
“كير” تسجل رقماً قياسياً بفوز 97 مسلماً أمريكياً على الأقل في انتخابات التجديد النصفي
نوفمبر 8, 2026
كراهية الإسلام تنقلب على مُروّجيها وتفتح الطريق أمام انتخاب أول مسلم في مجلس الشيوخ الأمريكي
نوفمبر 8, 2026
بقلم: عماد إبراهيم – مدير مشروع بصيرة الدعوي
بعد محاولة ضبط العلاقة بين المأمول والمتاح، والتمييز بين الواقعية الضرورية والاستسلام المرفوض، تبرز مرحلة أكثر عمقًا من البحث، وهي الوقوف على أسباب التعثر الذي أصاب بعض تجارب الحركة الإسلامية. ففهم الإخفاقات ليس غايته إصدار الأحكام أو استعادة مشاعر الإحباط، وإنما استخلاص الدروس وتصحيح المسارات؛ إذ إن التجارب البشرية مهما كانت نوايا أصحابها تظل بحاجة دائمة إلى مراجعة ونقد وتقويم.
ومن هنا يأتي التساؤل عن العوامل التي أسهمت في تعثر بعض التجارب، وعن الدروس التي يمكن أن تفتح الطريق نحو أداء أكثر وعيًا ونضجًا في المستقبل، وهذا ما سنتناوله في هذا الجزء من المقال:
رابعًا: لماذا تعثرت بعض تجارب الحركة الإسلامية؟
وسنتناول في هذا المحور العوامل الداخلية والخارجية التي كانت سببًا رئيسًا في تعثر الحركة:
لا يمكن لأي دراسة علمية أن تفسر تعثر بعض تجارب الحركة الإسلامية بعامل واحد، كما لا يجوز أن تنسب النجاح أو الفشل إلى سبب منفرد؛ فالتاريخ لا تصنعه العوامل الأحادية، وإنما هو نتاج شبكة معقدة من المؤثرات الفكرية، والسياسية والاجتماعية والاقتصادية. ومع ذلك، فإن من مقتضيات الإنصاف أن تبدأ المراجعة من الداخل قبل الخارج؛ لأن القرآن الكريم جعل إصلاح الذات مقدم على إصلاح الواقع، وربط الهزيمة بالأخطاء الذاتية قبل ربطها بقوة الخصوم. قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 165].
نزلت هذه الآية لتؤصل لقاعدة مهمة جدًا، وهي أن محاسبة النفس ونقد الذات ليست انتقاصًا من المشروع، بل شرطًا لاستمراره ونضجه. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تقع فيه أي حركة إصلاحية هو أن تعزو كل إخفاق إلى نظرية المؤامرة الخارجية، كما أن أخطر ما يقع فيه خصومها هو إرجاع كل تعثر إلى فساد الفكرة نفسها. وكلا التفسيرين يفتقد الموضوعية.
أولاً: العوامل الداخلية
– الخلط بين قداسة الإسلام وبشرية الاجتهاد
من أبرز الإشكالات التي ظهرت في بعض التجارب أن الحدود الفاصلة بين الشريعة الإسلامية وحدودها، وبين الاجتهاد البشري بوصفه فهمًا قابلًا للصواب والخطأ، لم تكن دائمًا واضحة في الخطاب أو في الوعي العام. فحين تُقدَّم بعض الاجتهادات التنظيمية أو السياسية وكأنها التعبير الوحيد عن الإسلام، يصبح نقدها في نظر الأتباع مساسًا بالدين، بينما هي في حقيقتها اجتهادات بشرية قابلة للمراجعة. وهذا الخلط يفضي إلى نتيجتين خطيرتين:
الأولى: تضييق مساحة الاجتهاد، لأن كل مراجعة تُستقبل بوصفها تهديدًا للثوابت.
والثانية: أن إخفاق الاجتهاد ينعكس في أذهان الناس على صورة الإسلام نفسه، مع أن الإسلام بريء من أخطاء البشر.
وقد قرر علماء الأمة هذه القاعدة منذ قرون؛ فأكدوا على أن كل ابن آدم يؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله ﷺ، وأن العصمة إنما هي للوحي، لا للأشخاص ولا للمؤسسات.
إن المحافظة على قدسية الدين تقتضي، في الوقت نفسه، نزع القداسة عن الاجتهادات البشرية، حتى تبقى قابلة للتقويم والتطوير.
