
معالم إنقاذ الأمة كما علّمنا الصدّيق
ديسمبر 18, 2025
الأيام الأولى لأبي بكر في الخلافة
ديسمبر 19, 2025فيليب حِتّي*
مؤرخ أمريكي من أصل لبناني ومن كبار المستشرقين
وأبو بكر الصديق تولّى الخلافة عام (632م إلى 634)؛ فهو الخليفة الأول في الإسلام ورأس الخلفاء الراشدين الأربعة، وقد تلاه عمر بن الخطاب (634-644)؛ فعثمان بن عفان (644-656) فعلي بن أبي طالب (656-661).
وكان عصر هؤلاء الخلفاء الأربعة عصر شظف في العيش وخشونة وتقلل في المطعم والملبس؛ لقرب العهد بسيرة الرسول وما نسجته تلك السيرة للمؤمنين من مُثل عليا في البر والتقوى والبساطة التي لم تكن الأيام قد درستها بعد. فانطبعت أخلاق الخلفاء الراشدين بطابع الرسول الشخصي، وحسبك أن كلاً منهم كانت تربطه بالرسول عُرَى الصداقة والقربى، واستقرت ولايتهم في المدينة وهي حافلة بذكريات أيام الرسول الأخيرة، إلا علياً فإنه اختار الكوفة بالعراق فجعلها عاصمة له.
الجزيرة تتوحد
وكانت خلافة أبي بكر قصيرة الأمد شغلته فيها حروب الردة. ولقد سلكت مدونات العرب التاريخية مسلكاً واحداً في العرض لهذه الحروب؛ فذهبت إلى أن الجزيرة بأسرها أذعنت للإسلام ودانت للرسول في أيام حياته، حتى إذا ما أدركته الوفاة قامت قيامة الأعراب وارتدوا فيما خلا الحجاز، وتبعوا نفراً من الأنبياء الكذبة الذين ظهروا عندئذ. والواقع أن خطوط الاتصال بين أنحاء الجزيرة كانت يومئذ صعبة قليلة ووسائل نشر الدين وبث دعوته ضعيفة، ولم يكن الزمن لاكتساب الاتباع قد اتسع بحيث لم يكن من المستطاع بالفعل أن يدخل الإسلام في حياة الرسول أكثر من ثلث سكان الجزيرة.
ويجب أن لا ننسى أن الحجاز وهو القُطر الذي وُلد الإسلام فيه لم يعمّه هذا الدين إلا قبل موت الرسول بسنة أو سنتين. أما الوفود التي قيل إنها قصدت النبي لتقديم الطاعة والإقرار بولايته؛ فلا يسوغ البت في أنها كانت تنوب عن كل أنحاء الجزيرة. وإذا أسلمت القبيلة يومئذ فلم يكن في الأمر سوى أن زعماءها دخلوا في الدين. وكانت بعض هذه القبائل المسلمة في اليمن واليمامة وعمان قد تهاونت في مسألة الزكاة واستنكرت بعثها إلى المدينة. وجاء موت الرسول حافزاً لها على الخروج.
ولا يستبعد أن تَشوُّف العاصمة الحجازية للسيادة حرّكت كوامن الغيرة والحسد في أوساط الجزيرة؛ فتجلّت النزعات الفردية والعصبيات الإقليمية التي طُبع عليها العربي.
ومع ذلك فقد أصر أبو بكر على طلب الإذعان من المرتدين والتسليم بلا قيد أو شرط وإلا فالحرب حتى الدمار. ولم يمض إلا زهاء ستة أشهر حتى تمكن الإسلام بقيادة خالد بن الوليد من إخضاع قبائل الجزيرة الوسطى وحملها على تقديم الطاعة. فخالد هو بطل هذه الحروب.
وكانت أول قبيلة أخضعها هي طيء، ثم أسد وغطفان، وكان فيها نبي لقبه المسلمون بطليحة الكذاب. ثم فاز جند المسلمين على بني حنيفة من اهل اليمامة وقد اجتمعوا تحت راية نبي لهم ذكرته الأخبار العربية باسم مُسيلِمة بصيغة التصغير تحقيراً له واستهزاء به، وكان مسيلمة هذا قد أبدى أعظم مقاومة للإسلام؛ فقد وحّد صفوفه وعقد حلفاً دينياً دنيوياً مع سَجاح، وهي امرأة نصرانية -فيما رووا- ادّعت النبوة وتعاطت العرافة فتبعتها تميم، ثم تزوج منها وسار فيما يقال بأربعين ألف مقاتل؛ فانتصر على جيشين من جيوش المسلمين، فوافاه خالد وواقعه ولم ينثنِ إلا والنصر في جانبه.
