
هدم 80 منزلاً للمسلمين وتشريد 250 أسرة مسلمة في الهند
يونيو 17, 2026
بالهجرة وإقامة الدولة تجسد الإسلام في المجتمع
يونيو 18, 2026
د. طه ياسين – مدير تحرير مجلة إشراقات
من تلك الصحراء الممتدة بين مكة والمدينة، حيث كانت شبه الجزيرة العربية ترزح تحت أثقال الوثنية والظلم والضياع، هبَّت على الإنسانية نسمةٌ ربانية عليلة، أعادت إلى الذاكرة عهدًا قريبًا كانتْ فيه العرب قبائل متفرقة، تعبدُ الأصنام، وتأكل الميتة، وتقترف الفواحش، وتقطع الأرحام، وتئد الأولاد خشية الفقر والإملاق.
كانوا قومًا هُمَلًا على هامش التاريخ، لا يُؤبَه لهم، ولا ترى الأمم الكبرى فيهم إلا شتاتًا مبعثرًا في بطاحِ الجزيرة العربية. حتى إذا أشرقتْ أنوار النبوة، وتلألأتْ رمال الصحراء تحت أقدام أعظم رجل عرفته الإنسانية؛ محمد ﷺ، بدأت أولى خطوات حضارةٍ غيرت وجه التاريخ. ومن تلك الخطوات المباركة انطلقت أمةٌ جديدة، حملتْ إلى العالم رسالة التوحيد والعدل والرحمة، فما هي إلا عقودٌ قليلة حتى تهاوتْ أمامها إمبراطوريتان طالما حسب الناس أنهما عصيّتان على الزوال. وفي أقل من نصف قرن، انتقل العرب من رعاةٍ مجهولين في أطراف الصحراء إلى صُنّاع حضارة أدهشت المؤرخين، وأعجزت الباحثين عن تفسير سر هذا التحول الفريد.
إنها الهجرة النبوية؛ الحدث الذي أدركتْ قريش أنه ليس انتقال رجلٍ من أرضٍ إلى أرض، بل انتقال التاريخ من حالٍ إلى حال. ولذلك كانت تودّ لو افتدت نفسها من وقوعه بحُمْر النَّعَم، لأنها كانت تعلم أنه سيكسر شوكتَها، ويُرغم أنفها، ويجعل سلطانها أثرًا بعد عين، وخبرًا من أخبار الماضي.
ومن هذا الحدث المبارك انبثقتْ غزوة بدر، وغزوة الخندق، ومعركة القادسية، ومعركة اليرموك، ومنها انطلق المدّ الإسلامي العظيم الذي ملأ الآفاق نورًا وعدلًا وحضارة.
وقد لخّص هارون الرشيد المدَّ المبارك إلى عصره العبّاسي بقوله للسحابة: “أمطري حيث شئتِ، فسيأتيني خِراجك”. وهي كلمة تختصر رحلة أمةٍ خرجت من قلب الصحراء تحمل رسالة السماء، فإذا بها تقود الدنيا، وتكتب واحدةً من أبهى صفحات التاريخ.
إنها ذكرى الهجرة؛ الذكرى التي تفرض على المسلمين أن يقفوا عند دروسها، وأن يستلهموا من مَعينها الصافي حقائق الإيمان ومقتضياته.
خضوع الحياة للعقيدة
أول ما تعلّمه الهجرة أن الحياة ينبغي أن تخضع للعقيدة، لا أن تخضع العقيدة لمطالب الحياة؛ فالمؤمن الحقّ يجعل دينَه قائدًا لحياته، لا تابعًا لأهوائه ومصالحه. ومن ثمّ يهون عليه أن يضحّي بمالِه ووطنِه وراحته في سبيل ما يؤمن به، ويتعلّم كيف يتعفّف في فقره، ويتصدّق والمال أحبّ ما يكون إلى نفسه، ويمسك زمام شهوته عند فورانها، ويكظم غيظه وهو قادر على إنفاذه.
وأن الهجرة لم تكن فرارًا من ساحة المواجهة إلى واحةٍ من الدّعة والرخاء، ولم تكن انسحابًا أملاه فتور العزيمة أو خور النفس، وإنما كانت امتثالًا لأمر الله تعالى، واستجابةً لإذنه الكريم في قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: 100].
فقد ثبت محمد ﷺ، وأصحابه رضوان الله عليهم في مكة ثلاث عشرة سنة، يتجرّعون ألوان الأذى والاضطهاد، من سخريةٍ وتوبيخ، وتعذيبٍ وتنكيل. وكانت أروى بنت حرب (حمَّالة الحطب) تُلقي الشوك في طريقه، وألقى عقبة بن أبي مُعيط سَلَى الجزور على ظهره الشريف وهو ساجد بين يدي ربّه. ثم خرج إلى الطائف يلتمس نصرةً أو مأوى، فأغرى به سادةُ ثقيف سفهاءَهم وعَبيدهم، فجعلوا يتبعونه وصاحبه بالسبِّ والرجم حتى أدموا قدميه الطاهرتين.
