
الأيام الأولى لأبي بكر في الخلافة
ديسمبر 19, 2025
زراعة العقيدة
ديسمبر 19, 2025برنابي روجرسون كاتب وإعلامي وناشر بريطاني*
أرسل الخليفة أبو بكر خطابات (كُتباً) إلى مختلف أنحاء شبه الجزيرة العربية. وخطابات (كتب) الخليفة هذه اتخذ الواحد منها شكل قطعة صغيرة من الرِّق المصقول (الجلد المرقق)، ومكتوبة بخط اليد المحسَّن وغالباً بالحبر الأسود، وبالخط العربي المعروف في ذلك الوقت. ويُطوى الخطاب (الكتاب) ليصبح لفافة، ولا يوضع في ظرف، فبمجرد أن يُطوى يشكل هو نفسه ظَرْفاً ظاهراً )لفافة الرق تصبح بمثابة ظرف). وكانت هذه الكتب (الخطابات) تحمل خاتم النبي وبه حَلْقة من العقيق الأحمر منقوش عليها (الله خير الحاكمين).
وهذه الحلقة (الخاتم) واحدة من الأشياء المادية القليلة التي تركها محمد النبي على الأرض (بعد أن وافته منيّته). وما إن كُلّلت حروب الردة بالنجاح حتى أصبح المبعوثون من المدينة إلى مختلف أنحاء شبه الجزيرة العربية يُعاملون باحترام شديد ويلقون اهتماماً كلياً. كان لا بد أن تُسلَّم خطابات (كتب) أبي بكر للحكام المسلمين في المدن والقرى والأسواق العامة، وهم مسلمون ذوو مكانة مثل أبي سفيان (الذي كان في وقت من الأوقات أول سيد لمكة الوثنية، الذي يعمل الآن (زمن أبي بكر) واحداً من مندوبي الخليفة في ولاية اليمن. وبعد تقبيل الخاتم الموجود على الخطاب (الكتاب) بإخلاص شديد ومحبة، يجري فضُّ الخطاب ليُقرأ بعد الصلاة ليصل محتواه لكل السكان المسلمين.
وفي الصحراء تنتقل الأخبار غالباً بالسرعة نفسها. ويجري تقديم التحية للرسل (المبعوثين) من قِبَل رعاة القطعان على البُعد، وما إن يصلوا إلى أراضي المراعي حتى يرافقهم المستقبلون، وغالباً ما يكون مشايخ القبيلة موجودين في أراضي المراعي تلك. وهنا يلقي المبعوثون ترحيباً لائقاً وتتم استضافتهم في خيام سوداء واسعة مخصصة لمشايخ القبيلة؛ حيث يتبوؤون مكان الصدارة عن يمين مضيفهم وبعد أن يتقبلوا التحية المعتادة: قرعة مجوفة مملوءة حتى حافتها بالحليب الطازج، لا بد من الإسراع في إعداد وليمة، بذبح عجل، وفى هذه الأثناء وبينما يجري إعداد الوليمة يسرع آخرون بدعوة الشيوخ الآخرين المتحالفين حتى يشارك الجميع، على قدم المساواة في معرفة الأخبار. فالأخبار تحظى بالعناية لأن ناقلي الأخبار (الرواة) في الصحراء لا يضيعون وقتاً، فهم ينتهزون كل فرصة لإعادة رواية واقعة انتصار المسلمين الدموي على بني حنيفة في (يوم بستان الموت) وما جمعوه من غنائم كثيرة هائلة عقب انتصارهم هذا من المدن التجارية الثرية على طول الخليج الفارسي وساحل عمان.