– غلبة البعد التنظيمي على البعد المقاصدي
كل تنظيم يحتاج إلى الانضباط، وإلى بناء مؤسسي يحفظ وحدته، لكن التنظيم حين يتحول من وسيلة إلى غاية، تبدأ الأزمة وقد أظهرت بعض التجارب أن الانشغال ببناء الهياكل، وإدارة الصفوف، والمحافظة على الكيان التنظيمي، قد يطغى أحيانًا على الغايات الكبرى التي وُجد التنظيم من أجلها، فتصبح الأولوية لاستمرار المؤسسة، ولو على حساب ضبط الفكر وتصحيح المسار، أو توسيع دائرة الشراكة، أو مراجعة الوسائل وهذا التحول لا يقع في الحركات الإسلامية وحدها، بل هو مرض يصيب كثيرًا من المؤسسات الكبرى، حيث تنشغل المؤسسة بالمحافظة على نفسها أكثر من انشغالها بالمهمة التي أُنشئت لتحقيقها.
ولهذا ينبغي أن يبقى السؤال حاضرًا دائمًا: هل ما نقوم به يخدم رسالة الإسلام، أم يخدم بقاء التنظيم فقط؟
فإذا غابت الإجابة الصادقة عن هذا السؤال، بدأ الانحراف التدريجي عن المقاصد!
– ضعف أو غياب فقه الأولويات
من أبرز أسباب التعثر أن بعض الحركات لم تُحسن ترتيب أولوياتها، فساوت بين ما هو أصل وما هو فرع، وبين ما هو عاجل وما هو آجل، وبين ما هو قطعي وما هو اجتهادي، وقد علّمنا القرآن أن فقه الأولويات جزء من الحكمة. ففي العهد المكي، ركز الوحي على بناء العقيدة، وتصحيح التصور، وتربية النفوس، قبل الحديث عن كثير من الأحكام التفصيلية، ولما بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن، قال له: “إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله…” ثم ذكر الصلاة، ثم الزكاة. متفق عليه.
فهذا الحديث يرسم منهجًا واضحًا في ترتيب الأولويات، ويؤكد أن نجاح الدعوة لا يتحقق بكثرة القضايا المطروحة، بل بحسن ترتيبها، وفي بعض التجارب المعاصرة، أدى غياب هذا الفقه إلى استنزاف الطاقات في معارك جانبية، بينما ظلت قضايا بناء الإنسان، والتعليم، والإنتاج العلمي، والإصلاح المؤسسي أقل عناية مما تستحق.
– قصور في بناء الكفاءات
لا يكفي أن يكون العامل في المشروع الإسلامي صالحًا في دينه وفقط حتى يكون مؤهلًا لإدارة مؤسسات معقدة أو اقتصادات حديثة أو أجهزة دولة، فالصدق والإخلاص شرطان أساسيان، لكنهما لا يغنيان عن الخبرة والكفاءة والجدارة. وقد جمع القرآن بين الأمرين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]. فالقوة تمثل الكفاءة والجدارة، والأمانة تمثل النزاهة، ولا يغني أحدهما عن الآخر.
ولذلك فإن المشروع الإسلامي بحاجة إلى علماء شرعيين، كما هو بحاجة إلى خبراء ومتخصصين في الاقتصاد، والإدارة، والقانون، والإعلام، والعلاقات الدولية، والتقنية، والتخطيط الاستراتيجي ونحو ذلك من أدوات الحكم. ولعل من الدروس المهمة في هذا الباب أن النهضة الإسلامية التاريخية لم يقم بها الفقهاء وحدهم، وإنما شارك فيها العلماء المتخصصين في مختلف العلوم، والتجار، والقضاة، وأهل الصناعة، وأرباب الخبرة.
– غياب ثقافة المراجعة
من خصائص المؤسسات الحية الناجحة أنها تراجع نفسها باستمرار، وتتعلم من أخطائها، وتعدّل مسارها كلما ظهر لها خلل. أما المؤسسات التي تخشى النقد، أو تعتبر الاعتراف بالخطأ هزيمة، فإنها تفقد قدرتها على التطور وتذهب جهودها سدى، وهي تعتقد أنها تحسن صنعا. يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 104]
وقد علّمنا القرآن هذه الثقافة من خلال عرض أخطاء الأنبياء وأتباعهم، لا للطعن فيهم، وإنما لتعليم الأمة أن الاعتراف بالخطأ طريق إلى الكمال الممكن. وكان الخليفة الراشد عمر بن الخطاب يقول: “رحم الله امرأً أهدى إليَّ عيوبي”. وهذه الكلمة تصلح أن تكون مبدأً لكل حركة إصلاحية؛ لأن النقد الصادق ليس خصومة، بل مشاركة في التقييم والتقويم. ومن المؤسف أن بعض البيئات التنظيمية ضاقت بالنقد الداخلي، ففقدت مع الزمن قدرتها على اكتشاف الخلل مبكرًا، حتى صار الإصلاح أصعب وأكثر كلفة على المؤسسة والأفراد على حد سواء.