ولم تكتفِ قريش بذلك، بل حاصرتْ بني هاشم في الشِّعْب ثلاث سنين متوالية، أرادت أن تخنقَ الدعوة في مهدها، وأن تكسر إرادة المؤمنين. غير أن تلك المحن المتتابعة لم تزد الدعوة إلا صلابة، ولم تزد المؤمنين إلا يقينًا وثباتًا؛ فكانت كضربات المطرقة على الحديد، لا تحطّمه، بل تزيده قوةً.
بين الحق والباطل
تعلِّمنا الهجرة أنَّ الصراعَ لم يكن بين فريقٍ وفريق، بل هو في جوهره صراعٌ بين الحق والباطل. تكشف لنا أن محمد ﷺ لم يكن أمينًا في نظر قومه فحسب، بل أيضاً في نظر أولئك الذين تربّصوا به ليقتلوه. فقد كان موضع ثقةٍ عندهم في أموالهم وودائعهم، حتى في الليلة التي خرج فيها مهاجرًا، ترك علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليؤدي الأمانات إلى أهلها، حتى لا تمتد إليها يد السرقة.
وهذا مشهدٌ جليل من معاني الشهامة والأمانة، يسكبه الرسول ﷺ في قالبٍ إنسانيٍّ رفيع، تتجلّى فيه القيم في أسمى صورها، وتظهر فيه الأخلاق بوصفها جوهر الرسالة وروحها.
الثقة بالله فوق الثقة بالنفس
تعلِّمنا الهجرة كذلك أن ثقة المؤمن بربه ينبغي أن تكون أعظمَ من ثقته بنفسه وبالناس، وأن اليقين بوعد الله يتجاوز حدود الواقع الحاضر بكل ما فيه من ضعفٍ واستضعاف.
وخير ما يجسّد هذه الحقيقة ذلك الموقف الجليل الذي قال فيه محمد ﷺ وهو مطارَد في الصحراء وقد أُعلنت المئة من الإبل لمن يأتي به_ لسُراقة بن مالك: “كيف بك إذا لبستَ سِوَارَي كسرى؟”، في إشارةٍ إلى زوال ملك كسرى، ووراثة المسلمين لِما كان في يده.
فكان في هذا القول اختصارٌ لمعنى اليقين، وإعلانٌ أن وعد الله نافذ، مهما اشتدّ الظاهر، ومهما ضاقت الأرض بأهل الحق.
أعظم العواطف ما كان في سبيل الله
تعلِّمنا الهجرة كذلك أن أعظم العواطف ما كان منها في سبيل الله، وأن أصفى الصحبة هي تلك التي تنبع من الإيمان، وتُصاغ على ميزان العقيدة لا على حساب المصالح الزائلة.
في طريق الهجرة، كان أبو بكر رضي الله عنه يسير مع محمد ﷺ وقد اعتراه الخوفُ عليه، فكان يمشي ساعةً أمامه، وساعةً خلفه، يتلفّت حذرًا من الطلب تارةً، ومن الرصد تارةً أخرى. فلما فطن له النبي ﷺ قال: “يا أبا بكر، ما لك تمشي ساعةً بين يديّ وساعةً خلفي؟” قال: أذكر الطلبَ فأمشي خلفك، وأذكر الرصد فأمشي بين يديك. فقال ﷺ: “يا أبا بكر، لو كان شيءٌ أحببتَ أن يكون بك دوني؟” قال: نعم، والذي بعثك بالحق، ما كانت لتكون من مُلمةٍ إلا أن تكون بي دونك1.
فكانت تلك الكلمات شهادةً بصدق الصحبة، وسموّ الإيمان، وأنَّ ما يجمع الأرواح في طريق الحق أعظمُ من كل رابطةٍ أرضية.
لا مساومة على المبادئ
تعلِّمنا الهجرة كذلك أنها استكمالٌ لنيل الفضائل، وصونٌ للأنفة والكرامة، لا مجاراةٌ للخصوم ولا مداهنةٌ للباطل، ولا تنازلٌ عن الدين والقيم تحت دعوى البقاء أو مسايرة الواقع.
فليس من الحكمة أن تُبدَّل الثوابت، أو تُفرَّغ المعاني، أو يُساوَم على المبادئ في التعليم أو الإعلام أو سائر شؤون الحياة، بحجة الحفاظ على الوجود؛ فإن الوجود الذي يُشترى بالتنازل عن الهوية وجودٌ مهدّد في جوهره، لا يلبث أن يتلاشى.
بل هي إحدى الحسنيين: نصرٌ أو شهادة، وكلاهما فوزٌ في ميزان الإيمان.
