
مشاهد مُبكية من سقوط الأندلس
يناير 18, 2026
الجيش السوري يوسع سيطرته شرق الفرات
يناير 19, 2026المجاهد الفلسطيني: حسن عبد الرحمن سلامة
فك الله أسره*
صدقاً لا أستطيع التعبير عن مشاعري: عزل، وهم، وحياة كلها صعوبات وحرمان من كل شيء، وتنكيل، ومحكمة جديدة، وحكم إعدام بحقي وفي الوقت نفسه خطوبة، ومشاعر وأحاسيس!
خليط من المشاعر، وكأن الله سبحانه وتعالى قد جعل هذا الأمر يدخل حياتي رغماً عني حتى يكون فيه التخفيف عني، وفعلاً هذا ما كان، فقد أنساني هذا الأمر كل همومي، وشعرت بنافذة أمل قد فُتحت لي من جديد، وقد أعادني هذا الأمر من جديد للحياة، وكان هذا بفضل الله، وبترتيب منه سبحانه، ليس لي علاقة به، والحمد لله على كل هذا الحال.
في الخارج، علمت لاحقاً أنه تم التواصل بين أهلي وغفران، التي خاضت نقاشاً طويلاً مع أهلها لإقناعهم بالأمر، ولم يكن الأمر سهلاً، ولكنها استطاعت فرض ما تريد، وإقناعهم بقرارها. لذلك تواصل أهلي مع أهلها وتمت قراءة الفاتحة بينهما عبر الهاتف، وهذا ما علمت به لاحقاً من خلال زيارة للمحامية أم عبد الله الأخت زهراء التي كنت أعرفها جيداً، وكانت تعرف غفران جيداً، فقد زارتها عدة مرات، وتربطها صداقة بغفران، وعندما زارتني طلبت منها أن تتعامل معي كأخ لها، وتشرح لي بالتفصيل كل شيء عن غفران، وخصوصاً مواصفاتها، وفعلاً شرحت لي كل شيء، وهذا جعلني أوافق على هذه الارتباط، وتحركت الأمور على الرغم من اتفاقنا أن لا يحدث شيء إلا بعد الإفراج عني، لكنه قدرُ الله.
أرسلتُ لغفران رداً على رسالتها التي أخبرتني فيها بما حدث مع أهلها، وبتواصلها مع أهلي وقراءة الفاتحة، وطلبت منها أن ترسل لي مع الصليب الأحمر وكالة، حتى أوقّعها، وأخبرتها أنني سأوكل الشيخ حامد البيتاوي رحمه الله نيابة عني لكي يقوم بإجراءات كَتْب الكتاب أو عقد القران في المحكمة الشرعية. وفعلاً عندما جاء الصليب، وكان يحمل الوكالة وقّعت عليها، ووقع عليها شهود كل من الأخ عباس السيد (أبو عبد الله)، والرفيق أبو غسان كشهود على هذا العقد، وبذلك أصبحت الوكالة جاهزة، وأصبحت الوكالة رسمية.
على أن تُرتب الأمور لكتابة العقد بين العائلتين، وأخبرتهم أن ينتظروا الإفراج عن الأخ أبو همام محمد جمال النتشة بعد أيام، وقد كلفته بالقيام باللازم، وكان لديه استعداد كبير. وحتى هذه الفترة لم يكن تعاملي مع غفران إلا برسائل رسمية بعيداً عن أي مشاعر، وكنت حريصاً على ذلك حتى كتابة العقد.
الآن كل إجراءاتي التي كنت أقوم بها أتخذها بناءً على التشاور مع الإخوة الذين حولي في العزل، وخصوصاً الأخ أبو همام، وقد اتفقت معه عند خروجه أن يأخذ جاهة كبيرة، ويأخذها ليطلب لي من جديد، وبعدها يتم عقد القران والإشهار عندهم، وعند الأهل في غزة.
وفعلاً أُفرج عن الأخ أبو همام، وانقطعت الأخبار، وكانت العلاقة مع الإدارة تلك الفترة غير جيدة، لذلك لم يأتِنا محام من فترة طويلة، ولا أعرف ماذا يحدث، وماذا تمّ، وعبر الإذاعة وخصوصاً برنامج الأسرى لا يتم الحديث عن ذلك، فقط تتحدث غفران مع الأسيرات، وترسل سلامها لجميع الأسرى، والأهل كذلك.
