
تحالف دعم الشرعية في اليمن يشدد على جميع القوات العسكرية من عدن
يناير 15, 2026
الجيش السوري يوسع سيطرته شرق حلب باتجاه الرقة
يناير 17, 2026د. محمود مكي
المؤرخ المتخصص في الأندلس*
كان تاريخ الثاني من كانون الثاني/ يناير سنة ١٤٩٢م، هو الذي انتهت فيه آخر دول الإسلام في الأندلس، ولكن سقوط الدولة -أي الكيان السياسي المستقل- لم يكن نهاية للوجود الإسلامي في شبه الجزيرة، فقد بقي الشعب المسلم محتفظاً بعقيدته لا في غرناطة التي أصبحت منذ ذلك التاريخ ولاية تابعة لإسبانيا الموحدة فحسب، بل كذلك في سائر أنحاء شبه الجزيرة.
فقد كان المسلمون منتشرين في البلاد كلها، ولا سيما في المناطق التي كانت إسلامية قبل سقوط غرناطة؛ بل كانت هناك جاليات مسلمة كثيرة في مناطق لم يستقر المسلمون فيها باعتبارهم فاتحين مثل نبرة وقطلونية وجليقية. وكان يطلق على هؤلاء المسلمين الذين ألفوا نسبة كبيرة من مجموع السكان اسم المدجنين (والاسم مشتق من الفعل دجن أي استكان وخضع). وكان هؤلاء المدجنون يعيشون حتى فتح غرناطة في ظل سياسة معتدلة فيها كثير من التسامح، ولا سيما أنهم كانوا هم المضطلعين بالحرف والمهن المختلفة، فكان على أكتافهم يقوم البناء الاقتصادي للبلاد إلى حد بعيد ولهذا فقد أحسن المسيحيون معاملتهم.
وعلى أيدي هؤلاء ظهر طراز جديد من الفن المعماري ينسب إليهم.. طراز يجمع بين عناصر إسلامية ومسيحية، وتوجد منه نماذج رائعة في عديد من المدن الإسبانية مثل طليطلة وتيروال وسهلة بني رزين.
إجبار المسلمين على التنصّر
غير أن هذه المعاملة الحسنة لم تلبث أن تغيرت بعد زوال مملكة غرناطة، إذ ترسخت في إسبانيا الموحدة عقيدة الوحدة الدينية بصفتها ملازمة للوحدة السياسية، أي أن مواطن الدولة الجديدة الواحدة يجب أن يكون مسيحياً كاثوليكياً، وألا يسمح لفرد أن يكون على غير دين الدولة الرسمي. ولهذا فإنه لم يكن من الغريب أن تصدر في السنة نفسها التي سقطت فيها غرناطة أولى مراسيم طرد اليهود. ثم أعقب ذلك محاولة إجبار المسلمين على التنصر، وكان ذلك نقضاً للضمانات التي منحت لهم في معاهدة تسليم غرناطة.
وأدى ذلك إلى تمردهم وثوراتهم.. وهنا وجدت السلطات الكنسية في تمردهم ذريعة لنفيهم من البلاد إذا أصروا على الاحتفاظ بعقيدتهم. وبالفعل تم طرد الآلاف من الأسر الغرناطية المسلمة إلى مختلف مدن الشمال الأفريقي في ظروف قاسية.
وقام هؤلاء بتعمير كثير من مدن المغرب وما زال كثير من نسل تلك الأسر يحتفظون بأسمائهم الإسبانية القديمة.
ومنذ أن فرض التنصر أو الطرد على هؤلاء المسلمين بدأ المسيحيون يطلقون عليهم مصطلحاً جديداً استبدل به مصطلح المدجنين القديم، وهو اسم الموريسكيين (Moriscos) (وهو تصغير قصد به التحقير للفظ (Moro) الذي كان يعني المسلم بوجه عام.
أما محاولات تنصير المسلمين أو اليهود فقد بدأت في الحقيقة قبل سقوط غرناطة، وذلك منذ أنشئ ديوان التفتيش (La Inquisición) الذي كان له الدور الأكبر في مطاردة المسلمين.
ولم يكن هذا الديوان شيئاً جديداً في أوروبا، فقد عُرف منذ أوائل القرن الثالث عشر، وكان مؤسسة تابعة للكنيسة الكاثوليكية وكانت مهمته الأولى هي تعقب المارقين والملحدين وتوقيع العقوبات عليهم؛ من إعدام وسجن مؤبد ومصادرة، كما كان من مهماته إصدار الأحكام ضد الكتب التي تعتبر محظورة من وجهة نظر العقيدة الكاثوليكية، ومنها أحكام صدرت بإحراق التلمود وبعض كتب أرسطو وغيرها من كتب الفلسفة. ثم اتسع اختصاص محاكم التفتيش فأسند إليها تعقب المتهمين بالسحر والشعوذة.
