًا من الكتب، هذه 12 سنة تقريبًا سماعاً على البث، سمعنا لا أقول ربما مئات الكتب وعلى مشايخ متنوعين متعددين من شتى بلاد العالم، ونروي عن هؤلاء المشايخ جميعًا هذه الكتب، سمعنا كتب السنة التسعة أكثر من مرة وعلى أكثر من شيخ، فضلًا عن كتب العقيدة وكتب الفقه وكتب اللغة وكتب الدواوين الشعرية وغير ذلك.
هذا كان ملخص سريع لرحلتي مع الحديث، لكني لم أبدأ في إقراء الطلاب علم الحديث إلا بعد أن تجاوز عمري 60 سنة بالهجري، لم أبدأ مبكرًا ولم أتعجل، وإنما بدأت بعد أن تجاوزت الستين سنة بالهجري. بدأت بتسميع الطلاب على البث، وأنشأت مدرسة حديثية على “التليجرام” وبدأت أسجل مسموعاتي وأسانيدي وغير ذلك على عدة قنوات يستفيد منها الطلاب وأستفيد منها مستقبلًا في إعداد ثبت لهذه المقررات وهذه المسموعات. وسمع مني كثير من الطلاب، وأجزت -ولله الحمد-ربما مئات الطلاب إن لم يكن آلافًا من شتى بقاع العالم بهذه المسموعات.
س: حبذا شيخنا الكريم لو تذكر لنا بعض أسانيدكم في الكتب الستة وعواليها.
ج: يعني أذكر مثلًا: صحيح البخاري سمعته على 25 شيخا إن لم يكونوا 30، سمعته غالبه وثلاثيات البخاري، ربما على أكثر من 50 شيخًا. وسماع أطراف البخاري وسماع الأحاديث من البخاري وأستطيع أن أروي البخاري عن طريق قرابة 50 شيخًا من الشيوخ.. هذا البخاري وحده، منها سماع المجلس قراءة البخاري في تركيا كان على 13 شيخًا. أذكر إجازة 10 منهم إجازة خاصة بالبخاري وعامة مروياتهم، وثلاثة امتنعوا عن الإجازة العامة وأجازوا بالخاصة. وكنت قد سمعت قبل هذا ثلث البخاري تقريبًا على شيخنا عبد الله السعد دراية ورواية. الدراية حقيقة مهمة جدًا وفيها فوائد عظيمة جدًا لا يستطيع أن يحصلها طالب علم الرواية فقط. فعلوم الدراية مهم جدًا أن يبدأ الطالب بالدراية أولًا ثم ينتقل بعد ذلك إلى علوم الرواية حتى يستفيد من علوم الرواية.
وكذلك صحيح الإمام مسلم أيضًا سمعته على عدد كبير جدًا من المشايخ ربما يزيد عن 10 أو 15، على رأسهم أو أعلاهم إسنادًا في هذا العصر. وسماعي للكتاب كاملًا بفوت يسير يعني على شيخين، توفي أحدهما منذ عام والثاني منذ أشهر قليلة. صحيح مسلم سمعته في آخر دورة قرأ عليها في دولة الكويت على الشيخ محمد الأنصاري رحمه الله، وهو كان من أعلى الناس سندًا في هذا العصر، لأن بينه وبين نذير حسين الذي هو مقياس لطالب العلم في مسألة العلو، بينهما واحد فقط، فهو يروي عن أبي القاسم البنارسي عن نذير حسين، ونذير حسين يروي عن محمد إسحاق الدهلوي، محمد إسحاق الدهلوي يروي عن جده لأمه عبد العزيز بن أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي، معروف بولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي صاحب “الثبت” في مروياته، وغالب مروياته عن أبي طاهر الكوراني.
فهذا كان سمعي لصحيح مسلم، وكان معه في نفس المجلس الشيخ عبد الوكيل بن عبد الحق الهاشمي رحمه الله، ولكنه ينزل طبقة في العلوم عن الشيخ محمد الأنصاري. الشيخ عبد الوكيل له اهتمام بالغ بصحيح البخاري بالذات، لكن هذا السماع كان في صحيح مسلم. يروي صحيح مسلم أيضًا عن أبي عبد الحق الهاشمي عن أبي سعيد البتالوي عن نذير حسين أي ينزل طبقة عن الشيخ محمد الأنصاري، أما سنن الترمذي فقرأتها على الشيخ عبد الله السعد أول 100 حديث قراءة منفردة، وكان لي عنده مكانة خاصة، يعني في هذا الكتاب وغيره من الكتب، ثم سمعت منه عدداً كبيراً جداً من الكتب في الكثير من مجالسه في الرواية والدراية.