– أزمة خطاب الجمهور بين المثال والواقع
واجهت كثير من الحركات الإسلامية تحديًا آخر، يتمثل في اتساع الفجوة بين الخطاب المعلن والقدرة الفعلية على الإنجاز، فالخطاب الذي يعد بحلول شاملة وسريعة لجميع مشكلات المجتمع قد يحقق تعبئة جماهيرية في البداية، لكنه إذا اصطدم ببطء الواقع وتعقيداته، تحول إلى مصدر لإحباط الأنصار، وإلى مادة يستثمرها الخصوم. ولهذا فإن الصدق مع الناس يقتضي الجمع بين الأمل والواقعية؛ فلا تُصوَّر العقبات على أنها مستحيلة، ولا تُقدَّم الوعود على أنها مضمونة، سهلة المنال! وقد قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]. فالميزان في النهاية هو العمل المتقن المتجرد، لا كثرة الشعارات.
وفي علم الاجتماع السياسي تفيد الدراسات المتخصصة أن الجمهور لا يتحمس لمساندة أي تيار إلا إذا تحقق شرطان:
الأول: أن يفهم الجمهور مقاصد التيار وأهدافه، والثاني: أن يجد الجمهور لدى التيار حلاً لمشاكله الحقيقية التي يعاني منها.
إن النقد الذاتي لا يعني جلد الذات، كما أن الاعتراف بالأخطاء لا يعني إسقاط التجربة أو التقليل من حجم المنجز. بل إن التجارب الكبرى لا تنضج إلا بالمراجعة، ولا تستمر إلا إذا امتلكت الشجاعة الكافية للاعتراف بما أخطأت فيه، والبصيرة الكافية للبناء على ما أحسنت فيه. ولعل أعظم ما تحتاج إليه الحركات الإسلامية اليوم ليس الدفاع عن الماضي، ولا القطيعة معه، وإنما قراءة راشدة تستخلص الدروس، وتُبقي على الثوابت، وتُراجع الوسائل، وتُدرك أن المشروع الإسلامي أكبر من أي تنظيم، وأوسع من أي تجربة، وأبقى من أي مرحلة تاريخية.
ثانيًا: العوامل الخارجية
لا يمكن فهم تجربة الحركات الإسلامية المعاصرة بعيدًا عن السياق التاريخي والسياسي الذي نشأت فيه؛ فالأفكار لا تتحرك في الفراغ، والمشروعات الإصلاحية تتأثر بالبيئة التي تعمل داخلها، كما تؤثر فيها، فقد ظهرت معظم الحركات الإسلامية الحديثة في مرحلة تاريخية واكبت سقوط الخلافة العثمانية، وصعود الدولة الوطنية الحديثة، ومرحلة الاستعمار ثم النفوذ الدولي المتعدد الأشكال. وكان هذا التحول التاريخي الكبير يعني انتقال الأمة من إطار سياسي جامع إلى كيانات قطرية ذات أنظمة مختلفة، وهو ما فرض تحديات جديدة على كل مشروع يسعى إلى استعادة الفاعلية الحضارية للأمة الإسلامية.
– أثر طبيعة الدولة الحديثة
واجهت الحركات الإسلامية تحديًا يتمثل في طبيعة الدولة الحديثة التي تقوم على مؤسسات مركزية قوية، وعلى أنظمة أمنية وسياسية تشكلت في سياقات تاريخية مختلفة عن السياق الذي نشأت فيه الحركات الإسلامية، ولذلك لم يكن الانتقال من العمل الدعوي والاجتماعي إلى المجال السياسي انتقالًا سهلًا؛ لأن إدارة الدولة تختلف جذريًا عن إدارة تنظيم أو جماعة أو مؤسسة دعوية. فالدولة تحتاج إلى رؤية اقتصادية، وسياسة خارجية، وإدارة مؤسسات، وتعامل مع تعقيدات اجتماعية وثقافية واسعة، وهي مجالات تحتاج إلى تراكم خبرات طويلة.
ومن هنا فإن بعض التجارب كشفت أن النجاح في مجال الدعوة والتربية لا يعني بالضرورة امتلاك الخبرة الكافية لإدارة الدولة، كما أن النجاح التنظيمي لا يساوي بالضرورة النجاح الحضاري.
