
عاشوراء العِبرة والعَبرة
يوليو 4, 2026
التربية المحمدية (٢) – القرآن .. العمود الفقري للجيل
يوليو 6, 2026بقلم: مؤيد شقيرات – كاتب فلسطيني
الحمد لله ناصر المستضعفين، ومذل المستكبرين، والصلاة والسلام على إمام المجاهدين وقائد الغُر المحجلين، نبينا محمد وعلى آله الميامين، وصحبه الأكرمين، ومن ركب سفينة دعوتهم ونصر شريعتهم إلى يوم الدين.. وبعد:
في ظلال هذه الأيام، تتزاحم في أفق الأمة ذكريات عاصفة لا تقف عند حدود التاريخ، بل تموج بالدروس والعِبر، وتتشابك تشابكًا وثيقًا مع واقعنا المعاصر المكلوم؛ فبين عزة حطين الأبية التي غسل بها المجاهدون طُهر الأرض المباركة وصانوا بها العِرض والوجدان، ومرارة العقاب الفاجعة التي فتحت للأندلس أبواب الشتات والضياع، يمتد جُرحنا اليوم لدمٍ يسيل ومقدسات تُنتهك في بيت المقدس وأكنافه.
يقف المسلم اليوم وسط هذا الركام مطالبًا بأن يدقق النظر في جذر العلة ومكمن الداء، وألا تشغله الأعراض الجانبية عن أصل المرض؛ ليبحث عن المفتاح الحقيقي لفكاك الأسر، وكيفية استعادة مسرى الحبيب ﷺ. وهنا تتجلى حقيقة غابت عن الكثيرين: إن قضية فلسطين لم تكن يومًا أرضًا يُنازع عليها فحسب، بل هي معركة عقيدة وسلطان مسلوب، وإن تحرير بيت المقدس مرتهنٌ بارتباطٍ شرطي لا ينفك بوجود الكيان السياسي والدرع الجامع للمسلمين، ألا وهو دولة الخلافة.
وإذا عدنا لقراءة التاريخ القريب لكي نفهم أصل القضية، فإننا نقف عند مشهد بطولي صاغه السلطان المجاهد عبد الحميد الثاني -رحمه الله- حين تداعت ذئاب الصهيونية العالمية بقيادة ثيودور هرتزل للنيل من أرض فلسطين، عارضًا عليه إغراءات مالية هائلة تتضمن سداد الديون الطائلة لدولة الخلافة العثمانية، وكل ذلك مقابل موطئ قدم لليهود في فلسطين. لكن السلطان الذي كان يستمد وعيه من مشكاة النبوة، رفض هذا العرض المخزي بعزة إيمانية، وسطر بكلماته منهجًا للأجيال حين قال لوسيط هرتزل:
“لا أملك حق التنازل عن شبر واحد من هذه الأرض، فهي ليست ملكي الشخصي بل هي ملك لأمتي. لقد جاهد شعبي في سبيل هذه الأرض وسقاها بدمائه الزكية، فليحتفظ الصهاينة بملايينهم؛ إن تمزقت دولتي يومًا ما فقد يأخذون فلسطين بلا ثمن، أما وأنا حي فإن غرس المشرط في جسدي أهون عليّ بآلاف المرات من أن أرى فلسطين تُبتر من جسد الخلافة”.
لقد كان كلام السلطان نبوءة سياسية واعية، وقراءة دقيقة لسنن التاريخ؛ وقد كان ما حذر منه حرفيًا. فما إن غُيبت الخلافة وسقطت دولتها بتآمر وخيانة من خونة العرب والترك، حتى أُخذت فلسطين بلا ثمن، وقُدمت على طبق من ذهب للصهاينة عبر وعود الاستعمار ومؤامراته، لتبدأ رحلة التيه والشتات والأسر لأهل بيت المقدس وللمسجد الأقصى المبارك.