في هذه الفترة وهذا الوقت أيضاً خرجتُ إلى المستشفى، وقد كنت أجري فحوصات بسبب ضيق بالتنفس، لذلك غبت أربعة أيام في مستشفى الرملة، هناك وضعوني في زنازين العزل، ولم يسمحوا لي بالدخول عند أخي أكرم الموجود هناك، ولكنه تمكن من أن يأتي ليسلم عليّ من خلف باب الزنزانة، ولم يسمحوا له بالدخول، وكانت هذه من أكثر الأمور تأثيراً عليّ.
أخبرته “على السريع” بما يحدث، وطلبت منه أن يحاول إحضار صورة لغفران إن استطاع عن طريق زيارات نابلس لأن لي مراجعة بعد فترة، وسآتي من جديد، وبعد إجراء الفحوصات لي تم إرجاعي إلى عزل ريمون عند الرفيق أبو غسان، وكالعادة وبعد أخذ حمام سريع والاستراحة كنت مشتاقاً لسماع برنامج الأسرى حتى أسمع أخبار الأهل، فأنا غائب منذ أيام.
العريس آخر من يعلم
بدأ البرنامج، وكان الوقت قبل المغرب بقليل، وإذا بمقدم البرنامج يبارك للأسير حسن سلامة خطوبته، وكنت لا أعلم شيئاً، وعلى الخط أمي، وعلى الخط الآخر غفران التي أصبحت خطيبتي رسمياً. وبدأت أمي تبارك لي، وتزغرد، وغفران لم تتحدث بشيء، فقط أخَذَت تبكي، وأنا العريس لا أعرف شيئاً، والجميع ينادي عليّ، ويبارك لي، وهذا ما حدث، فقد كنت آخر من يعلم، علمت من خلال المذياع؛ هكذا كانت حياتي في هذا العزل الذي منعني حتى من معرفة وقت خطوبتي، وحرمني من كل شيء، حتى ولو بالمشاركة بمعرفة موعد خطوبتي.
لا أعرف! هل أضحك أم أبكي أم ماذا ! لأنني لا يجوز لي أن أبكي، فهذا في عرف العزل ممنوع مهما كانت صعوبة الموقف، وعلى الرغم مما في الأمر من ألم فقد انعكس علينا ذلك في واقع العزل فرحة وبدأ الشباب يضحكون، وكل منهم يشاركني فرحتي التي غابت.
الأمر الآخر والأهم أننا وفي اليوم الثاني كنا ننتظر برنامج الأسرى لكي نسمع غفران، ونسمع صوتها، وماذا تقول لخطيبها، والكل يراقب، وفعلاً تحدثت غفران كالعادة، وسلمت على الجميع، ولم تذكر اسمي نهائياً، حتى لو مجرد سلام، وكانت هذه أكبر من الأولى، صدقوني أن ما أتحدث عنه قد وقع فعلاً! وليس عبارة عن مشهد تمثيلي أبداً! هذه هي الحقيقة بكل وضوح..
بعدها عرفنا أنها لم تستطع الحديث خجلاً، وأن الأمور تمت سريعاً، فالأخ الشيخ حامد البيتاوي وكيلي، هو وخال غفران الأخ الشيخ أحمد الحاج علي عضو المجلس التشريعي، كان موقفهم رافضاً لموضوع الخطوبة، لكنهم استجابوا لطلبي وطلب غفران، فعملوا الأمر في أضيق حدوده، ورفضوا وجود الإعلام، بل رفضوا قدوم الأخ أبو همام بجاهته الكبيرة وطلبوا أن يتم الأمر بأضيق حدود.
وعندما علمت بذلك زاد قهري، وتضاعف ألمي، ولكن ما باليد حيلة، فحتى أخص أمورك لا تستطيع إنجازها، يمنعك ألف ألف سبب، ينجزها غيرك، مشكورين جداً على ذلك، لكن ينجزونها كما يريدون! وهذا حقهم ما داموا مسؤولين عنك، وما دمت أنت عاجزاً عن القيام بأمورك، فما عليك إلا الرضا بما يحدث. وتبقى المرارة في داخلك، وشعور بالعجز لا يفارقك، لا اليوم ولا حتى بعد ألف عام.