أما في إسبانيا فإن إنشاء ديوان التفتيش تم في قشتالة سنة ١٤٧٨م بفضل القس توماس دي توركيمادا Tomas de Torquemada، وأنشئت أول محكمة للتفتيش في إشبيلية سنة ١٤٨٠م وبدأت عملها بمطاردة اليهود، فقدم منهم ألوف للمحاكمة وصدرت الأحكام بإعدامهم حرقاً أو بالسجن، والغرامات والمصادرة والتجريد من الحقوق المدنية، واتسع بعد ذلك نشاط هذا الديوان، ولا سيما بعد أن صدر مرسوم بابوي بتعيين توركيمادا رئيساً للديوان أو مفتشاً عاماً (Inquisidor General) مع منحه سلطة مطلقة في وضع دستور لهذا الديوان وتنظيم أعماله، وهو ما قام به فعلاً في سنة ١٤٨٥م، وكانت إجراءات المحاكمة مشفوعة بأقسى ألوان التعذيب.
وكان من أبرز من قاموا -في ظل ديوان التفتيش- بمحاولات التنصير القهري لليهود والمسلمين الكاردينال خيمينت دي تيسنيروس، الذي وقد على غرناطة في تموز/ يوليو ١٤٩٩م، وتمكن بسياسة هي مزيج من الوعود والإرهاب من تحويل الكثيرين إلى المسيحية، كما حول كثيراً من مساجد غرناطة إلى كنائس.
ثم رأى أن الثقافة العربية تمثل خطراً على جهوده في التنصير فأمر بجمع كل ما استطاع جمعه من الكتب العربية من أهالي غرناطة وأرباضها، ونظمت منها أكداس ضخمة في ميدان باب الرملة (Plaza de Bibarrambla) وأضرم النار فيها، ويقدر بعض المؤرخين عدد هذه الكتب بنحو مائة ألف مجلد. وهو إجراء كان موضع إدانة عنيفة من النقد الغربي، بما فيه نقد المؤرخين الإسبان أنفسهم.
واتسعت جهود ديوان التفتيش بعد ذلك، فلم تقتصر على مسلمي غرناطة بل شملت المدجنين في سائر أنحاء إسبانيا، ثم انتقلت أيضاً إلى البرتغال، إذ أصدرت حكومتها في سنة ١٤٩٦م قرارات مماثلة بضرورة تنصر المسلمين في أراضيها وإلا كان عليهم أن يخرجوا من البلاد.
واستمرت سياسة اضطهاد الموريسكيين خلال حكم الملكين الكاثوليكيين حتى وفاة الملكة إيزابيل سنة ١٥٠٤ م ثم وفاة زوجها فرناندو في ١٥١٦م.
فلما ولي عرش إسبانيا حفيد هذا الملك كارلوس الأول (Carlos) أول من حكم إسبانيا بهذا الاسم ووارث عرش ألمانيا باسم شارل الخامس (شرلكان (Charles V بدت للموريسكيين بارقة من الأمل في أن تخف عنهم موجة الاضطهاد والتنكيل. وأبدى الإمبراطور كارلوس بالفعل شيئاً من اللين والتسامح خلال السنوات الأولى من حكمه، ولكن الضغط الذي مارسته العناصر الرجعية المتعصبة في الكنيسة عاد بالأحوال إلى ما كانت عليه، فصدر في ١٥٢٤م مرسوم بوجوب تنصير كل مسلم بقي على دينه وإخراج من يرفض المسيحية من إسبانيا.
وفي سنة ١٥٤١م صدر قرار يمنع الموريسكيين من التوجه إلى بلنسية وبتحريم الهجرة من الموانئ الإسبانية إلا بتصريح خاص، وكان ذلك خوفاً من اتصالهم بمسلمي المغرب أو بسفن الدولة العثمانية التي كانت تشن الغارات على الموانئ الأوروبية. ثم زادت السياسة الإسبانية تشدداً في عهد ابن الإمبراطور كارلوس وخليفته على العرش فيليب الثاني (Felipe II) (١٥٥٦م-١٥٩٨م)، فقد كان هذا الملك بطبيعته متعصباً وواقعاً تحت تأثير رجال الكنيسة الذين كانوا يرون في الموريسكيين على الرغم من تنصرهم خطراً على كيان الدولة الإسبانية التي أصبحت تعد نفسها حامية الكاثوليكية.