وما أبلغ قول عنترة في تصوير معنى العزّة ورفض الهوان:
لا تسقني ماءَ الحياةِ بذِلّةٍ ** بل فاسقني بالعزِّ كأسَ الحنظلِ
العفو من أعظم سمات هذا الدين
تعلِّمنا الهجرة كذلك أن العفو من أعظم سمات هذا الدين، وأن القوة فيه لا تنفصل عن الرحمة، بل تتكامل معها في أبهى صورها.
فقد عاد محمد ﷺ إلى مكة فاتحًا، بعد أن أُخرج منها هو وأصحابه، وسُلبوا المال والأرض والديار، فعادوا لا بوصفهم غزاةً منتقمين، بل رحمةً تمشي على الأرض، تطمئن القلوب وتؤلف بين النفوس.
ولما اجتمعت قريش في موقفٍ لم تعرف فيه مصيرها، جاء الجواب النبوي جامعًا لمعنى العفو في أسمى تجلياته: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”.
فكان ذلك الفتح صفحةً مضيئة في تاريخ الإنسانية، تُظهر أن الرسالة التي جاءت لتقيم العدل لا تُقيمه بالثأر، بل بالعفو عند المقدرة.
العدل أساس المُلك
تعلِّمنا الهجرة كذلك أن الدولة القوية ليست التي تُدار بالمحاباة أو تُحكم بالمحسوبيات، وإنما هي التي تسجّل في دستورها هذه القاعدة الربانية: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾، فيستوي فيها القوي والضعيف، والشريف والوضيع، ولا مكان فيها لحماية الفساد أو التواطؤ على الظلم.
وقد ظهر هذا المعنى جليًّا حينما سرقتْ المرأة المخزومية في المجتمع الجديد الذي نشأ بعد الهجرة، فكلّمه أسامة فيها، ، فغضب فقال رسول الله ﷺ: “أتشفَعْ في حدٍّ من حدود الله؟!” ثم قام فخطب ﷺ، ثم قال: “إنما أهْلَك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريفُ تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وأيْم الله، لو أنّ فاطمةَ بنتَ محمدٍ سرقتْ لقطعتُ يدها”2.
فكانت تلك الحادثة إعلانًا عمليًا لمبدأ العدل، الذي لا يعرف استثناءً ولا يحابي أحدًا، وبذلك قامت الدولة على ميزان الحق لا على ميزان الأشخاص.
مدّ اليد لأهل الغدر مخاطرة
بعدما أُبرمت وثيقةٌ بين الرسول واليهود بعد الهجرة، وتقوّتْ دولة الإسلام، بدأ اليهود يتحيَّنون الفُرَص للغدر بالمسلمين، فكان أوَّل من غدر منهم بنو قَيْنُقاع عندما اعتدَوْا على حجاب امرأة مسلمة في سُوقهم وكشفوا عن عورتها، فحاصرهم رسول الله ﷺ بجيش من المسلمين حتى أجلاهم عن المدينة، ثم تبعهم بنو النضير عندما دبّروا مؤامرة لقتل رسول الله وهو عندهم في مجلسهم، إذ أَمروا من يُلقي عليه صخرة من أعلى السطح فكشف الله أمرَهم فأجلاهم رسول الله. ثم تبعهم بنو قُرَيظة فغدروا بالمسلمين في غزوة الأحزاب عندما نقضوا العهد وانضموا للمشركين.
إنَّ صهاينة اليوم هم حفدة أولئك الغادرين الذين نقضوا عهدَ رسول الله، وإنّ مدّ اليد لهم بالتطبيع مجازفة كبيرة بالعباد والبلاد.
أخيرًا
إنَّ ذكرى الهجرة ليست حدثًا عابرًا يمرّ كما تمرّ الأيام ثم ينسى، بل هي ميلاد أمةٍ جديدة، واستيلادٌ لمسارٍ حضاريٍّ غيّر وجه التاريخ، وأكسب الإنسانية عناصر قوتها ومعاني نهضتها.
إنها ذكرى صنع أحداثها محمد ﷺ وصحابته الكرام، فلا يليق بأبناء هذه الأمة أن يجهلَ أحدهم تاريخها أو يغفل عن معالمه، ولا يليق بإعلامها أن يتجاوز عن التذكير بها أو يمرّ عليها مرورًا عابرًا.
إنها معلمةُ الخُطا الكبرى التي بقيت آثارها محفورة على رمال البادية، شاهدةً على أعظم حضارةٍ أرسى دعائمها رسول الله ﷺ، فكانت الهجرة بداية الطريق، ومنها انطلقت أمةٌ غيّرت مجرى التاريخ، وما زالت أنوارُها ممتدة في الذاكرة والوجدان.
ـــــــــــــــــــــــ
1 رواه الحاكم في المستدرك بإسناد صحيح.
2 أخرجه مسلم والنسائي.