وسمعته كذلك من غيره من المشايخ. وسنن أبي داود سمعته أيضا على عدد كبير جدا من المشايخ، وقرأت بعض أحاديثه على شيخنا المعمر يحيى بن عثمان العظيم آبادي المدرس، قرأته عليه بالحرم المكي، ولا أنسى أني سمعت 30 حديثاً مشروحة على الشيخ محمد علي الإثيوبي من شرحه على صحيح مسلم، وكذلك قرابة 20 أو 25 حديثًا من شرحه على سنن النسائي أيضا في الحرم المكي وعلى غيره من المشايخ، وكذلك سنن ابن ماجه سمعتها أيضًا على عدد كبير جدًا من المشايخ، على رأسهم -بسماع كامل- على الشيخ صالح العصيمي، وأما سنن النسائي فسمعته أيضاً على كثير من المشايخ منه سماع بفوت 50 حديثًا تقريبًا على الشيخ صالح العصيمي، وسماع أول 4000 حديث كاملة على أربعة مشايخ: الشيخ ضياء بهاء الدين المباركفوري، والشيخ غلام الله رحمتي، والشيخ عبد الله محمود التويجري، والشيخ مصطفى القديمي، والشيخ علي زوبر الأهدل. وحضر بعد يومين أو ثلاثة أكرم البخاري أيضًا هذا المجلس، وكلهم أجازوا من سمع بالخاصة. وصحيح سنن النسائي سمعته أيضًا على عددًا لا بأس به من المشايخ كما ذكرت. أما سنن الدارمي فسمعته مرتين على الشيخ عبد الرحمن بن عبيد الله المباركفوري، وهو أيضًا من أعلى المعمرين حاليًا سندًا سواء روى عن أبيه عبيد الله المباركفوري عن أبي العلاء المباركفوري عن نذير حسين، أو عن الحسين بن محسن الأنصاري ورواه من طريق مشايخ ومعمرين يروي عنهم عن نذير حسين.
فهذه الكتب الخمسة، أما الموطآت وعلى رأسها موطأ مالك برواية يحيى بن يحيى الليثي، ورواية محمد بن الحسن الشيباني وكذا رواية القعنبي، كلها بفضل الله سمعتها من مشايخ متعددين ربما يزيدون عن 7 أو 8 أو ربما يصلون إلى 10 لهذه الموطآت، وغيرها كثير في العقيدة واللغة والفقه.. أما مشايخي فيزيدون عن 300 شيخ سمعت منهم سماعاً مباشراً الكثير من الكتب العلمية.
س: ماذا عن التصنيفات القديمة للعلماء أو الفقهاء والمحدثين؟ وما خلفت؟ هل بقيت ذات جدوى أم لا؟
ج: الحقيقة الكتب القديمة هي الأصل في الكتب. الكتب الحديثة لم تأتنا بشيء جديد والتعويل كل التعويل على الكتب القديمة في كل التخصصات، لأن هذه الكتب هي التراث وهذه كتب السلف، وهذه كتب العلماء، وهؤلاء الذين ماتوا وانتهوا على خير ينبغي ألا نأخذ العلم إلا من طريقهم. أما المصنفات الحديثة وإن كان فيها فائدة فقد تكون فائدة في تبسيط المعلومات أو إعادة كتابة المعلومات بصورة عصرية حيث إن كثيرًا من الطلاب إذا قرأوا الكتب القديمة قد لا يفهمون، فتبسيط هذه الكتب القديمة وإعادتها في صورة سهلة ميسرة شيء جيد، لكن الأصل أن يرجع جميع الطلاب إلى المصادر العلمية القديمة سواء طلاب الدراسات العليا، أو أي أحد له اهتمام أو يعمل بالتحقيق. هذه المراجع الأساسية التي لابد أن يرجع إليها في علوم الشريعة.
