
أبو بكر وانطلاقة الفتوح الإسلامية
ديسمبر 19, 2025
فتح الأراضي المقدسة ووفاة أبي بكر
ديسمبر 19, 2025جون جلوب القائد العسكري البريطاني الشهير*
عندما ظهر النبي صبيحة يوم وفاته مبتسماً مشرق الوجه وقت أداء صلاة الفجر، اعتقد أبو بكر أنه قد تعافى من سقامه وطلب منه أن يسمح له بقضاء يومه ذاك في واحة بعيدة. وهكذا كان عمر بن الخطاب أول صحابي بارز وصل إلى جانب فراش النبي فرفع الغطاء عن وجهه وتطلع إلى وجه نبيه. وكان عمر قد قضى سنوات طويلة وهو يحب محمداً حباً شديداً. ولذا فقد عجز تفكيره للوهلة الأولى عن تقبل فكرة وفاته.
وراح يسرع بالخروج من حجرة عائشة إلى باحة المسجد حيث اجتمع القوم ليعلن لهم بصوته الجهوري أن محمداً لم يمت. وراح يقول: أوَلم يقضِ موسى أربعين يوماً في الصحراء مع ربه على الجبل بينما ظن بنو إسرائيل أنه قد مات؟ وعاد يؤكد أن: محمداً سيعود فيقطع أيدي من قالوا بموته وأرجلهم. وظل عمر وهو متأثر بالصدمة التي أصابته يردد هذه الأقوال المتحمسة باستمرار.
ووصل أبو بكر وهذا المنظر المحموم في عنفوانه ومضى يعبر فناء المسجد حيث كان عمر يخطب الناس متجهاً إلى غرفة عائشة وركع إلى جوار نبيه المتوفى ورفع الغطاء عن وجهه النبيل وقبله.. وعندما تأكد من أن النبي قد انتقل إلى الرفيق الأعلى أعاد الغطاء إلى وجهه وخرج إلى الفناء المكتظ بالناس. ولما رأى أن عمر يرفض أن يصمت، مضى أبو بكر إلى ناحية من الفناء وأخذ يخطب في بعض الناس قائلاً: “أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت”، ثم راح يتلو الآية الكريمة: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144]، وأعادت كلمات أبي بكر الهادئة الرصينة عمر إلى صوابه ونفذت الحقيقة المؤلمة إلى تفكيره أول مرة فأغرق في صمت عميق.
ولم يكد هذا المنظر العنيف ينتهي حتى جاء رجل إلى أبي بكر سراعاً يقول له إن الأنصار من أهل المدينة قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، وإنهم يفكرون في اختيار سعد بن عبادة زعيم الخزرج خليفة للنبي، ولم تكن قد انقضت ساعة على وفاة النبي، حتى كاد الصراع على السلطان يهدد بشطر المسلمين إلى فئات وشِيَع. وأسرع أبو بكر الهادئ وعمر الحاد المزاج إلى السقيفة ليواجها التحدي الجديد. ورافقهما أبو عبيدة بن الجراح الرقيق الطبع والواسع الحكمة، وهو من الصحابة الأوائل الذين سنسمع عنهم كثيراً فيما بعد.
وكان الأنصار قبل نحو من عشر سنوات قد رحبوا بالنبي الذي اضطهده قومه في مدينتهم، وقدموا له النصرة التي حمته من عشيرته، ولكنه ما لبث أن تقوى سلطانه واتسعت شهرته وأخذ اعتماده على صحابته من قریش یزداد يوماً بعد آخر. ووجد الأنصار أنهم بعد أن كانوا حماة الإسلام والمسلمين قد انقلبوا فجأة إلى مركز ثانوي في مدينتهم ولكنهم لم يجهروا بأي نقد في حياة النبي، فلما سمعوا بوفاته قرر الأوس والخزرج أن يخلعوا عنهم سلطان قريش قائلين: “منا أمير ومنهم أمير ولن نرضى دون هذا”.