– أثر الصراعات الدولية
عملت بعض الحركات الإسلامية في بيئة دولية لم تكن دائمًا متقبلة لصعود تيارات ذات مرجعية إسلامية، خصوصًا في ظل ارتباط النظام الدولي بمصالح سياسية واقتصادية كبرى. وقد أدى ذلك في بعض الحالات إلى ضغوط سياسية واقتصادية وإعلامية أثرت في مسار هذه الحركات، وضيقت من فرص الكثير من هذه التجارب. غير أن الإنصاف يقتضي القول إن العامل الخارجي، رغم أهميته، لا يفسر كل شيء؛ فالأمم القوية لا تنهار فقط بسبب خصومها، بل بسبب نقاط الضعف الداخلية أيضًا في المقام الأول. وقد قرر القرآن هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139] وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 60]
فالإيمان وحده لا يلغي سنن الصراع، وإنما يدفع إلى امتلاك أسباب القوة كما أمرنا الله عز وجل.
– تأثير الإعلام والصورة الذهنية
دخلت الحركات الإسلامية الحديثة في معركة لا تقل أهمية عن المعركة السياسية، وهي معركة الصورة والخطاب، ففي عصر الإعلام المفتوح، لا يكفي أن تكون الفكرة صحيحة، بل يجب أن تُقدَّم بلغة يفهمها الناس، وبأسلوب يقترب من واقعهم الملموس وهمومهم اليومية. وقد أدى ضعف كثير من الخطابات في التواصل مع قطاعات واسعة من المجتمع إلى ظهور فجوة بين خطاب الحركة وتصور الناس عنها والتفاعل معها!
ومن الأخطاء الشنيعة التي وقعت فيها الكثير من الحركات الإسلامية من خلال خطابها الإعلامي الموجه للجمهور، هو أن تقدم نفسها وصياً على المجتمع وليس طرفاً سياسيا أو فكرياً يستمد مشروعيته من قوة الحجة وإقناع الجماهير ببرامجه وأهدافه.
ومن هنا تظهر أهمية ما أشار إليه المفكر مالك بن نبي من أن مشكلة الحضارة ليست فقط في امتلاك الأفكار، بل في القدرة على تحويل تلك الأفكار إلى واقع اجتماعي مؤثر، فالفكرة التي لا تستطيع أن تجد طريقها إلى الإنسان تبقى محدودة الأثر مهما كانت قيمتها النظرية، فما قيمة العلم إذا لم يتحول إلى عمل ملموس!
سادسًا: كيف تضيق الفجوة بين المأمول والمتاح؟
إن السؤال الأهم ليس: لماذا تعثرت بعض التجارب؟ وإنما: كيف يمكن بناء تجربة أكثر نضجًا في المستقبل؟
والإجابة تبدأ بإدراك قاعدة أساسية: أن تحقيق المقاصد الكبرى يحتاج إلى نفس طويل، وإلى تراكم علمي وتربوي ومؤسسي متين وكافي لإحداث التغير المطلوب، والوصول للغاية المنشودة.
– إعادة بناء الإنسان قبل إعادة بناء المؤسسات
لقد أثبت التاريخ أن المؤسسات لا تصلح إذا لم يصلح الإنسان الذي يديرها، ولهذا كان النبي ﷺ يبدأ دائمًا ببناء الإيمان والوعي والأخلاق قبل بناء الدولة. فالمجتمع القادر على حمل مشروع حضاري يحتاج إلى إنسان يمتلك العلم، والأمانة، والانضباط، والقدرة على التعاون، ولا يمكن لأي مشروع إصلاحي أن ينجح إذا كان همه الأكبر هو تغيير الأنظمة، بينما يبقى الإنسان الذي سيحمل هذه الأنظمة ضعيف ودون تأهيل كافٍ لحمل تلك الأمانة.
وهذا لا يتعارض أبدًا مع أهمية بناء المؤسسات القوية الفاعلة، من أكبر دروس التاريخ أن الحضارات لا تقوم بالأفراد وحدهم، مهما عظمت مكانتهم، وإنما بالمؤسسات الحقيقية الفاعلة التي تستمر في العطاء بعد رحيل الأشخاص. ولهذا فإن المطلوب بجانب بناء الإنسان، هو بناء مؤسسات تعليمية، وبحثية، واقتصادية، وإعلامية، واجتماعية، وعسكرية وغيرها، تكون قادرة على صناعة الأثر الطويل، فالحضارات لا تُبنى بردود الأفعال، وإنما بالمشروعات الممتدة التي تحسن استثمار ثروات الأمة وطاقات أبنائها.