وكان من أخطر ما صدر في عهد فيليب الثاني من القوانين هو حظر حمل السلاح على الموريسكيين في سنة ١٥٦٣م، وشرعت السلطات في تنفيذ هذا الحظر في عنف بالغ. ثم صدر قانون آخر في أيار/ مايو ١٥٦٦م بتحريم استعمال اللغة العربية وإقامة الحفلات الغنائية التي تدعى مجالس الزمر (Zambras) على طريقتهم المعتادة. وكان ذلك آخر ما بقي لهذا الشعب من مظاهر تمسكه بما بقي له من سمات تراثه القومي. ولم يكن هذا المرسوم جديداً تماماً إذ إنه سبق أن صدر قانون مماثل في عهد كارلوس الأول سنة ١٥٢٦م، غير أن الموريسكيين التمسوا تأجيل تنفيذه لمدة أربعين عاماً، فأجيبوا إلى طلبهم في مقابل دفع ضريبة إضافية باهظة وتشدد ديوان التفتيش في تطبيق المرسوم الجديد إلى أبعد حد، وقررت السلطات إلى جانب ذلك تدمير الحمامات العربية التي كانت مثاراً للتشكك في احتفاظ الموريسكيين بعقيدتهم الإسلامية بالرغم من تنصرهم الظاهري. وحاول الموريسكيون الغرناطيون والبلنسيون تأجيل تنفيذ هذا القانون، ولكن مطالبهم رفضت .
وحينما بلغ اليأس بهذا الشعب منتهاه بدأ التذمر يسري في صفوفهم، وشرع الموريسكيون الغرناطيون في إعداد العدة للثورة. وفي كانون الأول/ ديسمبر سنة ١٥٦٨م اندلعت الثورة بعد إعداد محكم تم في سرية مطلقة. واختار الثوار لقيادتهم أميراً يدعى فرناندو دي كوردوبا إي فالور (Fernando, de Cordoba y Valor) وكان ينتسب إلى بني أمية أمراء الأندلس وخلفائها منذ قرون، واسترجع هذا الأمير اسمه القديم الذي يذكر بأصله، فدعا نفسه ابن أمية (Abenumeya)، ولجأ مع أنصاره إلى جبال البشرات الوعرة (Las Alpujarras) وبعث برسله إلى الموريسكيين في سائر أنحاء غرناطة يدعوهم إلى خلع الطاعة والعودة الصريحة لدينهم القديم. وانتشرت الثورة في سائر أنحاء غرناطة والمرية وبسطة ووادي آش.
ولم يتمكن حاكم غرناطة المركيز دي مونديخر (El Marques de Mondejar) من إخماد الثورة على الرغم من مقتل ابن أمية على أثر مؤامرة دُبرت له. إذ اختار الثوار لقيادتهم ابن عم له يدعى ابن عبو Abenaboo واسمه الإسباني ديجو لوبث (Diego Lopez)، ودعا هذا الزعيم نفسه عبد الله محمداً. واستفحلت الثورة، ولا سيما بعد استيلاء الثوار على أرجية (Orgiva) التي كانت مفتاح غرناطة في تشرين الأول/ أكتوبر ١٥٦٩م. وهنا قرر الملك فيليب الثاني أن يبعث بأكفأ قواده وهو أخوه دون خوان لمعالجة الوضع المتفاقم. وتمكن هذا من القضاء على الثورة بعد معارك عنيفة كانت في الحقيقة مذابح مروعة في ما بين شباط/ فبراير وأيار/ مايو ١٥٧٠م.
وفي آذار/ مارس ١٥٧١م سقط القائد عبد الله محمد قتيلاً بعد أن أبلى في القتال أشد البلاء. وعلى أثر إخماد الثورة أصدر الملك قراراً في ۲۸ تشرين الأول/ أكتوبر ١٥٧١ بنفي الموريسكيين من غرناطة وتفريقهم في أنحاء البلاد ومصادرة أملاكهم. وهكذا سُحقت ثورة الموريسكيين الأخيرة بعد أن أقضت مضاجع السلطات الإسبانية ثلاث سنوات كاملة .