بيد أن الغلبة لم تتم للمسلمين دون استشهاد عدد من حفاظ القرآن، خُشي بعد موتهم على الكتاب الكريم من الضياع. ولقد سيّرت المدينة حملات عسكرية بإمرة قواد آخرين تم لهم من النصر حظوظ متفاوتة.. منها ما أنفذ إلى البحرين وعمان وحضرموت واليمن؛ حيث كان الأسود العنسي قد ادعى النبوة ودعا قومه فآمنوا بنبوته.
إذن لم تكن حروب الردة في الواقع حروباً يقصد بها إخماد ثورة قام بها المرتدون وكبْح جماح الثائرين على الإسلام ممن اتخذه ديناً -كما توهم مؤرخو العرب- بل هي في الحقيقة حملات قُصد بها: إخضاع أعداء ما عَرفوا الإسلام ولا قبلوا رسالته، وحمْلهم على الانضمام إليه.
توحّدت الجزيرة في خلافة أبي بكر بسيف خالد. وقبل أن تهبّ الجزيرة إلى إخضاع العالم كان عليها أن تخضع نفسها بنفسها. ولقد جعلت هذه الحملات الداخلية من بلاد العرب في الأشهر اللاحقة لوفاة النبي أمة مسلحة ما كادت تطفئ نار الثورة الأهلية حتى حاولت الاتجاه إلى الخارج والتطلع إلى منفذ جديد تستثمر فيه ما خبرته من شؤون القتال. ولما كان الإسلام قد وضع حداً لتطاحن القبائل ضمن دائرته وشمل العرب بنوع من الأخوّة والسلام، كان لا بد للروح الحربية العربية من میدان جدید.
كانت الحادثتان الخطيرتان في أواخر العصور القديمة هما: الهجرات التوتونية (الجرمانية) التي أسفرت عن تقويض الإمبراطورية الرومانية العريقة، والفتوحات العربية التي دكّت صرح الدولة الفارسية إلى الأساس وزعزعت أركان الإمبراطورية البيزنطية.
فلو قام في الثلث الأول من القرن السابع الميلادي أحد وتكهّن بأن دولة خاملة الذكر وضيعة الجانب، تخرج من مجاهل جزيرة العرب ثم تنقض على الدولتين العظيمتين المعروفتين؛ فتقوض الدولة الواحدة -دولة آل ساسان- وتظفر بأملاكها، ثم تقتطع من ولايات الثانية -بيزنطة- أزهى مقاطعاتها! نقول: لو صدرت مثل هذه النبوءة من فم إنسان في ذلك العصر لَـحُكم عليه بالجنون! والواقع أن هذا ما حدث فعلاً.
فبعد الرسول تغيرت طبيعة بلاد العرب الجدباء وأخذت تنشئ رجالاً أبطالاً يندر وجود مَن يشاكلهم في أي صقع كان؛ فكأن أعجوبة حلّت فيها؛ فالحملات العسكرية التي قام بها خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وسعد بن أبي وقاص.. فاتحين بها العراق وفارس وسورية ومصر، هي من أعظم الحملات التي يرويها تاريخ الحروب المدوَّن، وقد كشفت عن نبوغ قوادها وتفوقهم في أساليب القتال، وخلّدت أسماءهم مع أسماء نابوليون وهانيبال ويوليوس قيصر والإسكندر.
ولقد يسر الفتح للعرب أسباب، منها أن فارس وبيزنطة كانتا قد وهنتا بسبب الحرب بينهما أجيالاً طوالاً. فاضطرتهما هذه الحرب إلى إرهاق رعاياهما بضرائب قاسية أدّت إلى نفورهم. ناهيك بأن استيطان القبائل العربية في سورية وأرض الفراتين وفي المناطق الواقعة على حدود الهلال الخصيب، وظهور الشقاق في جسم الكنيسة المسيحية الشرقية؛ حيث نشأت البدعة المونوفيزية في سورية ومصر، والنسطورية في العراق وفارس، مع ما لابس ذلك من عداوة بيزنطة واضطهادها المنشقين عن كنيستها.. جميع هذه الأمور سهّلت عمل الفاتحين.