إن هذا الموقف البطولي للسلطان عبد الحميد الثاني لم يكن نابعًا من هوى نفسي، بل كان تطبيقًا حيًا لقول النبي ﷺ: “إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ”. فالخليفة هو الدرع الحامي، والترس الواقي للأمة ومقدساتها، ولقد كلّف السلطان موقفُه الشجاع هذا عرشه، فتآمرت عليه قوى الداخل والخارج، وعُزل من منصبه، مفضلًا خسارة تاجه على أن يُسجل التاريخ أنه فرّط في مسرى رسول الله ﷺ.
وليس هذا الموقف بمستغرب على حكام تربوا في مدرسة الإسلام؛ فعندما كان لنا “الإمام الجُنّة”، كان الحاكم كخليفة المسلمين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسير في ركاب المسؤولية وهو يقول: “لو تعثرت بغلة في العراق لخشيت أن يسألني الله عنها: لِمَ لمْ تمهد لها الطريق يا عمر؟”، وكان لنا كالخليفة كعمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول: “انثروا القمح على رؤوس الجبال؛ حتى لا يقال جاع طائر في بلاد المسلمين”. هكذا كان الإسلام يحنو بظله ودرعه على الطير في السماء والبهيمة في الأرض، فكيف بالإنسان المسلم الحُر؟
أما اليوم، وفي غياب ذلك الدرع الإيماني واغتصاب الحكم، فقد انقلبت الآية، وتحول الحكام في أيامنا هذه إلى “جحيم” مستعر على شعوبهم بدلًا من أن يكونوا “جُنّة” تحميهم؛ إذ تولى أمر هذه الأمة حكامٌ لا ينتمون إليها في فكرهم ولا في ولائهم، بل هم مغروسون بأيدي الغرب، يأتمرون بأمره ويدينون له بالولاء المادي والفكري، وتحولوا إلى حراس لحدود كيان يهود، ووكلاء لتنفيذ سياسات الاستعمار في بلادنا.
ونذكر في هذا السياق، بمرارة الأسى والمهانة، عندما قام حارس سفارة العدو الصهيوني بقتل مواطنين أردنيين غدرًا في قلب العاصمة عمّان، ثم عاد بعدها بساعات قليلة سالمًا غانمًا إلى كيانه المسخ، فكان أول ما قاله متبجحًا: إنه “كان يعلم يقينًا أن هناك دولة تقف وراءه ولن تتركه”! فانظروا يا رعاكم الله كيف يجد مجرموهم الأمن والأمان والدرع الحامي لمجرد انتمائهم لكيان باطل، بينما نحن المسلمين اليوم، أمة المليارين، نقف كالأيتام على موائد اللئام؛ لا حامي لنا، ولا ناصر، ولا ظهير يحمي حُرماتنا ومُقدساتنا، في ظل غياب الإمام الجُنّة الذي يُقاتَل من ورائه ويُتَّقى به.
ونتيجة لهذه التبعية المطلقة وغياب الإرادة السياسية الحقيقية التي تريد أن تنهض بالأمة وتذود عن حياضها، ضاعت البلاد والعباد، وأصبحت خير أمة تموت من الجوع حقيقةً لا مجازًا، وما زال المسجد الأقصى المبارك يئن تحت قيد الظالمين وسط خنوع رسمي غير مسبوق. ولم يتوقف الأمر عند حدود ضياع الثروات والمقدسات، بل كبلت أمتنا بأغلالٍ إستراتيجية وجغرافية خطتها أيدي الأعداء لضمان تفتيتها وتأبيد ضعفها؛ فمنذ أن قُسمت البلاد الإسلامية في سايكس بيكو وسُلمت فلسطين للاستعمار في سان ريمو، والمسلمون يعيشون في سجون حدودية مصطنعة حوّلت قضايا الأمة إلى شؤون محلية وقطرية معزولة.
وهنا وجب علينا أن ندرك أن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل؛ فالشأن الذي يجب علينا التفكير والاهتمام به فورًا هو الشأن الداخلي للأمة الإسلامية، وإعادة بناء قوتها الذاتية. وإن الوعي السياسي يفرض علينا ألا نبقى نعلّق الأوهام على الشأن الداخلي لكيان يهود، أو نترقب سقوط حكومة يمنية وصعود أخرى يسارية؛ فكلاهما وجهان لعملة واحدة، ويتفقان تمامًا على عداء أمة الإسلام واستباحة مقدساتها.