ورأى أبو بكر الرجل الوديع الهاديء الذي أثقلت سنواته الستون ظهره أنه يواجه أزمة من أخطر الأزمات التي تهدد المجتمع الإسلامي بالفوضى، وقد واجهها بمنتهى الهدوء والوقار فقال: “يا معشر الأنصار أما بعد، فما ذكرتم فيكم من خير فأنتم أهله ولم تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش”.
وارتفع صوت يقول: “لا..لا.. هذا لا يجوز منا أمير ومنكم أمير..” وساد السقيفة هرج ومرج وأصبحت القضية معلقة في كفة القدر وازدادت الفوضى.
وردّ أبو بكر قائلاً بكل تصميم: “لا.. لا.. نحن أوسط العرب نسباً وداراً.. نحن الأمراء وأنتم الوزراء وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم” وأشار إلى رفيقيه عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح.
وقال عمر: “لا والله لا نتولى هذا الأمر عليك. يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر.. لا والله إنك أفضل المهاجرين وثاني اثنين إذ هما في الغار. أبسط يدك لنبايعك”. ومدّ عمر يده إليه فبايعه.
وبينما كان هذا الاجتماع الصاخب قائماً كان هناك نفر آخر من المسلمين وبينهم بعض المكيين قد انضموا إلى الاجتماع، وقد سارعوا بعد سماع كلام عمر إلى السير على منواله، وليس ثمة من ريب في أن أبا بكر بما عُرف عنه من ولاء للنبي ومن بساطة في طبيعته كان موضع الثقة من الجميع، وسرعان ما تحولت عواطف المجتمعين كلهم إلى جانبه وهب الأنصار أنفسهم يبايعونه. وهكذا انتهت الأزمة ولكنها كانت أزمة خطيرة حقاً.
ولم يحضر علي بن أبي طالب أقرب الناس إلى النبي وصهره وابن عمه هذا الاجتماع، إذ تخلف في حجرة عائشة يعد جثمان النبي لدفنه، ويزعم بعض مؤرخي العرب أن علياً لم يرض عن استخلاف أبي بكر إذ أنه كان يبغي الخلافة لنفسه. وقد تأخر عن البيعة ستة أشهر ومعه بعض بني هاشم. ولم يكن أبو بكر ينتمى إلى أي من البيتين المتنافسين من قريش وهما بنو هاشم وبنو أمية وإنما إلى بطن آخر أقل أهمية من بطون قريش.
وثار خلاف حول المكان الذي يُدفن فيه الرسول إلى أن أصدر أبو بكر أمره بدفنه في المكان الذي تُوفي فيه، أي في حجرة عائشة.
وكان محمد قد غدا في السنتين الأخيرتين أو السنوات الثلاث الأخيرة من حياته أبرز رجل في شبه الجزيرة العربية كلها، ولكنه ظل بعيداً عن أن يصبح حاكماً بالمعنى الصحيح للكلمة، فلقد ظل ولاء الفرد العربي لعشيرته وقبيلته قبل ولائه لأي شيء آخر. ولم تكن الجزيرة العربية ولا الحجاز أيضاً قد عرفتا بعد نظام الحكومة التي تقوم فوق القبائل.
وقد ترغم قبيلة من القبائل على الطاعة اسماً لجار قوي لمدة سنة أو سنتين ولكن القبائل العربية لم تكن لترغب في أن تتخلى عن سيادتها لهذا النظام الجديد، وحري بنا أن نذكر هنا أن المسلمين ظلوا يواصلون الإغارة على القبائل العربية طيلة حياة النبي. وقد قاد الرسول نفسه في غزوة تبوك عدة ألوف من المحاربين ولم يكن في وسع أية قبيلة بدوية ألفت حياة التنقل في الصحراء بحثاً عن المرعى أن تحشد بصورة عملية مثل هذا العدد الضخم من المحاربين للقتال. والبدوي عمليّ ويعرف ما يتحتم عليه أن يعمله وما لا يتحتم. وكان من الأسهل على القبائل البدوية في مثل هذه الظروف التي وجدت نفسها فيها أن توفد بعوثها إلى المدينة للوصول إلى تفاهم مع المسلمين. ولم تكن الشروط التي يفرضها النبي ثقيلة أو صارمة فعلى العربي أولاً أن ينطق بالشهادتين.
