
جريح الأقصى أيمن الكرد
أغسطس 13, 2026
حريق الأقصى كارثة إسلامية وتفاعل فاتر من الأنظمة
أغسطس 14, 2026
رواية غربية
ستيفن رنسيمان
المؤرخ البريطاني الشهير*
مات طغرل بك سنة 1063، والواقع أن طغرل ذاته لم يكن شديد الاهتمام بالطرف الشمالي الغربي، غير أن ابن أخيه وخليفته في الحكم، ألب أرسلان، أثاره احتمال قيام تحالف بين البيزنطيين والفاطميين، فحرص على أن يحمي نفسه من البيزنطيين بالاستيلاء على أرمينيا، قبل أن يمضي إلى تحقيق غرضه الأصلي، وهو مهاجمة الفاطميين.
فاشتدت حدة الغارات على أملاك الإمبراطورية؛ ففي سنة 1064 تعرضت للدمار (آني) حاضرة أرمينيا، قديماً، وتقدم عن طيب خاطر أمير (قارس)، الذي يعتبر آخر أمراء الأرمن المستقلين، فسلم إلى الإمبراطور البيزنطي كل أراضيه مقابل الحصول على بعض الضياع بجبال طوروس. فصحبه إلى موطنه الجديد أعداد كبيرة من الأرمن. وترتب على ذلك أنه منذ سنة 1065 تعرض للهجوم سنوياً حصن (الرها) الواقع على الحدود.
غير أن الترك لم يكن لهم خبرة بحرب الحصار، ففي سنة 1066 احتلوا دروب جبال (أمانوس)، وفي الربيع التالي نهبوا قيصرية حاضرة قبادوقيا. وفي الشتاء التالي، حلت الهزيمة بالجيوش البيزنطية في ملطية وسيواس. وترتب على هذه الانتصارات أن صار للترك السيطرة التامة على أرمينيا. وفي السنوات التالية أوغلوا بإغاراتهم إلى جوف الإمبراطورية، إلى نقصار وعمورية سنة 1068، وإلى قونية سنة 1069، وإلى خونية سنة 1070 القريبة من ساحل بحر إيجه.
وقعة مانزيكرت
واضطرت الحكومة الإمبراطورية أن تتخذ إجراء حاسماً، ذلك أنه حدث سنة 1067 أن مات الإمبراطور قسطنطين العاشر الذي كانت سياسته ترمي إلى تخفيض عدد القوات المسلحة، والذي يعتبر إلى حد كبير مسئولاً عن الوضع الخطير الذي تعرضت له الإمبراطورية، فخلفه على الحكم ابنه الصغير ميخائيل السابع بوصاية أمه الإمبراطورة ايدوسيا. وفي السنة التالية تزوجت ايدوسيا من رومانوس ديوجين، القائد الأعلى للجيش، فرفعته إلى العرش.
كان رومانوس جندياً فائقاً، ووطنياً صادقاً، غير أن العمل الذي كان يواجهه تطلب رجلا فذاً عبقرياً، أدرك أن سلامة الإمبراطورية تطلبت استرداد أرمنيا، غير أن الجيش البيزنطي لم يكن له من الكفاية ما اتصف به منذ خمسين سنة. ولم تكن قوات الأقاليم كافية للدفاع عن أراضيها ضد المغيرين، ولم يكن في وسعها أن تستغني عن عساكر لتنضم إلى جيش الإمبراطور. وساور الشك الأسرات النبيلة التي كان في مقدورها أن تقدم عن ضياعها جنداً، فنأت جانباً.
أما فصائل الفرسان المؤلفة من ستين ألفاً من الفرسان الأشداء، والتي ظلت ترتاد الطرف الشامي حتى منتصف القرن الحادي عشر، فإنه تقرر وقتذاك حلها وتسريحها. وتقاصر عن قوتهم السابقة، رجال الحرس الإمبراطوري، الذين كانوا يجندون من خيرة أبناء آسيا الصغرى، ويتلقون تدريباً بالغ الشدة. غير أن الجيش تألف معظمه وقتذاك من المرتزقة الأجانب، منهم الشماليون الذين يؤلفون حرس الورنك، والنرمان والفرنج من غرب أوربا، والصقالبة من الشمال، والترك من براري جنوب روسيا، فضلاً عن البجناك والكومان والغز.