– تفعيل فقه الأولويات
تحتاج الحركات الإسلامية إلى مزيد من العناية بفقه الأولويات، بحيث تميز بين القضايا الكبرى والقضايا الثانوية، فليس كل خلاف يستحق معركة، وليس كل مشكلة تحتاج إلى استنفار شامل. وقد قال النبي ﷺ: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت” متفق عليه.
وهذا الحديث يرسم منهجًا في إدارة الكلام والمواقف؛ فليس كل ما يعرف يقال، وليس كل ما يقال يكون نافعًا.
ومن فقه المرحلة أن تقدم القضايا التي تجمع الأمة، وتؤسس البناء، وتحقق المصالح العامة.
– التوازن بين الأصالة والمعاصرة
التجديد لا يعني تغيير الدين، كما أن الثبات لا يعني الجمود، فالثوابت هي مقاصد الوحي وأصوله، أما الوسائل والاجتهادات فتتغير بحسب الزمان والمكان والأحوال. وقد أكد الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله بوضوح على حتمية التوازن بين الأصالة والمعاصرة؛ حيث دعا إلى فقه إسلامي وسطي يجمع بين محكمات الشريعة ومقتضيات العصر، ليحفظ هوية الأمة ويجعلها قادرة على التعامل مع تطورات زمانها بوعي وفاعلية دون تفريط أو إفراط. وهذا التوازن هو الطريق بين الإفراط الذي يغلق أبواب الاجتهاد، والتفريط الذي يذيب الخصوصية الإسلامية.
وختامًا
لقد قدَّمت الحركة الإسلامية تضحياتٍ جسيمة، سواءٌ من أبنائها وقادتها وحاضنتها الشعبية، أو من المسلمين الملتزمين كلهم، فآثار الحركات -بإيجابياتها وسلبياتها- لا تمسُّ أعضاءها فحسب، بل تتعداهم إلى المسلمين كلهم. والحديث عن الحركة الإسلامية بين المأمول والمتاح هو في جوهره حديث عن العلاقة بين المثال والواقع، وبين المبادئ الثابتة والاجتهادات البشرية المتغيرة. فالمأمول الإسلامي كبير؛ لأنه يستند إلى رسالة عالمية تحمل قيم التوحيد، والعدل والرحمة والعمران. لكن الطريق إلى تحقيق هذا المأمول ليس طريقًا قصيرًا مفروش بالورود، ولا يخضع للأمنيات، وإنما تحكمه سنن الله في التغيير التي لا تحابي أحد من خلقه، وقوانين الاجتماع البشري.
وقد أظهرت التجارب أن المشكلة لم تكن في رسالة الإسلام بوصفه هداية ربانية، وإنما في قدرة البشر على فهمه وتنزيله، وفي مدى سعيهم وبذلهم في امتلاكهم أدوات القيام الحضاري والتمكين لدين الله.
فالحركة الإسلامية مطالبة اليوم بأن تجمع بين أمرين متلازمين:
اليقين التام بموعود الله لعباده المؤمنين، والتواضع في تقييم التجربة البشرية غير المعصومة من الزلل أو النقصان. فلا تجعل الإخفاقات الجزئية سببًا لليأس، ولا تجعل النجاحات المرحلية سببًا للغرور.
والمستقبل لا يصنعه من يكتفي بحفظ الماضي، ولا من يقطعه عن جذوره، وإنما يصنعه من يحسن الجمع بين هداية الوحي، وفقه الواقع، وبناء الإنسان، وإتقان الوسائل. فالمعيار النهائي ليس كثرة الشعارات، ولا حجم التطلعات، وإنما صدق العمل، وحسن المنهج، والقدرة على تحويل القيم إلى واقع يلمسه الناس. وهنا تلتقي الحكمة الشرعية مع الخبرة التاريخية فالطريق إلى التمكين يبدأ دائمًا من بناء الإنسان، وأن الفجوة بين المأمول والمتاح لا تُردم بالأماني، وإنما بالعلم، والصبر، والعمل، والتجرد، والوعي بسنن الله في الكون والحياة.
اللهم وفِّق الحركة الإسلامية إلى ما تحبه وترضاه، وألهمها الرشد والسداد، واجعل سعيها خالصًا لوجهك الكريم، وارزق أبناءها الحكمة والبصيرة، ووحِّد جهودهم على الحق، وجنِّبهم الزلل والفتن، واجعلهم مفاتيح للخير، دعاةً إلى الهدى، عاملين لإعلاء كلمة الإسلام بالحكمة والرحمة والعدل. اللهم أصلح أحوال المسلمين، واهدِنا جميعًا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
اللهم آمين.. والحمد لله رب العالمين.





