
جرحى بغارات الاحتلال على قطاع غزة ووفاة رضيعة جراء البرد القارس
يناير 20, 2026
سنة الله في فتح بيت المقدس
يناير 20, 2026روبرت هلينبراند
مؤرخ بريطاني*
بلغت قرطبة أوج عزها في عهد عبد الرحمن الثالث (٣٠٠-٣٥٠هـ / ٩١٢-٩٦١م) ففي عهد هذا العاهل الناشط الباهر النجاح الذي اتخذ لنفسه لقب الخليفة عام ٣١٦هـ/٩٢٩م، بلغ الإسلام في الأندلس ذروة التوسع والإنجاز الثقافي. فقد استطاع هذا الأمير أن يستعيد تقريباً جميع الأراضي التي فتحها سلفه العظيم وسميه، واحدة بعد الأخرى. وربما كان أسطوله من أكبر الأساطيل في العالم في ذلك الوقت.
ففي شهر أيار من كل عام كانت تجهز الحملات العسكرية الفخمة، تصاحبها الاستعراضات خارجة من شمال المدينة، تدعو إلى الجهاد وإلى ضمان سلامة الحدود، لكنها كانت تهدف كذلك إلى جمع الغنائم وإلى بسط سلطان الدولة في أقاليم الشمال التي يحتمل أن تصدر عنها الثورات. ولكن من المعروف أنه حتى في عهد عبد الرحمن الثالث لم يستطع المسلمون استعادة سيطرتهم على الجزيرة الإيبيرية بأكملها (ربما لأنهم كانوا يفضلون أن تبقى حدودهم إلى الجنوب من جبال البيرينيه (البرتات)، أو لأنهم كانوا أكثر ميلاً إلى شمال أفريقيا وعالم البحر المتوسط). وحتى عند قبول هذا التفسير، فإن هذه الحقيقة يجب أن تؤخذ بالحسبان عند النظر فيما كان يبالغ فيه أحياناً عن القوة السياسية لخلافة قرطبة .
وعلى النقيض من ذلك، من الجدير بالذكر أنه في عام ٣٤٠هـ/ ٩٥١م قيل إن الخليفة اجتمع له كنز قوامه عشرون مليون قطعة ذهب، مما جعله إلى جانب نصر الدولة الحمداني في بلاد الشام وما بين النهرين أغنى أمير مسلم في زمانه. وقد استطاع توفير مثل هذه الثروة لأنه كان يوفر ثلث وارداته السنوية التي كانت وحدها تبلغ ٦,٢٥٠,٠٠٠ قطعة ذهب، ويخصص الثلث الآخر للمصاريف العادية ليستعمل ما تبقى لمشاريع البناء. وهذا الأمر الأخير يفسر ما دفع المؤرخين العرب لتسمية قرطبة عروس الأندلس، وما دفع حتى الراهبة السكسونية المعاصرة هروسوثيا أن تسميها “زينة الدنيا”.
وبعد سبعة قرون استطاع المؤرخ المغربي المقري أن يكتب عن هذه الفترة فيقول ما معناه: تتفوق قرطبة على عواصم العالم بأربعة أشياء: القنطرة فوق نهرها، والجامع، وهما أول اثنين، والثالث مدينة الزهراء، لكن الرابع أعظمها وهو العلم. ومع ذلك، فإن صانع هذا الإنجاز، عبد الرحمن الثالث كان يطرق حزيناً في أخريات أيامه ويقول إنه لم يعرف في حياته سوى أربعة عشر يوماً خالية من الهموم .
كانت المدينة متميزة بنظافتها بمقاييس العصور الوسطى؛ فهذا ابن سعيد من مؤرخي القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي الذي عرف قرطبة معرفة جيدة يقول: “مسلمو قرطبة من أنظف الناس جسداً وثياباً وفراشاً وفي الداخل من منازلهم وبيوتهم”.
وكانت الشوارع حسنة التسوية والإنارة، إذ كانت المصابيح تعلق خارج الأبواب وعلى زوايا الدور، التي يقول المقدسي إن سقوفها كانت مغطاة بالبلاط.