ومازالت انتصارات المسلمين مروية حتى هذه اللحظة (خلافة أبي بكر)؛ فجيش خالد (ابن الوليد) يغير على الأطراف الصحراوية للإمبراطورية الفارسية. لقد كانت لدعوة أبي بكر للانضمام إلى نضال عسكري نتائج فورية إذ حظيت بالقبول. لقد تجمع المحاربون الشباب في شبه الجزيرة العربية تحت رايته (لوائه)، حتى رغم أن معلوماتهم عن تعاليم محمد ربما لم تكن حتى الآن قد وصلت لأكثر من أداء الصلوات اليومية بشكل روتيني. هؤلاء المقاتلون الذين رغبوا في الحرب تحت لواء الإسلام، كان عليهم بادئ ذي بدء أن يزوروا الواحة (المدينة). لقد كانوا يصلون إليها بثبات عبر مسارات آمنة لكن لا يمكن التنبؤ بما سيلاقونه، فقد كانوا يرتحلون على طول الطرق التجارية القديمة، وفي المدينة كانوا يُستقبلون استقبالاً حسناً ثم يتجمعون في هدوء في المعسكرات التي جرت العادة أن تستخدمها القوافل، في بطون الأودية الجافة التي تمتد حول جبل أحد.
وكان يتم تزويد الذين تنقصهم الأدوات (سواء أدوات القتال أم أدوات المعيشة) بمنَح وهِبات كريمة من بيت المال الذي يشرف عليه الخليفة الذي تسلّم خُمس الغنائم التي استولى عليها المسلمون في حروب الردة، والتي كان يصرف منها الهبات للفقراء والمعوزين والذين تنقصهم أدوات القتال. وخزانة الدولة (بيت المال) في هذه الفترة لم تكن سوى مخزن قديم له باب.
الخليفة الزاهد
فلم يبق في حياته سوى عام، ومع هذا لم يكن يغص بالثروة ويتقلّب في النعيم مع أن المدينة كانت قد بدأت بالفعل تطفح بالرخاء. لقد كان أبو بكر لا يزال يلبس بفخر ثوباً قطنياً وعباءة من صوف اللذين كانا هما لباسه المعتاد من قبل، وواصل ما كان يفعله النبي بالسؤال عن أحوال الرعية بعد صلاة الصبح واتخاذ السبل التي تضمن رفاهية الجماعة، واضعاً في اعتباره أن هذا هو واجبه الأول. وكان أيضاً يمشى مساء في حارات المدينة ليتفقد بنفسه أحوالها وليتأكد ما إذا كان هناك فقير أو يتيم أو أرملة.. لم يتدبر طعامه أو مأواه هذه الليلة.
وإذا عدنا لسنة ٦٢٢ وجدنا أن أبا بكر عندما هاجر مع النبي إلى المدينة كان عليه أن يترك زوجته في مكة. وكانت زوجته الأولى قُتيلة وأبناؤها قد بقوا على الوثنية في مكة، رغم أن زوجته الثانية البدوية وهي أم رومان (أم عائشة) اعتنقت الإسلام بعد ذلك. وما إن استقر أبو بكر في المدينة حتى اتخذ له زوجتين أخريين: أسماء بنت عميس من قبيلة بني خذام البدوية، وحبيبة وهي من بنات المدينة حقاً إذ كانت تتبع في حياتها تقاليد نسوة المدينة، وكانت معروفة من خلال نسبها الأمومي Matriarchal descent فهي ابنة خارجة من عشيرة الحارث بن خزرج. وقد أنجب أبو بكر من الزوجتين الأخيرتين. فمن أسماء أنجب محمداً بن أبي بكر (سنسمع عنه كثيراً بعد ذلك)، وأنجب من حبيبة ابنته أم كلثوم.
من الواضح أنه كان يتمتع بالحيوية حتى الآن. ورأس شخصياً الحجيج، بعد أن كان قد تخلى عن هذه المهمة أثناء حروب الردة لانشغاله بمتابعة أمورها يوماً بيوم.
ويُقال إنه لم يكن ليهمل شيئًا، فعندما وصل عدد المقاتلين المتطوعين الشباب نحو ثلاثة آلاف (3000) قام بتكوين فرقة عسكرية منهم وجعل على رأسهم قائداً ودلّهم على طريقهم ودعا لهم بالبركة. وبهذه الطريقة تأكد أبو بكر أن إمدادات المدينة بالماء والمراعي لن تُستنفد، وأن شباب البدو لن يترعرعوا في ظل الكسل والخمول (البطالة) وأن ندوب الجروح القديمة ممثلة في الثارات القبلية لن تُفتح من جديد. ولأن وصول البدو (للمدينة وزمامها) لا يمكن التنبؤ به بدقة، فإن كل هذه القوى الميدانية تنطوي على فرص للاحتكاك بين القبائل ومن هنا كان التركيز على طبيعة التوحيد في الإسلام، فالولاء للإسلام يفوق الولاءات القوية الأخرى سواء كانت قبلية أو إقليمية.