وكان معظم القبائل يدين بالوثنية وكان البعض منها يدين اسماً بالنصرانية، ويبدو أنهم لم يكونوا ينظرون إلى النصرانية نظرة جدية إذ أنها كما يبدو لم تفلح في تغيير عاداتهم التي نشئوا عليها منذ أقدم عصور التاريخ وفي مقدمتها الغزو والنهب والشعر والثأر.
ولم يكن مثل هؤلاء الناس ليجدوا أية مشقة في تكرار الشهادتين، لكن الصعوبة الحقيقية مثلت أمامهم في الضريبة التي فرضها عليهم النبي وهي الزكاة. فالقبائل شديدة التعلق باستقلالها والزكاة لا تعني بالنسبة إلى البدوي مجرد عبء مادي بل تعنى أيضاً الخضوع وهو ما يحس البدوي بمرارته، فليس للبدوي من هدف في حياته إلا الأمجاد التي لا تتحقق له إلا في الغزو والنهب، وإلا أعمال الجود والكرم الخيالية وكلها يخلدها البدوي في شعره. ولقد كان عصر الجاهلية أشبه ما يكون بعصر هوميروس في شعره وفي تفاخره. وكان في وسع أبي بكر أن يزهو بأن قريشاً هي “أوسط العرب حسباً ونسباً”، ولكن البدوي لم يكن ليرى في قريش إلا جماعة من سكان المدن أي من التجار.
وإذا ما استثنينا فرض الشهادتين ودفع الزكاة فإن النبي لم يكن في الواقع قد استطاع أن يحكم العرب حكماً دنيوياً فعلياً؛ فلم تكن لديه حكومة أو موظفون أو شرطة أو سجلات. وكان إذا ما أراد القيام بغزوة أو غارة.. دعا المسلمين إلى القتال. وكان جزاء المحارب حصة في اقتسام الغنائم. وهكذا كان شيوخ القبائل يعودون من زياراتهم إلى المدينة دون أن يفقدوا شيئاً من استقلالهم، ومع ذلك فقد كان بدو الحجاز ونجد قد باتوا إلى حد كبير تحت تأثير المسلمين. أما في المناطق النائية في عمان وحضرموت واليمن فإن النبي لم يمارس أية سلطة دنيوية فعلية أو مارس مجرد سلطة ضئيلة.
عهد الردة
ولم يكد نبأ وفاة النبي ينتشر في أطراف الجزيرة العربية حتى كانت غالبية القبائل قد حزمت أمرها على وقف دفع الزكاة، وقد عُرفت هذه الحركة في التاريخ الإسلامي بعهد الردة. لكن الواقع على أي حال أن من المشكوك فيه أن تكون نسبة من اعتنق الإسلام من أهل الجزيرة العربية كبيرة، فلقد فرضت شخصية محمد على العرب الإعجاب والإجلال والمهابة. أما وقد انتقل محمد إلى الرفيق الأعلى فقد خيل للقبائل أن هذا الحدث قد انتهى وأن في وسعها أن تعود إلى حياتها في الجاهلية.
وسبق لنا أن ذكرنا أن جيش أسامة بن زيد ابن النبي بالتبني كان قد تأهب للخروج إلى حدود الروم للثأر من مؤتة. وكان وضع أهل الردة من الخطورة كبيراً بحيث حمل حتى عمر صاحب المزاج المتحمس على أن يوجه النصح إلى أبي بكر بالعدول عن إيفاد جيش أسامة، وأن يحشد قوات المسلمين في المدينة لمواجهة جميع التطورات. ولكن هذا الإنسان الهادئ الوادع ظهر الآن فجأة بمظهر صاحب العزيمة الصادقة والتصميم المطلق إذ رد على عمر قائلاً: “عدمتك أمك وثكلتك يا ابن الخطاب! استعمله رسول الله ﷺ وتأمرني أن أنزعه”.