وإننا لنعجب في ظل هذا التقسيم المذل ونتساءل بمرارة تدمي القلوب: ما فائدة جيوش المسلمين الهائلة، بترساناتها وطائراتها ودباباتها في أيامنا هذه، إذا لم تتحرك للدفاع عن المقدسات؟ وما قيمتها ودماء المسلمين تراق جهارًا نهارًا في غزة وفلسطين والعدو يستبيح بلاد المسلمين برًا وجوًا وبحرًا وهي لا تحرك ساكنًا؟ ألا يستحق المسجد الأقصى وقدسكم أيها المسلمون أن تتحرك جيوشكم في سبيل تحريره؟ وألا تستحق الدماء المسفوكة ظلمًا في بلاد المسلمين؛ في فلسطين، والسودان، وبورما، وتركستان الشرقية، وغيرها، عاصفةً عسكرية لنصرتهم كعاصفة الحزم، أو عملية عسكرية كدرع الفرات؟ لماذا عندما يتعلق الشأن بقضايا المسلمين المصيرية لا نسمع عن عمليات كدرع القدس أو عاصفة حاسمة لتحرير المسجد الأقصى المبارك؟!
أين نخوة المعتصم؟ وأين غيرة صلاح الدين؟ إن بقاء هذه الجيوش حبيسة الثكنات، معطلة عن دورها الإستراتيجي والعقدي، ولا تتحرك إلا لتُوجه هذه الأسلحة إلى صدور الشعوب لحماية عروش وكلاء الاستعمار، هو الجريمة الكبرى! ومصداق ذلك ما أنشده حسان بن ثابت رضي الله عنه قديمًا في تعبيره عن حسرته:
عَدِمنا خَيلَنا إِن لَم تَرَوها ** تُثيرُ النَقعَ مَوعِدُها كَداءُ
وتأسيسًا على هذا التشخيص الواضح للواقع الأليم، فإن لحظات المراجعة القاسية التي تفرضها علينا النكبات المتتالية، وتعمقها الجراح النازفة في محرقة غزة الصامدة، تؤكد لنا حقيقة كبرى لا تقبل المداهنة: أنه لا خلاص لهذه الأمة من كربها، ولا فكاك لأسر قضاياها، طالما بقيت التشريعات الوضعية هي الحاكمة في ديارها، وطالما ظلت أنظمة التبعية الفكرية والمادية للغرب هي التي تقود زمام أمتنا وتتحكم في مصيرها. من هنا، يبرز الواجب الشرعي، وتتحدد الخطوة الإستراتيجية الأولى: العمل الجاد والدؤوب على خلع قيود هذه التبعية من أعناقنا، واستبدال هذه الأنظمة التي رضع حكامها حليب التبعية للغرب حتى صاروا حراسًا لثغوره وحواجز صد لحماية كيان يهود وقمع قوى النهوض في الأمة. وإن علاج الداء العضال يستلزم ابتداءً إعادة السلطان للأمة، وأن يكون على رأس الحكم والمسؤولية رجال ينتمون إلى أمة الإسلام بالعقيدة والولاء؛ وذلك ليعود الحكم لأهله وشرعته.
نعم.. فإن الانعتاق من هذا الواقع يمر حتمًا عبر إسقاط التشريعات الوضعية المستوردة التي أورثتنا الذل والمهانة، وبإعادة إقامة صرح دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة التي بشرنا بها رسول الله ﷺ، تلك الدولة التي يكون القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة دستورها ومنهاج حياتها. وإن الغاية هي إيجاد الخليفة الراشد الذي يمتلك الإرادة السياسية المستقلة النابعة من خشية الله تعالى، ليقود الأمة بوعي وحكمة، ويحطم معاقل الاستعمار، ويسير بجيوش الحق لتمزيق وتحطيم قيود سايكس بيكو وسان ريمو وكل ما تفرع عنهما من اتفاقيات الذل والتبعية التي جزأت جسد الأمة الواحد.