وهناك مرويات لا تزال قائمة عن قبيلة بني فزارة؛ إذ عندما وصل أبو بكر إلى مضاربهم في الجرف، نهض الشباب تحية له وتوقيراً وهو يدعو لهم بالبركة وهتفوا قائلين: يا خليفة رسول الله، لقد أحضرنا معنا خيولاً قوية ونحن فرسان لا يُشق لنا غبار، فأعطنا لواء كبيراً (راية نغزو في ظلالها).
وراح أبو بكر يلقي تعليماته لجيوش المسلمين، مبينًا لهم كيف يتصرفون إن رغبوا في أن يكونوا جنداً مسلمين: “لا تخونوا ولا تَغْلوا ولا تغدروا ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرَّغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم.. اندفعوا باسم الله”.
وتولى قيادة الجيوش الثلاثة الأولى قوّاد عرب شباب من ذوي الشخصيات الفعالة (الكارزمية): يزيد بن أبي سفيان (وهو ابن القائد المكي العجوز الخبير بالحرب) وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة، وكانوا جميعاً من الذين برهنوا على مهاراتهم العسكرية. قاد عمرو جيشه في الطريق الأكثر انتحاء نحو الغرب يكاد يكون مساحلاً للبحر الأحمر وقاد جيشه مباشرة إلى غزة وجنوب فلسطين. أما يزيد بن أبي سفيان فاتخذ الطريق الوسطى التي تمر عبر تبوك لتقترب من الساحل الشرقي للبحر الميت. أما شرحبيل فسار بقواته بحذر نحو بُصرى والجبال البركانية السوداء التي نعرفها اليوم باسم جبل الدروز. هذه الطرق المتعددة المتشابكة قد صُممت فيما يبدو لتربك أي جيش بيزنطي يحاول تجميع قواته. وكانت جيوش المسلمين الثلاثة قد تلقت تعليمات بعبور الصحراء بسرعات متساوية ليكون أبو بكر قادراً على تزويد كل جيش بمزيد من المحاربين منطلقين من المدينة.
ربما يكون عمر في ذلك الوقت هو الذي نبّه أبا بكر إلى أنه رغم أن اختياره لقادة الجيوش كان اختياراً صائباً جداً من الناحية التكتيكية، إلا أن من وقع اختياره عليهم كانوا جميعاً من (المسلمين الجدد) أو بتعبير آخر (من حديثي الإسلام)؛ وبالتالي فإن دوافعهم الأقوى تتمثل في طموحهم ومصالحهم الشخصية، أكثر من تمثلها في تقواهم. لذا، فقد أرسل أبو بكر صحابياً راسخ الإيمان هو أبو عبيدة إلى منطقة القتال على رأس فرقة من المحاربين. وكانت مكانته بين المسلمين وأسبقيته في الإسلام تسمح بأن يكون ما يشير به مسموعاً محترماً حتى لو لم يعينه أبو بكر قائداً عاماً، من الناحية الرسمية. وعلى هذا، فإن أبا بكر ترك خياراته الأخيرة فيما يتعلق بالحرب خيارات (تعليمات) مرنة. لقد أرسل رسولاً مؤتمناً على عجل ليتجه شرقاً حاملاً خطابًا (كتاباً) آخر حاوياً أوامر (الرسالة مكتوبة على الرق أى الجلد المرقق).
خالد بن الوليد تحت إمرة أبي بكر
ومن بين هذه الأوامر أن يتخلّى خالد بن الوليد عن قيادة هجماته الناجحة على الجبهة العراقية، وأن يتجه عبر الصحراء ليساعد في الهجوم العام على الشام البيزنطية. وتحرّك خالد بكل سرعته المعتادة وحسمه المعهود على رأس جيش يتراوح عدد قواته ما بين 9000 و 10000 (عشرة آلاف). وكان حليفه القبلي ابن حارث قد تُرِك ليكون على رأس المحاربين معه وهم من قبيلة من بني بكر .