وكان في قرطبة وفرة من مياه الشرب، إذ كان عبد الرحمن الأول قد بنى لها القنوات. وكانت المدينة ضخمة، وهذه مسألة تسترعي الانتباه، لأنه قبل الفتح الإسلامي كانت المدينة الرئيسة في أيبيريا هي طليطلة؛ فحسبما يروي البكري والحِميري، كانت قرطبة الكبرى تتكون من خمس مدن متجاورة، لكل مدينة منها سور يفصلها عما يجاورها من المدن. وفي كل واحدة من هذه المدن عدد وافر من الأسواق والمخازن والخانات والحمامات العامة وجميع أنواع المؤسسات الصناعية. وتمتد من الغرب إلى الشرق مسافة ثلاثة فراسخ طولاً، وعرضها فرسخ واحد. لكن ابن سعيد يقول إن المدينة كان لها واحد وعشرون ربضاً غير مسورة تقع خارج وسط المدينة المسورة.
إن غياب الإشارات التاريخية الدقيقة في بعض هذه الأوصاف قد يعني أنها أقل تضارباً مما يبدو أول الأمر؛ ففي مراحل التطور الأولى كان لقرطبة ثلاثة أقسام تكوّن المدينة العليا والمدينة السفلى (آخيركيا) على الضفة اليمنى من النهر، يحيط بها سور مفرد ذو أسس رومية ولكن يعترضه سور آخر، كما تفصلها المنطقة الواقعة جنوب النهر.
لكن القرن الهجري الرابع/ العاشر الميلادي قد شهد نمواً مذهلاً، وبخاصة في عهد الحكم الثاني وهشام الثاني؛ ففي ذلك الوقت كان للمدينة سبعة أبواب، تمتد خلفها الأرباض التي ذكرها ابن سعيد، كانت هذه المنطقة الواقعة خارج الأسوار تعرف باسم الريف أو الأرباض، وكان منها تسعة أرباض إلى الغرب، وسبعة إلى الشرق، وثلاثة إلى الشمال، واثنان وراء النهر إلى الجنوب. وإلى الجنوب الغربي من المدينة تمتد الحدائق والقصور التي يمكن الوصول إليها مباشرة من المقاصير الملكية خلال بوابة في سور المدينة.
وإلى أقصى الجنوب من الحدائق يقع الميناء النهري. وعند حدود منطقة القصر إلى الشمال يقع حي اليهود؛ وإلى الشرق من القصر تماماً، ولكن يفصله عنه طريق المدينة الرئيس (المحجة العظمى) ويقع الجامع الكبير، كما يقع السجن على مقربة منه كما يقول ابن حوقل. إن الاقتراب الشديد بين القصر الملكي والجامع الكبير أمر يتبع سنة إسلامية معروفة. وإلى الشرق من الجامع مباشرة تقع الأسواق والقيصرية، وهي السوق المسقوفة المقفلة.
وكانت المقابر تمتد إلى أقصى الشمال الغربي من مدينة الزهراء، وإلى أقصى الجنوب الشرقي من مدينة الزاهرة. وقد غدت مدينتا القصور هاتان مركزين للتوسع الحضري، مثلما سبق أن حدث في القيروان.
والواقع أن قرطبة، كما يقول ابن خلدون، لم تكن مدينة واحدة بل عدة مدن، وكانت أفخم القصور هي تلك التي بنيت على امتداد الطريق الخارج من مدينة الزهراء. وتشير أحدوثة عابرة يرويها ابن حزم أن بيوت علية القوم كانت تضم شرفات بُنيت بحيث تطل على مناظر شاملة من قرطبة؛ إذ كانت تتكون من سلسلة من النوافذ البارزة المطوقة بالمعرشات التي وضعت بشكل بحيث تمنح الواحدة منها منظراً مختلفاً عن الأخرى. وشرفة داراكشا في الحمراء هي صدى لاحق لهذه الطرائف الفنية .
إن الأرقام التي يشير إليها المقري في الغالب حول أبنية قرطبة في هذا العهد قد تكون مضللة بفعل ما يبدو عليها من دقة، خاصة إذا ما عرفنا أن بعض الدراسات السكانية الحديثة -ولو أنها قد تبالغ في حماسة تسيء إليها- تشير إلى أن هذه الأرقام قد تكون عشرة أضعاف الحقيقة. ومع ذلك فإن هذه الأرقام هي التي رسخت صورة قرطبة التي بقيت في ذهن العالم الإسلامي:
١٦٠٠ مسجد (وفي رواية ٤١٧)، و٩٠٠ حمام، و۲۱۳,۰۷۷ داراً لعامة الناس، و60.300 قصر لعلية القوم والمسؤولين وقادة العسكر، و٨٠,٤٥٥ دكاناً. ويقال لنا إن هذه الأبنية كانت منتشرة على رقعة من الأرض طولها ٢٤ ميلاً وعرضها ستة أميال يعيش عليها مليون نسمة.