وخرج أسامة من المدينة بجيشه فخلت من المحاربين وأحاطتها القبائل المعادية من كل جانب. وخرج أبو بكر نفسه إلى ظاهر المدينة إلى المكان الذي يرابط فيه جيش أسامة على بعد عدة أميال منها لوداع الجيش وسار إلى جانب أسامه يتحدث إليه.. وهتف القائد الشاب بالخليفة: “إما أن تركب أو أنزل إلى جانبك”، فرد الخليفة المهيب بإصرار قائلاً: “لا، لن أركب. فسأسير في طاعة الله”، ثم أوصى جيش أسامة وودعه وعاد إلى المدينة.
وفي غضون ذلك أخذ خطر جديد يبرز ماثلاً يهدد المدينة؛ فقد استفز ما وصل إليه محمد من سلطان عن طريق النبوة عدداً من الأعراب على ادعاء النبوة، وقام طلحة شيخ قبيلة بني أسد الوافرة العدد والمرابطة فيما يسمى اليوم بجبل شمر في شمال نجد بادعائها. وقد تحول اسم طلحة في التاريخ الإسلامي إلى طُليحة استصغاراً لشأنه لأنه ادعى النبوة لنفسه. وإلى الشرق من ذلك المكان قام دعي آخر للنبوة اسمه مسلمة. أطلق عليه المسلمون أيضاً اسم مُسيلمة تصغيراً له. وجاءت الأنباء في الوقت نفسه من كل مكان من أطراف الجزيرة العربية تقول إن الموت على أيدي الأعراب كان مصير معظم جباة الزكاة الذين كان النبي قد أوفدهم قبل وفاته للجباية، وإن بعضهم نجا من هذا المصير بأعجوبة.
وقد اكتفت القبائل البعيدة عن المدينة بطرد الجباة أما القبائل القريبة منها فقد خافت هجوم المسلمين، إذا لم تبادر هي إلى مهاجمتهم. ويبدو أن قبيلتي عبس وذبيان وكانتا تقيمان إلى الشمال من المدينة كانتا أول من سارع إلى العمل إذ حشدتا رجالهما في مكان يدعى ذي القَصة ويقع على بعد ثلاثين ميلاً إلى الشرق من المدينة. وبعثتا بالرسل إلى أبي بكر يعرضون الدخول في الإسلام شريطة إلغاء الزكاة. ولو كان أبو بكر من الساسة الماكرين لقبل العرض أملاً في كسب الوقت حتى يعود جيش أسامة من حملته في الشمال، ولكن أبا بكر أعاد الرسل قائلاً: “والله لو منعونى عقالاً أو عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها”.
ولم تمضِ أيام ثلاثة حتى كان بعض البدو يغيرون على مشارف المدينة، ولكن القلة من محاربي المسلمين الباقين في المدينة تمكنت من صدهم وتشتيت شملهم. وبدا أن الخليفة الهادئ الوديع قد انقلب إلى أسد مُزير. فقد سارع يحشد كل رجل يمكن له أن يحشده ويستطيع أن يحمل السلاح وخرج بقوته في ظلمة الليل من المدينة ليداهم بها معسكر الأعداء في ذي القصة عند الفجر، وعلى الرغم من أن البدو كانوا يقضون حياتهم في الحروب المستمرة إلا أنهم كانوا يفتقرون إلى النظام العسكري أو إلى الحيوية اللذين يفرضان عليهم أن يضعوا الحرس والأرصاد خارج مخيماتهم. وهكذا كان الهجوم مباغتاً لهم كل البغتة وسرعان ما ساد الاضطراب صفوف البدو ففروا لا يلوون على شيء من موقعهم ليضيعوا في بطن الصحراء، وبدا أن عنصراً جديداً قد أدخل على مألوف العرب في الحرب وهو عنصر الحيوية والاندفاع الصارم.
وعاد أسامة على رأس حملته في سبتمبر (أيلول) عام 632 بعد غياب شهرين عن المدينة يسوق قطعاناً من الإبل والأغنام التي غنمها المسلمون، وإن كانت التفاصيل التي وصلت إلينا عن العمليات الحربية التي قام بها قليلة للغاية، ويبدو أنه أغار على قبائل البدو لا على قوات الروم. ولم يكد الخليفة الذي لا يكل ولا يمل برغم بلوغه الستين من عمره يشعر بالاطمئنان على المدينة حتى راح يقود قواته متجاوزاً بها ذي القصة ليهاجم عبساً وذبيان من جديد، وقد رابطتا على بعد ثلاثين ميلاً إلى الشرق مُنزلاً بهما هزيمة جديدة.