وقاد خالد قواته الراكبة عبر الصحراء الشامية ماراً عبر الأجزاء الشمالية من شبه الجزيرة العربية التي كانت قد ظلت -تقليدياً- موالية للإمبراطورية البيزنطية (والتي لم يتعامل معها -إلى حد كبير جداً- النبي ولا أبو بكر)… وكان خالد قد أخذ حذره بإحضار جمال كثيرة، أكثر مما يحتاجه عادة بثلاث مرّات وذلك حتى ينحرها (ليأكل لحومها جنوده) ولتُنزع كروشها لاستخدامها في حمل الماء لتشرب خيوله التي جعل جانباً كبيراً منها رصيداً غير مستخدم (غير مركوب) لتبقى مستريحة لاستخدامها في القتال إذا حان الحين. وفي قسم من أقسام ملحمة الفرسان هذه حدث أن أُصيب دليله وهو من قبيلة طيء بالعمى بسبب الشمس، وبالتالي فلم يستطع أن يقودهم إلى مورد الماء المختفي (الـمُعمّى عليه). ولحسن الحظ، فقد انتعشت ذاكرة هذا الدليل الذي أصابه العمى فتذكّر -فيما تقول المرويات- أن مورد الماء السري هذا توجد بالقرب منه شجرة عوسج ضخمة، وما إن اكتشف الفرسان المرافقون هذه الشجرة ظلوا يحفرون زهاء ساعة قبل أن يحسوا الرطوبة في التربة مما يوحي بوجود الماء أساس الحياة.
وقابل خالد على بعد خمسين ميلاً من دمشق خصوماً أشداء: قوات عربية صحراوية يقودها أمير غساني. وبعد مناوشات بين فرسان الطرفين المتقاتلين في مَرج راهط، ربما كان المقصود منها محاولة متقنة لتضليل البيزنطيين وصرفهم عن اتجاه هجوم المسلمين. لقد تفجر بركان العداء في نفس خالد فتحرك جنوباً ليتصل بالجيوش العربية الأخرى. وكان أبو بكر قد رأى مسبقاً بثاقب نظره ما قد تؤدى له هذه المناورات من منافسات بين قادة الجيوش العربية، لذا كان قد أخبر القادة الآخرين بقراره فقد أرسل إلى عمرو هذه التعليمات: لقد أرسلت تعليمات لخالد بن الوليد أن يضم قواته إلى قواتك فوراً، فإن انضم إليك فأطع أمره ولا تحاول أن تفرض قيادتك عليه ولا تحاول أن تنفرد بحل مشكلاتك دونه، شاوره في الأمر ولا تُعارضه.
ركب خالد عبر الصحراء وبدا أن مناوشاته خارج دمشق كان المقصود منها هو جذب انتباه الجيش البيزنطي الرئيس إلى سوريا؛ حتى تتمكن الجيوش العربية الثلاثة الخارجة من المدينة من التوجه مباشرة إلى فلسطين، كان الاشتباك الأول في وادي عربة إلى الجنوب من البحر الميت مباشرة، حيث قاد يزيد الهجوم على قوات بيزنطية يقودها سرجيوس بطريارك فلسطين فأجبره يزيد على التراجع إلى الساحل. ففى داثن (دوثان) التي لا تبعد سوى 12 ميلاً عن غزة، خاض عمرو معركة ثانية مع قوات سرجيوس المتراجعة.. لقد خاض سرجيوس المعركة وهو يرتدي ثيابه الكهنوتية البيضاء الدالة على أنه عضو في مجموعة حراس الإمبراطور التي تحظى بالتشريف، وكان العرب يمقتونه لأنهم تذكروا مواقفه السابقة.. ففي مرحلة باكرة من توليه منصبه أغلق أسواق دمشق في وجوه التجار العرب كي يغتصب عشرين جنيها ذهبياً. وبعد معركة داثن التي نحن بصددها جرى التعرف على جثته فوُضعت في معدة جمل كبرهان أخير على جشعه.