ويسع المرء في الأقل أن يستنتج من التوسيعات المستمرة في الجامع الكبير أن سكان المدينة كانوا يتزايدون بطفرات خلال القرنين الثالث الهجري/التاسع الميلادي، والرابع الهجري/العاشر الميلادي. وحتى هذا اليوم لا يوجد في العالم الإسلامي من جوامع العصور الوسطى ما يفوق جامع قرطبة في الحجم، سوى جامع سامراء وجامع الرباط. وقد بني الجامعان مع التفكير بحاجات التوسع المستقبلية، خلاف جامع قرطبة الذي بني استجابة لضغط عدد السكان الفعلي.
لذا يكون تخمين لومبارد (Lombard) غير بعيد الاحتمال؛ إذ يرى أن حجم الجامع يشير إلى عدد سكان في حدود ۳۰۰,۰۰۰ نسمة. وهذا يجعل من قرطبة مدينة أكبر بكثير من باريس التي كانت في ذلك الوقت أكبر مدينة في أوروبا اللاتينية بلا منازع.
وكانت معيشة الناس تقوم على الأراضي المزروعة بكثافة، تديم خصوبتها أنظمة ري متطورة تعتمد على رافعات الماء والنواعير -وهو نظام مستورد من الشام-. إن التقويم الشهير الذي وضعه الدبلوماسي ريكمند (Reccimund) حتى عام ٣٥٠هـ/ ٩٦١م يسرد بتفصيل دقيق زراعة المحاصيل المختلفة وتربية المواشي من شهر إلى آخر، ويعرض صورة قيمة عن الإنجازات الكبيرة التي حققتها الأندلس في هذا المجال.
منذ القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي ظهر التناقض بين الحاضر والماضي، فصار يوحي بكثير من التأملات الرثائية من نمط «أين هم؟» كما نجد في شکوی ابن حزم المشهورة، والإدريسي كذلك يصف قرطبة بأنها أجمل جوهرة في الأندلس قبل أن يشير بأسى إلى سقوطها الفاجع. ويمكن تلمس خيط من لوم الذات في مثل هذه التأملات. ولم يدرك المسلمون تماماً إلا بعد فوات الأوان مدى ما تسببوا في خرابه بسبب الفرقة والفوضى. وعند ذلك صاروا يميلون إلى تذكر أيام عز المدينة فيما مضى بوصفه رمز فردوس مفقود فراحوا يبالغون في بهائه. ولكن حتى بعد اقتطاع ما يجب حذفه يبقى من الواضح تماماً أن قرطبة كانت مدينة لا مثيل لها في العالم الإسلامي إلى الغرب من مصر.
قرطبة.. مركز الفكر والتعليم
كانت قرطبة في عهد الخلافة مركزاً فكرياً قبل أي اعتبار، كما يستدل على ذلك من مكتباتها السبعين. لذا كانت للتعليم أفضلية واضحة. فالحكم الثاني، وهو مؤرخ ذو شأن، قد استقدم الأساتذة من مشرق العالم الإسلامي ليقوموا بالتدريس في الجامع الكبير وأوقف لهم وأجرى عليهم المعاش. وقد شيد كذلك سبعاً وعشرين مدرسة مجانية.
وكان له في القصر مكتبة تضم أربعمائة ألف كتاب تقع فهارسها في أربعة وأربعين مجلداً، في كل منها خمسون ورقة، وتورد بعض الأوصاف أنها عشرون ورقة. وقد نقل هذه الأرقام إلى ابن حزم مسؤول المكتبة في ذلك الوقت وهو الخصي بكيا. وقد أجرى عبد الرحمن العكريش بحثاً في الآونة الأخيرة كشف فيه عن معلومات جديدة تعين في دعم هذه الأرقام. مثال ذلك أن المكتبة (مثل الجامع الكبير إلى بعض الحدود) كانت تفيض عن حجم بنايتها، مما دعا إلى نقلها إلى بنايات أخرى لا أقل من خمس مرات. وفي إحدى تلك المرات استغرق نقل دواوين الشعر وحدها خمسة أيام.