ومن هذه العناصر ألف رومانوس جيشاً تبلغ عدته نحو ١٠٠ ألف رجل منهم نحو النصف ينتمون إلى عنصر بيزنطي، غير أنه لم يكن من هؤلاء إلا فئة قليلة من العساكر المحترفين، إنما يفتقرون جميعاً إلى العتاد الحربي. على أن الكومان الترك كانوا أكثر الفئات المأجورة عدداً، وتولى قيادتهم يوسف تارخانيوتس التركي المولد. أما الفئة المختارة فتتمثل في الفرسان الدارعين من الفرنج والنرمان، بقيادة روسل بايليل النرماني، والمعروف أن القائدين اللذين سبقاه في القيادة، وهما هِرفيه وكريسبين، كانا من الفرنج، وتقرر عزلهما بسبب خيانتهما الصريحة، غير أن العسكر لا يخدمون إلا تحت قيادة أحد مواطنيهم، فكان أندرونيكوس دوكاس أكبر من يلي الإمبراطور في القيادة البيزنطية، وهو ابن أخ الإمبراطور الراحل، ولا يختلف عن سائر أفراد أسرته، فيما يكنه من العداء المرير لرومانوس، الذي لم يجرؤ على أن يتركه وراءه بالقسطنطينية.
وبهذا الجيش الضخم، الذي لا يصح الوثوق فيه، خرج رومانوس في ربيع سنة ۱۰۷۱ ليسترد ارمنية. وحينما غادر القسطنطينية، جاءته الأنباء من إيطاليا، باستيلاء النرمان على باري، آخر ما تبقى لبيزنطة من أملاك في شبه الجزيرة.
ويورد المؤرخون في تفاصيل مؤسفة خبر مسير الإمبراطور نحو الشرق، وقد سلك الطريق البيزنطي القديم الذي اجتازه الأباطرة في حروبهم. وجعل نصب عينيه أن يستولي على حصون ارمنية، وأن يشحنها بالعساكر، قبل أن يقدم الترك من جهة الجنوب.
كان ألب أرسلان في الشام، في موضع قريب من حلب، وحينما سمع بزحف البيزنطيين أدرك أنه لا بد أن يتصدى للقتال، فبادر بالمسير صوب الشمال ليلتقي بالإمبراطور. نفذ رومانوس إلى ارمنيا، على امتداد الفرع الجنوبي للفرات الأعلى. وبالقرب من مانزيكرت، قام بتقسيم قواته. فمضى بنفسه إلى مانزيكرت، بينما أرسل الفرنج والكومان للاستيلاء على حصن أخلاط، الواقع على شاطئ بحيرة فان.
على أن (رومانوس) تلقى أثناء مقامه بمانزيكرت أنباء عن اقتراب ألب أرسلان، فانحرف الإمبراطور إلى جهة الجنوب الغربي، ليلحق من جديد بالجيش، قبل أن ينقضّ عليه الترك. غير أن تناسيه لمبادئ الخطط الحربية البيزنطية، حمله على إغفال إرسال كشافته.
وفي يوم الجمعة ١٩ أغسطس سنة ۱۰۷۱، وبينما كان ينزل بالوادي على الطريق إلى أخلاط، مترقباً قدوم أتباعه المأجورين، انقض عليه ألب أرسلان، ولم ينهض لنجدته عساكره المأجورون. وفي الليلة السابقة على المعركة، انحاز إلى السلاجقة الكومان المأجورون نظراً لأنهم أتراك، ولأنهم لم يتقاضوا أجورهم المتأخرة. وقرر روسل ومن معه من الفرنج ألا يخوضوا المعركة، فأضحى مصير المعركة معروفاً. فاستبسل رومانوس في القتال، غير أن أندرونيكوس دوكاس حينما رأى أن قضيته خاسرة، وظن أن المنظر التالي للمأساة لا بد أن يجري بالقسطنطينية، انسحب من ساحة القتال بمن كان تحت قيادته من العساكر الاحتياطية، وسار بهم صوب الغرب، بعد أن ترك الإمبراطور ليواجه مصيره.