لقد تأكد الآن تفوق الجيوش العربية، ففي شهر يوليو جرت المعركة الثالثة داخل فلسطين، إنها معركة أجنادين. لقد أصبحت القدس مقطوعة الصلة بساحل البحر المتوسط وموانئه العظيمة مثل قيسارية وغزة، مهددة -أي القدس – بالجيوش العربية الرابضة وراء أسوارها. أما بُصرى التي كانت -في وقت من الأوقات- العاصمة الإدارية لسوريا الداخلية، فقد أصبحت الآن منعزلة وراحت تستجدي شروطاً ملائمة.
هذه النجاحات الباكرة للعرب قد تأكدت عندما لاقى الجيش البيزنطي في الشام هزيمة على أيديهم في معركة جرت في مرج الصفار، الذي لا يبعد أكثر من عشرين ميلاً عن أسوار دمشق. ويرجع الفضل في هذا الانتصار إلى خالد الذي وثق كل إخوانه القادة في قدراته واعترفوا بعبقرية تكتيكاته .
وفي المدينة، شعر أبو بكر بالثقة الكافية في اختياره لقادة المعارك، لدرجة أنه حقق رغبة كان يتوق إليها توقاً شديداً، وهي أن يكون هو شخصياً على رأس الحجيج إلى مكة. جلس أبو بكر بعد نهاية أسبوع من الشعائر الطويلة، في ظل الكعبة الكائنة وسط الحرم، تلك الكعبة التي هي المركز الجغرافي (لعالم) الإسلام، ودعا أي مسلم يكون قد واجه ظلماً أن يتقدم منه ليأخذ حقه، لكن أحداً من المسلمين لم يتقدم ليعرض مظلمة.
وعندما عاد الخليفة العجوز إلى مكة بعد عشرة أيام قضاها راكباً عبر الصحراء استقبل مبعوثين (رُسلاً) أخبروه بالانتصارات الثلاثة التي حققها المسلمون في فلسطين هذا الصيف: انتصار وادي عربة وهو الانتصار الأول، يليه انتصار داثن، ثم انتصار أجنادين.
حتى على صعيد الجبهة العراقية الخطرة كانت هناك أخبار طيبة؛ لأن قبيلة بني بكر بقيادة ابن حارث قد أبطلت محاولات فارسية لإعادة الاستيلاء على الحيرة. وعلى كل حال، فإن ابن حارث سمع أيضاً بعض الأخبار غير المريحة.
والحقيقة أنه منذ سنة 628 عندما قُتل كسرى أنوشروان (عدو هرقل القديم) على يد أحد أبنائه والإمبراطورية الفارسية تنهار تدريجياً والأسرة الحاكمة فيها تذوي؛ لأن المذابح التي تلت ذلك والتي جرى فيها قتل ثمانية عشر أميراً من الأسرة المالكة على يد شرنيا أخيهم غير الشقيق يسميه المؤرخون اليونانيون البيزنطيون سيروز لم توسع الطريق لنظام بسيط لتوارث الحكم في فارس؛ بل على العكس من ذلك فقد أدت إلى إحداث فوضى وتشويش لأن الزعماء المحليين قدموا مُدّعين مختلفين للعرش الساساني، بل وقدموا أقرباء بعيدين للأسرة الساسانية ليطالبوا بعرش ملك الملوك (الشاه شاه). وبحلول صيف سنة 634، وجدنا الأمير الشاب يزدجرد ينجح أخيراً في إعادة توحيد الإمبراطورية وأصبح هدفه -الآن- هو تكريس كل موارده لصد غزوات العرب المسلمين.
وليتأكد ابن حارث أن الخليفة أبا بكر يعي تماماً خطورة الموقف، فقد قرر أن يذهب هو شخصياً إليه فركب إلى المدينة ليحادث أبا بكر مباشرة دون رسول يُرسله، طالباً منه دعماً عسكرياً. ووصل ابن حارث للمدينة ليجد الخليفة ملازماً الفراش.