وازداد على إثر ذلك نشاط ديوان التفتيش في تعقب الموريسكيين، وكانت أحكام الإعدام الجماعي تصدر عليهم بعد محاكمات شكلية، وكان موريسكيو بلنسية ومنطقتها هم هدف هذه المحاكمات، إذ كانوا يؤلفون مجتمعاً متماسكاً غنياً. وكانت السلطات ترى خطراً كبيراً في اتصالهم بالحملات التي كان يشنها المغامرون البحريون الأتراك والجزائريون على سواحل إسبانيا الشرقية والجنوبية منذ أوائل القرن السادس عشر، وكان من أشهر هؤلاء الأخوان عروج وخير الدين المعروفان بلقبهما بارباروسا (Barbarrosa) أي ذي اللحية الحمراء. وقد قدر عدد الغارات التي وقعت على الشواطئ الإسبانية في ما بين سنتي ١٥٢٨م و ١٥٨٤م بثلاث وثلاثين غارة. وفي إحدى هذه الغارات أسر الكاتب الإسباني الكبير ميخيل دي سرفانتس سافيدرا، مؤلف رواية دون کیشوت، وقضى في الأسر نحو خمس سنوات في مدينة الجزائر (بين ١٥٧٥م و١٥٨٠م)، وصور لنا في هذه الرواية نفسها وفي إحدى مسرحياته حياة هؤلاء السجناء من أسرى الإسبان.
وزاد إحساس الساسة الإسبان بالخطر من الموريسكيين بصفة خاصة بعد الأحداث الواقعة في السنوات الأولى من القرن السابع عشر .
كان فيليب الثاني قد تُوفي سنة ١٥٩٨م وخلفه على العرش ابنه فيليب الثالث، وكان ملكاً صغير السن ضعيف الشخصية واقعاً تحت تأثير رجال الكنيسة ونفوذ وزيره الدوق دي ليرما، وكان هذا بدوره من أشد أنصار فكرة التخلص من الموريسكيين. وقد طرحت مشروعات عديدة لذلك، كان من بينها الإبادة الجماعية لهم. وفي هذه الأثناء حدث أن توفي سلطان المغرب أحمد المنصور سنة ١٦٠٣م وعلى أثر موته اشتعلت الحرب الأهلية بين أبنائه الثلاثة: أبي عبد الله المأمون المعروف بالشيخ، وأبي فارس الواثق بالله، ومولاي زيدان. واستمرت هذه الحرب خمس سنوات لجأ خلالها الشيخ إلى إسبانيا مستغيثاً بفيليب الثالث ومتعهداً بأن يقدم له ثغر العرائش نظير معاونته على استرداد عرشه. وفي مقابل ذلك عرض الموريسكيون في بلنسية وشرق الأندلس على خصمه مولاي زيدان أن يقوم بغزو إسبانيا على أن يعاونوه بآلاف من المقاتلين.
وسارع فيليب لانتهاز الفرصة فأرسل قواته لمعاونة الشيخ فاستولت على العرائش وعاثت في شمال المغرب. غير أن لجوء الشيخ إلى ملك إسبانيا أثار موجة من السخط ضده، فلم يلبث أن قتله بعض زعماء قبيلة غمارة المغربية في سنة ١٦١٣م، وتوطد بذلك مركز السلطان مولاي زيدان، وكان اتهام الموريسكيين بمداخلتهم سراً وتحريضهم له على غزو إسبانيا هو الذريعة لنفي الموريسكيين عقاباً لهم على ذلك.
وفي كانون الثاني/ يناير ١٦١٩م بحث مجلس الدولة مشكلة الموريسكيين لآخر مرة. وقدم تقريره بوجوب نفي الموريسكيين لأسباب دينية وسياسية أهمها تعرض إسبانيا لخطر الغزو من المغرب. وفي ١٥ أيلول/ سبتمبر ١٦٠٩م صدر قرار النفي من أرض قشتالة، وكان أول ما طبق في بلنسية وأعمالها ابتداء من أول تشرين الأول/ أكتوبر من السنة نفسها، وخرجت أول دفعة منهم من ثغر دانية والثغور القريبة منها، وكان عددهم نحو ثمانية وعشرين ألفاً حملتهم السفن إلى وهران ثم نقلوا إلى تلمسان. وتعددت الرحلات بعد ذلك من بلنسية ولقنت وغيرهما.
وفي غرناطة صدر قرار النفي في ۱۲ كانون الثاني/ يناير ١٦١٠م، وفي قطلونية وأراغون في أيار/ مايو ١٦١٠م، وفي إشبيلية وإكسترامادورا (المنطقة الغربية) وفي مرسية في ١٦١٤م.