ولم تكن المكتبة تضم مجموعة كتب الحكم وحدها، بل كانت في الواقع تجمع المكتبات الخاصة لأفراد الأسرة -الأب والإخوة والأبناء- فكانت بذلك مكتبة ملكية بكل معاني الكلمة. والواقع أن بعض الكتب كانت في حوزة الأسرة المالكة لمدة أطول بكثير. ومع أنها لم تكن مكتبة مفتوحة لعامة الناس على ما يبدو، إلا أن شهرتها كانت واسعة. بعد ذلك بقرون يذكر القلقشندي أن هذه المكتبة تضارع مكتبات العباسيين في بغداد والفاطميين في القاهرة، وأنها واحدة من ثلاث مكتبات عظيمة في العالم الإسلامي. وبعض هذه الكتب يحمل هوامش بخط الحكم نفسه، مما جعلها ذات قيمة خاصة في نظر الأجيال اللاحقة.
ولم يكن الحكم وحيداً في الولع بالكتب، سواء في العالم الإسلامي عموماً أو في قرطبة نفسها. فقد كانت تروى حكايات عجيبة عن مكتبات بغداد. ويذكر المقريزي أن الخليفة المعز الفاطمي معاصر الحكم اجتمع له أكثر من مليون كتاب في مكتبته.
يروي ابن سعيد أنه كان في قرطبة من الكتب أكثر مما في أية مدينة أخرى من مدن الأندلس وأن أهلها من أكثر الناس حرصاً على العناية بمكتباتهم؛ فقد كانت مجموعات الكتب تعد علامة على علو المنزلة والصدارة في المجتمع. وكان من ليس لهم حظ من المعرفة يسعون لاقتناء مكتبة في دورهم ويختارون مقتنياتهم لكي يفخروا بامتلاك نوادر الكتب أو النسخ النفيسة بخط أحد مشاهير الخطاطين. كان ابن فطيس وزيراً وقاضياً عند الحكم الثاني، وكانت له مكتبة طلاها باللون الأخضر جميعاً، وفيها ستة نساخين يعملون طوال النهار. وقد استن ابن فطيس قاعدة راسخة ألا يُعير شيئاً من كتبه، ولكنه يجهز نسخاً خاصة في ذلك المنسخ العجيب هدية لمن يطلب. غير أن حفيده قد تخلص من تلك المكتبة بعد حين لقاء أربعين ألف دينار.
ولكن لا يمكن القول إن جميع مشتري الكتب في ذلك العهد كانوا من العلماء الجادين. يروي ابن سعيد حكاية مؤلمة عن عالم فقير الحال طال بحثه عن كتاب أعوزه؛ فلما عثر عليه غلبه على شرائه رجل عليه سيماء النعمة، فخاطب العالم غريمه قائلاً: “يا شيخ”، على أمل إقناعه بالتخلي عن الكتاب. لكنه ارتد خائباً إذ قال له الرجل: “أنا لست بشيخ، لكن الأصول تقتضي أن تكون لي مكتبة، وعلى رفوف مكتبتي فراغ يناسبه مثل هذا الكتاب الجميل التجليد والخط”، فأجابه العالم الخائب بازدراء قائلاً: “بلى، إن أمثالك من الناس هم الذين يملكون المال، لقد صدق من قال: إن الله يعطي الجوز لمن لا يملك الأسنان، وأنا الذي أحتاج هذا الكتاب لمحتواه لا طاقة لي بامتلاكه”.
ولكي نضع أمثال هذه القصص في سياقها، يحسن أن نتذكر أن دير القديس غال St Gall في سويسرا كان يضم واحدة من أكبر المكتبات في شمال أوروبا، وكانت معاصرة لمكتبة الحكم، لكن محتوياتها لم تزد على ستمائة كتاب، وكان استعمال الورق (بل الورق الرخيص) بدل الرق (المستعمل في الأندلس) هو من بعض أسباب قلة الكتب بهذا الشكل المذهل، ولو أن الرق بقي قيد الاستعمال في قرطبة لمدة أطول بكثير مما كان عليه الحال في المراكز الكبرى للثقافة الإسلامية.
وقد كان من شأن الخبرة التي تطورت في قرطبة في فنون صناعة الكتاب أن اتخذت مسارب عجيبة، إذا ما حكمنا من مقطع في (العقد الفريد) لابن عبد ربه القرطبي:
“أما عن طريقة إخفاء الأسرار في الكتابة فلا يقرأها أحد غير من كُتبت له، فثمة طرائق لذلك يجب معرفتها… وأفضل تلك الطرائق أن تأخذ اللبن الحليب وتكتب به على ورق البردي؛ فإذا تسلمها من كُتبت له عليه أن يذر فوق الصفحة رماد البردي المحروق وهو ساخن فتظهر الكتابة بعد ذلك إن شاء الله. وإن شئت فخذ ماء الكبريت الأبيض تكتب به فإذا بلغت الكتابة من كُتبت إليه كان عليه أن يرش فوقها ذرور الكبريت. وإن شئت ألا تُقرأ الكتابة في النهار بل في الليل عليك أن تكتب بمرارة السلحفاة”.