أما الكتب الحديثة قد تكون فيها فائدة إذا عمل عليها بجد وإتقان وابتكار.. فإن كنت لن تضيف شيئا جديدا لماذا تكتب وتؤلف؟
س: ألا ترى أن ما تفرزه دور النشر يتفاوت ضبطا وقيمة لما ينشر من كتب السنة، فقد تجد بعضها غير محقق فضلا عن الجانب الفني لها، بماذا تعلقون؟
ج: في الحقيقة المطابع تفرز لنا كل يوم أشياء غاية في العجب! ولكن الحق يقال إن هناك مطابع مضبوطة وعندها مصححون وعندها ضابطون ولا تهتم إلا بطبع كتب التراث القديمة وتضبطها ضبطًا صحيحًا، وأما غيرهم فكثير فعلًا من الكتب فيها تصحيفات وتحريفات كثيرة جدًا مع الأسف الشديد. وأنا عشت في السعودية فترة طويلة من الزمن ورأيت في المطابع العجب، يعني فيها أعاجيب في طباعة الكتب. فلو طبعت فيها كتب السنة في هذه الفترة لحُرفت كلها وصُحفت، لأن المطابع كثيرة وإمكانياتها عالية، ولكن ليس هناك مصحِّحون، ولا أحد يقوم على التصحيح. يعني حتى إني رأيت بنجلاديشي لا يعرف اللغة العربية يصحح في بعض هذه الكتب!
فلا شك أن الكتب لابد من الاهتمام بتصحيحها وتحقيقها. والتحقيق له أصول وليس مجرد ملء الكتب بمعلومات أو ملء صفحات الكتب، أو تكبير حجم الكتاب. ومن لا يستطيع قراءة المخطوطات فليبتعد عن هذا الباب ما دام ليس له به انشغال، لأنه يكثر ويخرج أشياء لا تستحق أن يُنظر فيها حتى. يعني بعض الكتب لا تحتاج إلى كل هذا التحقيق الذي يكون فيها، ومن لا علم له بهذه الأمور يبتعد عنها لأنها تتطلب تخصصاً.
والحقيقة أن الذين كانوا يقومون على كتب السنة قديمًا علماء، وكانت تجمع الحروف حروفًا نحاسية، رأيتها بعيني في (مكتبة العيسى البابي الحلبي)، يجمعونها حرفا حرفا، وشكلا شكلا، بضبط كبير حتى خرجت هذه الكتب خرجت بصورة جيدة جدًا. فصحيح مسلم ما شاء الله خاصة شرح النووي تجده مضبوطا، ضبطا عجيبا لا تجد مثله، وكذلك صحيح البخاري، لأن الذين يقومون بالطباعة مشايخ وعلماء، مثل قطة العدوي والشيخ أحمد شاكر، والشيخ محمود شاكر، والشيخ السيد صقر، وغيرهم فكانوا يهتمون بهذا اهتمامًا بالغًا، حتى تخرج الكتب بالصورة المرضية المتقنة.
أما الآن وبعد دخول الكمبيوتر والتكنولوجيا وتطور الإنتاج للأسف ينقص من يقوم على تصحيح هذه الكتب وضبطها ضبطًا صحيحًا. وأنا في الحقيقة يعني لا أعرف كتابًا مضبوطًا ضبطًا يعني صحيحًا إلاّ البخاري وصحيح مسلم. والطباعة الهندية من البخاري هي أجود طبعات صحيح البخاري، قام عليها أكثر من 20 عالما من علماء الهند، أساتذة بالجامعات وضبطوه ضبطا عجيبا جدًا، وأضافوا إليه حواشي ورجعوا إلى نسخ كثيرة جدا فأصبحت نسخة لا أقول خرافية هي خيالية بالفعل. يعني ننصح كل طلاب العلم بها، وصار يدرس بها في القنوات الخاصة بالرواية. وكذلك صحيح مسلم أفضلها الطبعة التي اهتم بها الشيخ الرشود، وهي في الحقيقة أخذت طبعة قديمة ثم ضبطها ضبطا جيدا وصارت مجموعة الآن في مجلد واحد.
أما كتب السنة فلابد أن يكون فيها كما هو شأن البشر شيء من التصحيف اليسير، أو من التحريف البسيط، لكن أفضل كتب السنة طباعة في كتب السنة الأربعة المتبقية، هي طبعة الشيخ عصام موسى هادي في بيت الشيخ الألباني. طبعت هذه الكتب طباعة جيدة، تكاد تكون أحسن الطبعات لكتب السنة الأربعة، وإن كان هناك طبعات أخرى. يعني بعض الكتب مطبوعة جيدًا، وبعض الكتب الأخرى يعني فيها إهمال في الطباعة وغير ذلك. ولكن الحمد لله كتب السنة منتشرة وتُطبع باستمرار.
[هذا ونستكمل الحوار في العدد القادم إن شاء الله تعالى]