وظلت السفن شهوراً بل أعواماً تحمل آلافاً من أفراد الشعب الموريسكي، فتلقي بهم على سواحل الشمال الإفريقي ومصر ومختلف بلاد الدولة العثمانية وبعض موانئ الدول الأوروبية. أما عدد الموريسكيين المطرودين فلا يُعرف على وجه التحديد، ويختلف المؤرخون في تقدير هذا العدد بين ثلاثمائة ألف وثلاثة ملايين. وربما كان العدد الأقرب إلى المعقول ما بين ستمائة ألف إلى مليون.
وبنفي هذه الجموع من الموريسكيين تكون قد طويت آخر صفحات الوجود الإسلامي في إسبانيا .
وإذا كانت حياة هذا الشعب الموريسكي قد خُتمت بهذه النهاية المأساوية فإن الطرد لم يكن فيه حل لمشكلات إسبانيا كما كان ساستها يتوقعون. وكان هؤلاء الساسة منذ سقوط غرناطة سنة ١٤٩٢م ينظرون إلى مستقبل البلاد نظرة يملؤها التفاؤل، ولا سيما وأنه لم تمضِ على نهاية الدولة الإسلامية في الأندلس عشرة شهور حتى تم كشف العالم الجديد في ١٢ تشرين الأول/ أكتوبر من السنة نفسها، وبدأ منذ هذا التاريخ استعمار القارة الأمريكية بكل ما تضمه من ثروات هائلة.
ثم لم تمضِ سنوات حتى كانت إسبانيا تتحول في ظل كارلوس الأول (شرلكان) وارث العرش الألماني إلى أكبر إمبراطورية في الغرب المسيحي، فقد كانت تبسط سلطانها على نحو نصف أوروبا وعلى معظم القارة الأمريكية، بل امتدت سيطرتها إلى كثير من السواحل الإفريقية وإلى بعض البلاد الآسيوية مثل الفلبين التي احتلها الإسبان في سنة ١٥٨٠م.
وهكذا أصبحت إسبانيا امبراطورية لا تغيب عنها الشمس. وأدى ذلك بالساسة الإسبان ورجال الكنيسة -وكانت لهم هيمنة على السياسة- إلى الاستهانة بمسألة طرد بقية الشعب المسلم؛ بل اعتبروا ذلك أعظم ما يمكن أن يقوموا به من منجزات في سبيل الدين والوطن. وغاب عن هؤلاء أن الموريسكيين كانوا عماد الاقتصاد الإسباني، فقد كانوا هم المشتغلين بالمهن والحرف من زراعة وصناعات وتجارة وفنون، وهذا ما جعل الكثيرين من النبلاء الإقطاعيين يعارضون دائماً قوانين الطرد المتوالية ويتوسلون بنفوذهم إلى تأجيل تطبيقها، إذ كانوا في أمس الحاجة إليهم.
ولهذا فقد كان لقرار الطرد أسوأ الآثار الاجتماعية والاقتصادية على إسبانيا، ولم تعوضها عن تلك الخسائر الثروات والغنائم التي ظفرت بها من مستعمراتها في العالم الجديد، على أن هذه الحقيقة التي يعترف بها كثير من الباحثين الأوروبيين المحدثين ومن الإسبان أنفسهم كثيراً ما ينكرها باحثون آخرون، وبخاصة من رجال الدين الذين يقولون إن كل ذلك أمر هين في مقابل تحقيق إسبانيا لوحدتها الدينية التي كانت في تلك العصور ركيزة للوحدة السياسية والاجتماعية.
كذلك لا يمكن أن ينسب ما أصاب إسبانيا من خراب خلال أواخر القرن السابع عشر وعلى طول القرن التالي إلى طرد الموريسكيين باعتباره العامل الوحيد، فقد تعاونت على ذلك الخراب عوامل أخرى منها الحروب المتصلة التي خاضتها إسبانيا ضد الخلافة العثمانية والدول الأوروبية، وما كانت تعنيه هذه الحروب من نزيف اقتصادي مستمر، ومنها سوء إدارة المستعمرات الجديدة، وما أدى إليه اكتشاف العالم الجديد من احتقار الإسباني للعمل اليدوي والرغبة في الهجرة من أجل الإثراء السريع بأقل جهد ممكن.
وأخيراً أدت العصبية الدينية التي هيجها طرد بقايا الشعب المسلم إلى أن يعتقد الإسباني أنه يكفيه كونه حامي حمى الدين الحقيقي الوحيد، ولذلك فقد كان عازفاً عن مشاركة سائر الأوروبيين في البحث العلمي والنهضة الفكرية التي كانت أساس تقدم أوروبا العظيم في العصور التالية.





