
غزة تواجه أزمة حادة مع نفاد مواد الفحص الطبي
نوفمبر 4, 2026
بقلم: الشيخ شكري مجولي – عضو مجلس أمناء هيئة أنصار النبي ﷺ
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً، والصلاة والسلام على نبينا محمد، المبعوث رحمة للعالمين، هادي الأمة وكاشف الغمة، الذي رفع الله له ذكره، وشرح له صدره، ووضع عنه وزره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
فإن مقام النبي ﷺ أرفع المقامات، وتأييده ومنعه من كلّ ما يُؤْذيه من أشرف الغايات، وتوقيره وتعزيره وإجلاله وتعظيمه عبادة من أجل العبادات، والدفاع والذب عن عرضه ﷺ، أصل من أصول الإيمان وواجب شرعي أمر الله تعالى به في قوله: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: 9].
ولأنه ﷺ مفتاح الخيرات في الدنيا والآخرة، فما من خير أصاب الناس في دنياهم إلا ببركة بعثته، وما من خير أصاب آخرتهم إلا بفضل اتباعه والإيمان به، ولأن مكانته ﷺ في قلوب المسلمين أعظم من مكانة الآباء والأمهات والأولاد، فقد وجّه له أعداء الإسلام عبر العصور سهام طعنهم وسخريتهم نحوه بأبي وأمي هو ﷺ، ظناً منهم أنهم قادرون على إطفاء نور الله أو النيل من هيبة وعظمة رسوله ﷺ حسداً من عند أنفسهم.
ويأتي هذا المقال ليؤكد بالدليل الشرعي والاستقراء التاريخي أن عاقبة المستهزئين الشانئين وخيمة وعقوبتهم محتومة في الحياة الدنيا قبل عذاب الآخرة، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ ]الحجر: 95[، مما يورث الطمأنينة والسكينة في قلوب المؤمنين بـأن الله ناصر دينه ومعلي ذكر نبيه ﷺ: قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ]الشرح: 4]، وأن كل من أبغض النبي ﷺ أو عاداه، فإن الله يقطع دابره ويمحو أثره ويحرمه من كل خير.. قال تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ]الكوثر 3[.
الكفاية الإلهية المطلقة والسنن الربانية
لقد طمأن الله عز وجل قلب نبيه ﷺ: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعۡيُنِنَا﴾ ]الطور: 48[. وهو تعبير فيه إعزاز خاص، وأُنس خاص، بأن أمر المستهزئين ليس موكولاً للبشر فحسب، بل هو قضاء إلهي تكفل الله بإنفاذه.
سنة الكفاية: قال تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: 95]. وجاء الفعل في صيغة الماضي (كفيناك) للدلالة على تحقيق الوقوع وثبوته. ولم يقل الله “كفيناك فلانا وفلانا”، بل جاء اللفظ عاما بالتعريف (المستهزئين)، ليفيد الشمول والاستغراق؛ أي أن الله كافٍ نبيه ﷺكل مستهزئ به إلى قيام الساعة1.
سنة البتر والقطع: قال تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 3]. والشانئ هو المبغض والمكره، والأبتر هو المنقطع الذي لا عقب له ولا يترك أثرا صالحا. وقد قضت السنّة الإلهية أن كل من أبغض النبي ﷺ أو استهزأ به، بتر الله ذكره، وقطع دابره، وسلب البركة من ماله وولده، وجعل عاقبته إلى ذل وخسران2.
تعجيل العقوبة الدنيوية كشاهد تاريخي وشرعي
من لطائف السنن الإلهية أن الله سبحانه قد يؤخر عقاب الظالمين إلى الآخرة، إلا في بابين اثنين يعجل الله فيهما العقوبة في الدنيا لحكمة ربانية: البغي، والاستهزاء بالأنبياء.
لماذا تُعجل عقوبة المستهزئين؟
إن الاستهزاء بالرسول ﷺ يمثل طعنا في أصل الرسالة والدين، فلو تُرك المستهزئون بلا نكال دنيوي لشك الناس في صدق الدعوة. لذلك جعل الله مصارعهم سريعة وفاضحة ليرى الخلق آيات نصرته لرسله وتثبيتا لقلوب المؤمنين.
استبشار المسلمين بسب الأعداء
ينقل شيخ الإسلام ابن تيمية تجارب عملية للمسلمين في حصون الأعداء، حيث يذكر: “كنا نحن والمسلمون إذا حاصرنا حصنا من حصون الأعداء، فاستعصى علينا، حتى إذا وقع أهل الحصن في سب رسول الله ﷺ واستهزأوا به، استبشرنا خيرا، وعلمنا أن فتح الحصن بات قريبا جداً، فلا يمر يوم أو يومان إلا ويفتح الله علينا ويهلكهم”؛ لأن الله يملي للظالم حتى إذا تعرض لجناب الأنبياء بادره بالعقوبة الفورية3.
النماذج التاريخية لمصارع المستهزئين
لم تكن النصوص القرآنيّة والوعيد الرباني مجرد تهديد نظري، بل تحولت عبر التاريخ إلى حقائق ملموسة رآها الناس رأي العين. وفيما يلي أبرز النماذج التاريخية لمصارع المستهزئين بالرسول ﷺ.