ومما يذكر أن عدداً كبيراً من المسلمين أتوا أبا بكر يناشدونه ألا يعرض نفسه قائلين: “إنك إن تُصَب لم يكن للناس نظام، ومقامك أشد على العدو فابعث رجلاً فإن أصيب بعثت بآخر”، فقال: “والله لا أفعل ولأواسينكم بنفسي”.
ويقول المؤرخون العرب إن أبا بكر حشد بعد رجوع جيش أسامة إحدى عشرة سرية تعمل كل منها وفى الوقت نفسه في جهة من الجهات لكفاح المرتدين، لكن إذا صح ما قيل وأن هذه الفكرة قد جالت في خاطر الخليفة فإنه لم يقُم بتنفيذها على أي حال، فقد اتبع الخليفة الطريق المعقول الصحيح وتمكن من إخضاع القبائل الثائرة واحدة بعد أخرى.
وكان المنهزمون من عبس وذبيان قد تراجعوا شرقاً في غضون ذلك وانضموا إلى طليحة النبي الكذاب في جماعته من بني أسد، وحشد أبو بكر كل ما أمكنه جمعه من محاربي المسلمين وأقام لهم معسكراً في ذي القصة.
ووجه أبو بكر في غضون ذلك رسالة إلى المرتدين والعصاة قال فيها بعد أن بدأها باسم الله وذكر الرسالة والوفاة وبعد أن ذكر قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: 90]، راح يقول: “وقد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالإسلام وعمل به، اغتراراً بالله وجهالة بأمره وإجابة للشيطان”. ثم قال إنه قد بعث إليهم بجيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان وإنه قد أمره بألا يقاتل أحداً ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله، فمن استجاب له وأقر وكف وعمل صالحاً قبل منه وأعانه عليه، ومن أبَى فقد أمره أن يقاتله على ذلك ثم لا يبقي على أحد منهم قدر عليه وأن يحرقهم بالنار ويقتلهم شر قتلة، وأن يسبي النساء والذراري ولا يقبل من أحد إلا الإسلام.
ووكل أبو بكر أمر القيادة العامة إلى خالد بن الوليد أكثر محاربي المسلمين دراية بشئون الحرب والذي حقق لقريش نصرها في أحد وحقق للمسلمين انسحابهم الناجح في مؤتة.
وهنا لا بد من أن نبيّن المفارقة بين أسلوب أبي بكر وأسلوب النبي في الحرب؛ فقد عهد النبي قبيل وفاته بقيادة الحملة إلى الشمال إلى أسامة بن زيد الذي لم يتجاوز العشرين من عمره، رغبة منه في أن يثار الولد لأبيه الذي استشهد في مؤتة والذي كان النبي قد رباه… وكان خالد بن الوليد قد اشترك في جيش أسامة كجندي عادي في صفوف المحاربين ولكنه ما كاد يعود، ويصبح أبو بكر حراً في اتخاذ قراراته، حتى عهد إلى أكثر قادته العسكريين تجربة ودراية بتولي قيادة قواته الرئيسية.
وسار خالد من ذي القصة على رأس جيش قوامه نحو من أربعة آلاف جندى إلى نجد، بعد أن وافق أبو بكر أخيراً على العودة إلى المدينة، وتقدم خالد يطلب محاربة طليحة وقومه من بني أسد الذين احتشدوا في بزاخة، وهو ماء لقبيلة طيء بأرض نجد. وكانت قبيلة طيء قد انضمت إلى طليحة في عصيانه، فلما علمت بمسيرة خالد إليها جاءته مستسلمة، وهذه القبيلة هي التي اشتهر أمرها في الجاهلية بكرم شيخها حاتم الذي أصبح مضرب الأمثال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جون باجوت جلوب، الفتوحات العربية الكبرى، تعريب وتعليق: خيري حماد، (القاهرة: الدار القومية للطباعة والنشر، 1963م)، ص159 وما بعدها.