هذا هو العزل الذي يسلبك كل حقوقك، أبسطها، أهمها، كل شيء حتى إنه يسلب الحياة منك، يسلب الفرحة والسعادة، هذه ضغوطات العزل وهذا ألمه، وهذا قهره، ومع ذلك يجب أن تبقى صامداً، رأسك مرفوعة، تلعق جراحك، كما يفعل أي أسد جريح، تلعقها وتداويها بنفسك، وتحرص ألا يطلع عليها أحد حتى لا يشمت، أو يستخدمها ضدك، وهذه قصة من آلاف القصص التي تمر علينا في هذا العزل باستمرار، ويبقى ظلم ذوي القربى أشد وأعظم، وسامح الله الجميع !
ومع ذلك كانت لهذه الخطوبة الأثر الإيجابي علينا، وعلى حياتنا، وخصوصاً على حياتي، وسيكون هذا واضحاً عند حديثي عن باقي مجريات الأمور. كان الرفيق أبو غسان من أكثر الداعمين لهذه الخطوبة، وكنت دائم الحديث معه، واستشارته في كثير من الأمور، وكذلك باقي الإخوة حولي.
أصبح موضوع خطوبتي الموضوع الأول والرئيسي في أحاديثنا، وخصوصاً عندما نجلس في فترة المساء لسماع برنامج الأسرى على إذاعة صوت الأسرى؛ وعندما يأتي دور غفران تسمع الجميع ينادي على حسن لكي يسمع، وهم يعلمون أنني أسمع، ولكنه من باب الدعابة وإدخال السرور على قلبي، ومرات تكون الإذاعة غير واضحة، والصوت عليه تشويش، ويبدأ الجميع في جمع كلمات المكالمة، يأخذ منا هذا الأمر وقتاً يكون من أجمل أوقاتنا.
كنت أجلس بجانب الشباك ليلاً، وكنت أرى القمر من خلال فتحات ضيقة، ولم يكن يعني لي شيئاً، والآن أصبحت أبحث عنه لكي أراه وأسرح في جماله، بل وأوقظ أبا غسان ليلاً لكي يراه معي، وينظر إليه، وأجلس أكتب الرسائل المليئة بالمشاعر والأحاسيس، ماذا حدث لي، وما هذا التغيير!
كم من المشاعر والأحاسيس التي كنت لا أعرف عنها شيئاً، بدأت تتفجر في داخلي، وأسالت قلمي، وأنا الذي كنت أجد صعوبة في كتابة رسالة صغيرة! الآن أجلس ساعات لأكتب عشرات الصفحات عن هذه المشاعر والأحاسيس!
ما حدث معي شعرت بأهميته، وكم كان نعمةً من الله، وهدية ثمينة خففت عني صعوبة الحياة، فَتَحَت أمامي أبواباً كثيرة، حتى صرت أشعر أنني أديب يبحث عن الشعر، ويتذوقه، ويحفظ منه أعذبه! سبحانك ربي، ما أعظمك !
وأنا في خضم هذه المشاعر وصلتني أول رسالة من غفران، وكان بداخلها صورة لها، شعرت أن باب الفرج قد فُتح لي، وبعدها بأيام زارني الصليب الأحمر، وأحضر لي عدة صور لغفران فحمدت الله على هذا الاختيار.
ووصلني أيضاً مع الصليب عقد الزواج، وفوراً قدمت طلباً إلى الإدارة من أجل السماح لي بزيارة، ولكنهم رفضوا، ولم يعترفوا بهذا الزواج، وبهذا العقد. لذلك طلبت مقابلة مع مدير السجن، وكان حاقدا جداً، وفي المقابلة طلبت منه أن يسمح لي بالزيارة فرفض، ورأى أن الأمر مستحيل وأنه لا يعترف بهذا الزواج، وكنت أعلم أنهم لن يسمحوا لي بالزيارة، ولكني أطالب بحقي !
طبعاً في العزل تُبلَّغ فوراً بأنك ممنوع من الزيارة، وهذا ما تم، واستمر المنع طوال فترة العزل دون وجه حق، فقط حقد وعنصرية وإمعان في تعذيبك وحرمانك من أهلك، ولو كان باستطاعتهم حرماننا من الهواء لفعلوا، قد قالوها لنا بصريح العبارة، وكانت سياستهم في التعامل معنا تصدق قولهم!