دور النساء في النهضة العلمية
وثمة عامل آخر لا يقل أهمية في انتشار القراءة وهو وجود المدارس الإسلامية التي تستخدم عشرات النساخات النساء، ومثل هذه المدارس في القرون الوسطى تعادل دور النشر في هذه الأيام.
ولم يكن ذلك بالأمر المستغرب؛ فقد كتب ابن حزم عن النساء يقول: “وهن عَلَّمنني القرآن وروَّينني كثيراً من الأشعار ودربنني في الخط”.
وإلى جانب النساء اللاتي كن يكسبن عيشهن من النسخ في سوق الكتب في قرطبة (وبوسعنا تخيل حجم ذلك السوق إذا عرفنا أن سبعين نساخاً فيه كانوا متخصصين في نسخ القرآن دون غيره من الكتب) ثمة نساء ممن كنّ أكثر تعليماً يشتغلن أمينات سر، (ومنهن واحدة اسمها (لبّانة) كانت تعمل في خدمة الحاكم وفي خدمة (طالب) الذي كان أمين المكتبة ذات حين).
وكان منهن المدرسات أو أمينات المكتبات (مثل واحدة اسمها فاطمة، كانت مسؤولة عن مشتروات الكتب للمكتبة الملكية، وكانت كثيرة الأسفار لهذا الغرض، وكانت لها زميلة اسمها ليلى). ومن النساء كذلك من كن يمارسن الطب والقانون وبعضهن أميرات، مثل ولّادة بنت المستكفي، وعائشة، وقد اشتهرن بنظم الشعر.
والواقع أن صفحات کتاب ابن حزم (طوق الحمامة) الذي يركز على فن الحب وعلى الأعراف الاجتماعية، يكشف دائماً عن الدرجة الكبيرة من الحرية التي كانت نساء قرطبة يتمتعن بها، بالقياس إلى ما كان يجري في غيرها من البلاد الإسلامية. ونجد توكيداً آخر لذلك في الرسوم التي تزين قصة حب تعود إلى القرن الهجري السابع/ الثالث عشر الميلادي بعنوان (بياض ورياض)، ومن بينها صورة فتى يضرب على العود وسط سرب من الحسناوات حاسرات الوجوه.
ومع كل هذه الحرية البادية، لم تكن أحوال النساء مما يحسدن عليه. وهذا ما يورده الفيلسوف القرطبي ابن رشد في القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي في تحليل المسألة بموضوعية فذة: “إن مجتمعنا لا يفسح مجالاً لتطور مواهب النساء، ويبدو أن قدرهن مقصور على الولادة والعناية بالأطفال، فكان من شأن هذه العبودية أن دمرت قدرتهن على جلائل الأعمال، من أجل ذلك لا نرى نساء لهن مواهب في فضائل الأخلاق؛ فهن يعشن عيشة الخضراوات، وقد نذرن أنفسهن لأزواجهن. وهذا مصدر التعاسة التي تشيع في حواضرنا، لأن عدد النساء أكثر من ضعف عدد الرجال ولا يقدرن على توفير مطالب الحياة بجهودهن وحدها”.
قرطبة.. الجامع والجامعة
أصبحت قرطبة الآن تنازع بغداد حول الزعامة الفكرية في العالم الإسلامي؛ فقد كان جامع قرطبة مركزاً مشهوراً للدراسة العالية، بمستوى القاهرة وبغداد، إذ كان أول جامعة قروسطية في أوروبا. ففي هذا الجامع كان الألوف من الطلبة يتلقون العلوم الإسلامية الأساسية، مثل التفسير والفقه والحديث، إلى جانب الأمثال العربية والشعر الجاهلي، كما تكشف حكاية عابرة يرويها ابن حزم. لقد واصل علماء قرطبة جهود علماء (بيت الحكمة) معهد الترجمة العباسي، وبذلك نقلوا ولو على عدة مراحل -غير مباشرة في الغالب- علوم الإغريق والشرق إلى الغرب، وهو عمل استمر تحت حكم المسيحيين في معهد مماثل في طليطلة.