أبو بكر وأيامه الأخيرة
في صيف الانتصارات هذا، كان أبو بكر البالغ من العمر ثلاثة وستين عاماً قد أصيب بالحمى، وكان سيده (النبى) قد أصيب قبل ذلك بالمرض نفسه، وهو مرض شائع في الواحة (المدينة) التي تتوافر فيها المياه. وكان المكّيون الذين نشأوا في ظروف أكثر جفافاً بكثير، أكثر عرضة للإصابة بالحمى. لقد أحكمت الحمى قبضتها على أبي بكر فقرر ألا يترك شيئاً للصدفة، فاستدعى ستة من الصحابة (بمن فيهم علي) واقترح أن يكون عمر بن الخطاب هو خليفته، ولم يكن هذا اعتماداً على أي آية قرآنية أو حديث نبوي وإنما كان هذا مجرد تعبير عن رأي أبي بكر. وفى عصور لاحقة اعتبرت مثل هذه القرارات (اجتهاداً) قننَّه الفقهاء.
وقد عبّر الصحابة المجتمعون عن خشيتهم من قسوة عمر واستقامته الشديدة وخشونة شخصيته؛ إلا أن أبا بكر كان مقتنعاً بأن عبء الحكم (الخلافة) يمكن أن يجعل عُمر ذا طباع أكثر ليناً وصرامة، وبذا تم قبول اقتراح أبي بكر (عن استخلاف عمر) وفي وقت لاحق جرت البيعة العامة، بمعنى أن جمعاً من المؤمنين أيدوا خلافة عمر.
وقضى أبو بكر أيامه الأخيرة بين زوجاته وابنته عائشة التي اعتنت به حتى لفظ أنفاسه. واعترافاً من أبي بكر بقوة شخصية ابنته عائشة، فقد طلب منها أن تعتني بأسرته وأن تشركهم معها في الأرض الخاصة التي أعطاها لها (أي لعائشة). وكان حريصاً أيضاً على أن تعود أي ممتلكات للدولة يكون قد استخدمها في حياته بحكم منصبه -أن تعود للدولة لتكون في خدمة الصالح العام.
وطلب أبو بكر أيضاً من ابنته عائشة ألا تستخدم قماشاً جديداً لتكفينه، وإنما تكتفى بغسل ملابسه التي استخدمها أثناء حياته وتلف جسده بها. وبعد أسبوعين من معاناة الحمى غادر أبو بكر الدنيا في 23 أغسطس سنة 634. ودفن حيث يستحق رأسه إزاء كتف سيده (محمد النبي) في الغرفة التي تزوجت فيها ابنته عائشة.
كانت فترة حكم أبي بكر قصيرة (لم تتعد عامين وثلاثة أشهر)، لكن أمور العقيدة لم تكن أبداً عزيزة غالية عند أحد كما هي عند أبي بكر، اللهم إلا عند سيده محمد النبي. لقد كان يحذو حذو النبي، فقد كان مشغولاً انشغالاً عميقاً ومستمراً بالخلود (العالم الآخر)…
ونفذت عائشة وصايا (تعليمات) والدها الأخيرة بدقة، حتى إنها تأكدت من عودة البقرتين الحلوبتين اللتين كان أبوها قد استعارهما إلى بيت المال. كما أعادت البستان الصغير الذي كان أبوها قد حصل عليه من راتب قوامه ستة آلاف درهم في السنة كان يتقاضاها لقاء عمله (كخليفة للمسلمين)، وقد سُلِّم إلى عمر الخليفة الثاني. وبينما كان عمر يتسلم مفتاح هذا البستان المسور الصغير ليستخدمه هو بوصفه خليفة (جزءاً من أجره)، رفع يديه إلى السماء وهو يقول: ليباركه الله (يقصد أبا بكر). إنه لم يترك أي فرصة لأي أحد لينبس ضده ببنت شفة.
وعندما فُتحت الخزانة العامة ( بيت المال) لتفقُّدها (التفتيش عليها) وجدت خاوية، فيما عدا قطعة عملة ذهبية واحدة كانت قد انزلقت من صُرتها فوقعت على الأرض فغطاها التراب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- برنابي روجرسون، ورثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ترجمة: د. عبد الرحمن الشيخ، (القاهرة: مكتبة الأسرة، 2015م)، ص178 وما بعدها.