مصارع رؤوس الاستهزاء من كفار قريش
كان في مكة خمسة نفر من رؤوس قريش اتخذوا السخرية بالنبي ديدنا لهم، فأنزل الله فيهم آية الكفاية وأماتهم جميعا في أيام متقاربة بميتات شنيعة:
- ىالوليد بن المغيرة: كان شديد التكبر، يمر بالنبي وبفقراء المسلمين فيغمزهم ويلمزهم ساخرا. فأصابه الله بانتقاض جرح قديم في كعبه من شظية سهم، وسرى السم في جسده حتى مات وهو يخور كما يخور الثور4.
- العاص بن وائل السهمي: الذي قال عند وفاة القاسم ابن النبي ﷺ: “إن محمدا أبتر لا عقب له”، فأنزل الله فيه سورة الكوثر. وعاقبته أنه ركب حمارا له فدخلت شوكة في أخمص قدمه، فانتفخت رجله حتى صارت كعنق البعير، وتصاعد الألم حتى هلك5.
- أبو لهب (عبد العزى بن عبد المطلب): كان ملاحِقا للنبي ﷺ في الأسواق يُكذبه ويستهزئ به. وأصابه الله بعد غزوة بدر بسبعة أيام بمرض “العدسة” (وهي بثور قرحية معدية وقاتلة)، فمات وحيداً وتخلى عنه أبناؤه خوفا من العدوى، وبقي ثلاثة أيام حتى أنتن، ثم قذفوا الحجارة عليه من بعيد حتى واروه6.
مصارع الملوك والأباطرة الطاعنين في مقام النبوة
لقد امتدت السنّة الإلهية لتشمل كبار ملوك الأرض الذين تجرأوا على رسائل النبي ﷺ أو انتقصوا من قدره ومقداره العظيم..
- كسرى ملك الفرس (أبرويزُ بنُ هُرمزَ): أرسل النبي ﷺ كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام، فلما قرأه كسرى غضب ومزّق الكتاب، “فدَعا عليهم رَسولُ اللهِ ﷺ أن يُمَزَّقوا كُلَّ مُمَزَّقٍ”7. فلم يمضِ وقت قصير حتى ثار عليه ابنه “شيرويه” فقتله في قصره، وتفتت مملكة الفرس وتمزقت سياسيا وعسكريا حتى زال ملك الأكاسرة بالكامل.
على عكس قيصر الروم (هرقل)، الذي وصله كتاب النبي ﷺ فأكرم الكتاب وعظّمه واستقبل السفير بإجلال، فدعا له النبي ﷺ بثباتَ ملكه “فثبت له ملك بلاد الرّوم إِلى اليوم”8، ممّا يوضح الفرق بين عاقبة التوقير وعاقبة الاستهزاء.
عبرة الكاتب المرتد وكلب المغول
سجلت مدونات الحديث والسير مواقف عجيبة تدل على أن الطبيعة والحيوانات سُخرت أحيانا للانتقام من شاتمي الرسول ﷺ:
قصة الكاتب المرتد :”كان رَجُلٌ نَصرانيًّا فأسلَمَ، وقَرَأ البَقَرةَ وآلَ عِمرانَ، فكان يَكتُبُ للنَّبيِّ ﷺ، فعادَ نَصرانيًّا، فكان يقولُ: ما يَدري مُحَمَّدٌ إلَّا ما كَتَبتُ له، فأماتَه اللهُ فدَفَنوه، فأصبَحَ وقد لَفَظَته الأرضُ، فقالوا: هذا فِعلُ مُحَمَّدٍ وأصحابِه لَمَّا هَرَبَ منهم؛ نَبَشوا عن صاحِبِنا فألقَوه، فحَفَروا له فأعمَقوا، فأصبَحَ وقد لَفَظَته الأرضُ، فقالوا: هذا فِعلُ مُحَمَّدٍ وأصحابِه؛ نَبَشوا عن صاحِبِنا لَمَّا هَرَبَ منهم فألقَوه، فحَفَروا له وأعمَقوا له في الأرضِ ما استَطاعوا، فأصبَحَ وقد لَفَظَته الأرضُ، فعَلِموا أنَّه ليس مِنَ النَّاسِ، فألقَوه”9.
حادثة كلب المغول
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: كان النصارى ينشرون دعاتهم بين قبائل المغول طمعاً في تنصيرهم وقد مهد لهم الطاغية هولاكو سبيل الدعوة بسبب زوجته الصليبية ظفر خاتون، وذات مرة توجه جماعة من كبار النصارى لحضور حفل
مغولي كبير عقد بسبب تنصر أحد أمراء المغول، فأخذ واحد من دعاة النصارى في شتم النبي ﷺ، وكان هناك كلب صيد مربوط، فلما بدأ هذا الصليبي الحاقد في سب النبي ﷺ زمجر الكلب وهاج ثم وثب على الصليبي وخمشه بشدة، فخلصوه منه بعد جهد.. فقال بعض الحاضرين: هذا بكلامك في حق محمد ﷺ، فقال الصليبي: كلا بل هذا الكلب عزيز النفس رآني أشير بيدي فظن أني أريد ضربه، ثم عاد لسب النبي وأقذع في السب، عندها قطع الكلب رباطه ووثب على عنق الصليبي وقلع زوره في الحال فمات الصليبي من فوره، فعندها أسلم نحو أربعين ألفا من المغول10.
——