كما إن استقراء التاريخ واستنطاق الواقع يثبتان أن العامل الحاسم في التغيير وحماية المبادئ هو امتلاك القوة والمنعة. فالدول الكبرى كأمريكا مثلًا، عندما تريد فرض هيمنتها، لا تحرك منابرها وأحزابها السياسية فحسب، بل تحرك جيوشها وترسانتها العسكرية. وفي المقابل، رأينا كيف سارع كيان يهود واستنجد بحلفائه الغربيين إبان انطلاق معركة طوفان الأقصى لحماية كيانه المهتز. بناءً على هذا، فإن أهل الأرض المباركة فلسطين ليسوا أيتامًا لا ناصر لهم، بل هم امتداد طبيعي لأمة ضاربة جذورها في عمق التاريخ؛ ولذلك فهم الأولى والأحق بأن يستنصروا بأمتهم الإسلامية، وبأهل القوة والمنعة فيها لينفروا لنصرتهم وتحريرهم.
وفي هذا المقام، لا يجب علينا أن نغفل عن الدروس والعبر عما حصل في مصر من الانقلاب العسكري على الرئيس محمد مرسي رحمه الله وغفر له إذا تعتبر تلك التجربة شاهدًا حيًا على أن الوصول إلى تحكيم الإسلام لا يمكن أن يتحقق بالتدرج، ولا من خلال السير في دهاليز القوانين الوضعية التي صاغها الغرب، ولا عبر أدوات الديمقراطية المزعومة التي يتشدقون بها لتثبيت التبعية لهم. بل إن طريق التغيير الحقيقي يتطلب التحام القوة العسكرية من أبناء الجيوش المخلصين ممن ينتمون للأمة بالفكر والعقيدة والولاء مع قيادة سياسية واعية ومخلصة، تستمد شرعيتها من دينها لا من رضا الشرق أو الغرب.
لذلك، فإن السنن والتدافع يؤكدان أنه سيأتي يوم يشهد فيه واقع المسلمين انقلابًا عسكريًا حاسمًا، لكنه لن يكون كغيره من الانقلابات العبثية أو التابعة للغرب؛ بل سيكون انقلابًا مباركًا وانحيازًا صريحًا لصالح الأمة الإسلامية وعقيدتها. وعندها، ستتهاوى عروش الباطل، وتبدأ حدود وأنظمة سايكس بيكو بالتهاوي أمام زحف الأمة الإسلامية كما تتساقط أحجار الدومينو، وسيلتحم المسلمون من جديد في دولة واحدة، دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة بشرى رسول الله ﷺ ووعد الله عز وجل لعباده المؤمنين، تحت إمرة إمام واحد، وتحت راية واحدة هي راية رسول الله ﷺ، تمتد من جاكرتا حتى الرباط، لنجتمع جميعًا ونتوجه نحو عاصمة الدولة الخالدة بيت المقدس.
نعم رغم هذا المشهد القاتم الذي نعيشه اليوم، فإن اليأس لا يجد طريقًا إلى قلوبنا؛ فالخير باقٍ في هذه الأمة إلى قيام الساعة، والشعوب الحية، والشباب الأباة، والجنود المخلصون في معسكرات الأمة كلهم يتوقون ليوم النفير. إن الأمة ولّادة لم تعقم، وزملاء الأبطال الذين ثاروا لعزتهم ودينهم وكسروا حاجز الخوف ما زالوا بيننا؛ زملاء خالد الإسلامبولي، ومحمد صلاح، ومولود أطنطاش، ومشهور الجازي، وغيرهم الكثير من الأبطال الكامنين في صفوف الأمة وجيوشها، يترقبون وينتظرون الإشارة وساعة الصفر.
وفي الختام، سيشرق الأمل رغَمًا عن أنوف الظالمين، ويومًا ما عما قريب بإذن الله، ستنفض الأمة غبار التبعية عن كاهلها، وتستعيد سلطانها المغصوب، وتخلع حكامها الأنجاس وكلاء بني صهيون، وتقيم على أنقاض عروشهم البالية دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، لترتفع راية التوحيد، وتطهر البلاد، ويعود بيت المقدس عاصمة لدولة الخلافة.
فأعيدوا خلافتكم.. تستعيدوا قدسكم، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.