وفي المساء حل بالجيش البيزنطي الدمار، وأصاب رومانوس الجراح ووقع أسيراً.
الفوضى والاضطراب في الشرق
تعتبر معركة مانزيكرت أشد ما وقع في التاريخ البيزنطي من كوارث حاسمة. ولم يخفِ البيزنطيون أنفسهم إحساسهم وشعورهم عنها. إذ أشار مؤرخوهم مرة بعد مرة إلى ذلك اليوم العصيب، وتراءى للصليبيين فيما بعد أن البيزنطيين فقدوا على أرض المعركة ما اتخذوه من لقب “حُماة العالم المسيحي”. وبررت مانزيكرت ما جرى من تدخل الغرب.
على أن الترك لم يفيدوا كثيراً من انتصارهم.. حقق ألب أرسلان غرضه إذ كفل الحماية لجناح جيشه، وأزال خطر التحالف بين بيزنطة والفاطميين وكل ما طلبه من الإمبراطور الأسير، هو الجلاء الناجز عن أرمينيا، ودفع فدية ثقيلة عن شخصه. ثم انصرف لمواصلة القتال في إقليم ما وراء النهر، حيث قضى نحبه سنة ۱۰۷۲.
ولم ينفذ أبداً إلى آسيا الصغرى ابنه وخليفته ملك شاه، الذي امتدت إمبراطوريته من البحر المتوسط إلى حدود الصين. غير أن رعاياه من التركمان كانوا دائماً متأهبين للمسير. لم يشأ أن ينزلهم بالأراضي التي كانت تابعة للخلافة، غير أنه رأى أن خير ما يلائمهم هو سهول وسط آسيا الصغرى، التي عمل الأعيان البيزنطيون على إخلائها من سكانها، وتحويلها إلى مراعي تنتجعها الأغنام، فعهد إلى ابن عمه سليمان بن قتلمش بأن يستولي على هذا الإقليم لصالح الأقوام التركية.
ويسّر البيزنطيون أنفسهم أمر فتح هذه البلاد، والعشرون سنة التالية من تاريخهم، طفحت بالتمرد والتآمر. فحينما وصل إلى القسطنطينية خبر كارثة مانزيكرت وأسر الإمبراطور، أعلن ميخائيل دوكاس ابن زوجة رومانوس أنه بلغ سن الرشد، وتولى مقاليد الحكم، وتوطد مركزه بقدوم ابن عمه اندرونيكوس، بفلول من تبقى من الجيش. اشتهر ميخائيل السابع بأنه شاب ذكي مثقف، يصلح لأن يكون حاكماً قديراً في الأزمنة الوادعة. غير أن ما واجهه من مشكلات تطلبت شخصاً آخر يفوقه خبرة وتجربة.
عاد رومانوس ديوجين من أسره كيما يجد نفسه معزولاً عن العرش. وحاول أن يقاتل من أجل مركزه، فلم يلبث أن تعرض للهزيمة، وجرى حمله أسيراً إلى القسطنطينية، حيث بلغ العنف والقسوة في اقتلاع عينيه أنه لم يلبث أن مات بعد أيام قليلة.
لم يرض ميخائيل بأن يبقى رومانوس حياً، غير أن أقارب رومانوس الأقوياء وأصدقائه الذين جذبهم إليه ما اشتهر به من المروءة والفروسية، ارتاعوا واشتد سخطهم لما تعرضت له خاتمته من الوحشية والهمجية، فعبروا عن غضبهم وسخطهم بما لجأوا إليه من الخيانة.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
* ستيفن رنسيمان، تاريخ الحروب الصليبية، ترجمة: د. السيد الباز العريني، ط1 (بيروت: دار الثقافة، 1967م)، 1/ 95 وما بعدها.