وبرزت في قرطبة مساهمات كبرى في الموسيقى، وعلم اللغة، والجغرافيا، والتاريخ (وبخاصة أعمال ابن عبد ربه والتأريخي الذي كتب وصفاً عن قرطبة، وهو مفقود)، وكذلك في الخيمياء والكيمياء والطب (وقد عرفت أوروبا القروسطية طبيباً مشهوراً باسم أبولكاسس هو أبو القاسم الزهراوي القرطبي)، هذا إلى جانب الفلك وأقدم اسطرلاب موجود يحمل تاريخاً في العالم الإسلامي قد صُنع في قرطبة، إضافة إلى الفلسفة وعلم النبات والرياضيات.
وعلى الرغم من ذلك، كانت السلطة المتزمتة تحد من التفكير الحرّ، وبخاصة في دراسات المعتزلة والمتصوفة، وكانت أحياناً تحرق كتب المنطق والفلك وغيرها من علوم الإغريق وتنفي من يتعاطى بها من العلماء.
وقد اشتدت الرقابة على الكتب ومنعها منذ أواخر القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، عندما بدأ ذلك المنصور المتشدد في مظاهر التقوى، (ويقال إنه قد استنسخ القرآن بخط يده وكان يحمل تلك النسخة معه في الحملات). وفي هجومه على الكتب الدنيوية من معقله في المكتبة الملكية كان يعتمد على دعم رجال الدين؛ وكان دافعه حسبما يقول ابن سعيد أن يتقرب من أهل الأندلس ويثير سخطهم على ما يدعو له الحكم من مذاهب، وفي مثل هذا المحيط من التزمت الديني، لا يستغرب المرء ما يذكره ابن سعيد أن أغلب من كانوا يدرسون الفلسفة قد فقدوا حماستهم لها وأخفوا ما كانوا يعرفون من تلك العلوم.
ومما يتفق مع ذلك شهرة علماء قرطبة في التفسير والحديث؛ لأن قرطبة كانت محافظة حتى في فن الخط، فقد كان في جامعها الكبير أربع ورقات من مصحف عثمان عليها بقع من دمه.
ومما يشير إلى أهمية هذا الجامع في نظر المسلمين أن ما يقرب من ثلاثة أرباع وصف الحميري لمدينة قرطبة يدور حول بناء ذلك الجامع. ومن الواضح أن الجامع كان يمثل رمزاً بعينه من بين أشياء أخرى. وتورد إحدى المصادر الإسلامية أن مصابيح الجامع قد صنعت من أجراس غُنمت من كنيسة القديس يعقوب في كامپوستيلا (Santiago de Campostella) في شمال إسبانيا، كما استُعملت بوابات تلك الكنيسة أبواباً في الجامع الكبير، وتروى حكاية أخرى أن الأجراس قد أعادها إلى الكنيسة بعض السجناء الموريين بعد سقوط قرطبة. وكان ثمة العديد من رموز السيادة هذه، ومنها أن ألفونسو السادس ملك قشتالة نصب عرشه فوق قبر المنصور عند استقبال سفير الموريين من سرقسطة .
ازدهار الفنون والحرف
وقد استمر ازدهار الفنون والحرف؛ فقد كانت المدينة تفخر بوجود ثلاثة عشر ألف منسجاً فيها، وكانت أقمشتها الصوفية والحريرية والمقصّبة فائقة الشهرة، ومثل ذلك كانت شهرة صناعات جلود الماعز بنقوشها النافرة، وقد عرفت في بريطانيا باسم (القرطبي)، كما تدخل في اسم المشتغل بالجلد القرطبي (Cordwainer) .
وقد تخصصت قرطبة كذلك بإنتاج الحديد والرصاص، وبتخريم الذهب والفضة، المطعّمة غالباً على الطريقة الدمشقية، والواقع أن النقود الذهبية والفضية القرطبية كانت مقبولة للتداول في شمال أوروبا.
وما تزال أسماء بعض الشوارع في قرطبة حتى هذا اليوم تخلد ذكرى أنواع من التجارة والحرف التي كان يمارسها المسلمون هناك. فثمة شوارع تحمل أسماء باعة كتب أو صانعي أحذية أو نساجين أو قصابين.
وقد كانت المجوهرات والعاج المحفور تُصدر بشكل واسع، وفي قرطبة كان اكتشاف عملية صناعة البلور.
لكن حرب الاسترداد المسيحية قد طمست أغلب تلك الصناعات.