وكان الروم قد أهملوا تحصين الثغور، ومن بعد غزوة مؤتة الواقعة إلى شمالي البتراء التي انتصر فيها عرب الشام على جيش أرسله الرسول عليهم (أيلول سنة ٦٢٩) أبطل هرقل الجراية التي كان يوزعها في قبائل الشام العربية المقيمة جنوباً من البحر الميت على الخط الواصل بين المدينة وغزة.
وكان سكان الشام وفلسطين وهم ساميون وسكان مصر وهم حاميون يعتبرون العرب الفاتحين قوماً من بني جنسهم، يربطهم بهم ما لا يربطهم بأولئك الحكام الأجانب الغاصبين. فالفتوحات الإسلامية من هذه الوجهة هي عند التحقيق انقلاب اجتماعي سياسي استرد به الشرق الأدنى مجده السامي الغابر، وجاء الإسلام مهيباً بالشرق إلى النهوض من كبوته بعد ألف سنة اجتاحته فيها سطوة الغريب.
ولنذكر أن الجزية التي فرضها الفاتحون العرب على أبناء البلدان المنسلخة عن فارس وبيزنطة كانت أقل مما كان يُفرض عليهم في ظل الحكومات السابقة. ولقد انفتح أمام الأمم المغلوبة باب الحرية؛ فصاروا يمارسون عقائد أديانهم دون إزعاج.
أما العرب أنفسهم فقد كانوا شعباً ممتلئاً حمية ونشاطاً، وقد ألهبتهم حماسة قومية جديدة وتمكنت من نفوسهم إرادة للفتح والظفر، وهيأهم دينهم الجديد إلى أن يسخروا من الموت ويحتقروا الحياة. على أن نصيباً وافراً من الفوز الذي حازوه يرجع إلى اعتمادهم أساليب حربية تلائم فلوات آسيا الغربية وصحاري أفريقيا الشمالية -منها استعمال الخيل والإبل- ولم تكن الروم تحسن استعمالها.
أسباب اقتصادية
وقد مال بعض الباحثين في الحركة الإسلامية إلى النظرية الدينية التي كررتها المصادر العربية وفسّروا التوسع الإسلامي كنتيجة لعامل الدين، ولم يعلقوا كبير أهمية على العوامل الاقتصادية. وتمسّك بعض كُتاب النصرانية بفكرة أخرى خاطئة وهي أن المسلم العربي إنما اكتسح البلدان رافعاً القرآن في يد والسيف في الأخرى.
ولا صحة لهذا الزعم فإن العرب في حروبهم خارج الجزيرة كانوا يعرضون على أهل الكتاب من يهود ونصارى أمراً ثالثاً غير القرآن والسيف هو أقرب إلى مطامع المحاربين وأصلح لهم من كلا الأمرين الأولين: الجزية ﴿حَتَّىٰ یُعۡطُوا۟ ٱلۡجِزۡیَةَ عَن یَدࣲ وَهُمۡ صَـٰغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
ثم قضت الأوضاع أن يُعرض هذا الاختيار الثالث حتى على المجوس أتباع زرادشت، وعلى الوثنيين من البربر والترك؛ فجرى عليهم وهم من غير أهل الكتاب، وعوملوا معاملة أهل الكتاب إذ لم يمكن أخذ من لم يؤمن منهم وهم العدد الكثير بالسيف، فالضرورة قامت إذ ذاك مقام النظرية القرآنية.
ولا نزاع في أن الإسلام ألّف بين المسلمين ووحّد أهدافهم، وخلق لهم شعاراً جديداً؛ فكان نبراساً لأمانيهم القومية. فزالت المشاحنة والبغضاء والتحمت العناصر المتنافرة، فنشأت بين العرب قوة محركة فعالة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- فيليب حتي وآخران، تاريخ العرب المطول، (بيروت: دار الكشاف، 1949م)، 1/191 وما بعدها.





