
تقرير هندي يؤكد حذف عشرات الملايين من سجلات الناخبين أغلبيتهم من المسلمين
أكتوبر 16, 2026
هكذا تريد إسرائيل محو الفلسطينيين!
أكتوبر 16, 2026بقلم: ديفيد جليمور- المؤرخ البريطاني
في قلب فلسطين القديمة يرتفع جبل إيبال (EBAL) شاهقاً فوق قباب نابلس ومآذنها بمنحدراته القاحلة الكثيبة التي لا يخفف من كآبة حجارتها، التي تبدو وكأنها لا تنتهي، سوى بعض الماعز والشجيرات الشوكية، ومن قمة الجبل تمتد أراضي فلسطين في كل اتجاه: إلى الشمال الناصرة والملامح غير الواضحة للجليل، وإلى الشرق تمتد، عبر نهر الأردن، تلال موآب في خط مستقيم إلى ما وراء البحر الميت، وإلى الجنوب تقع القدس، وإلى الغرب، عبر ضباب خفيف ينعطف السهل الساحلي حول جبل الكارميل ابتداء من عكا إلى غزة وعسقلان.. أسماء مألوفة ومعالم طبيعية من كثرة ما وصفت.
شكى رجل إنجليزي في عام 1812 من أنه “قد يعتقد أن الذين كتبوا حول هذا الجزء من العالم قد استنزفوا هذا الموضوع ولم يتركوا ما يمكن أن يضيفه كاتب آخر”، يبدو أن تلك الشكوى لا تنطبق على السكان إذ ندر أن اهتم بهم الرحالة الذين كتبوا عن فلسطين؛ فلم يكن يهتم بهم كشعب، بل انصبّ اهتمامهم على الماضي.
وبعد انسحاب الإمبراطورية العثمانية من سوريا طمع الغرب في فلسطين على أساس تاريخها إذ منذ أن اصطبغت ديانتان شرقيان اليهودية والمسيحية بالصبغة الغربية وُجد من طالب بضرورة فصل موطن هاتين الديانتين عن العالم الشرقي. فالصليبيون والمبشرون والصهاينة طالبوا بفلسطين لما كانت عليه في الماضي دون اهتمام بواقعها الفعلي كدولة عربية بل وأساسا إسلامية- هكذا كانت مثل هذه المعاملة لسكانها.
إن ما يتسم به هذا القرن من جهل لا يقل سوءاً عما عليه أجدادنا، وعلى الرغم مما تعرضت له فلسطين من غزوات وتغيير حكامها كان الاستقرار العرقي هو الطابع المميز لسكانها عبر آلاف السنين، وظلوا طيلة الألف والثلاثمائة سنة الماضية لهم ثقافة عربية لا لبس ولا غموض فيها، وإن كنا قد حاولنا أن ننساها أو نغفلها، بل زعمنا في بعض الأحيان أنه لا وجود لها.
ففى إعلان بلفور عام ۱۹۱۷، تلك الوثيقة التي قررت بصورة فعالة مستقبل العرب الفلسطينيين وكانوا يشكلون آنذاك 90 بالمائة من السكان، لم يوصفوا إلا بالجماعات غير اليهودية الموجودة؛ بل إن بلفور نفسه، كوزير للخارجية البريطانية، اعترف أنه في فلسطين لا نقترح حتى المرور بشكلية مراعاة رغبات السكان الحاليين “فكان اعتقاده أن الصهيونية أكثر أهمية من رغبات وأهداف ۷۰۰ ألف عربي يعيشون في تلك البلاد القديمة”. كما كان الصهاينة القدامى يتجاهلون بدورهم سكان البلاد الحقيقيين، وطبقا لما ذكره اليهودي الروسي آشر جنسبرج، فإنهم كانوا يعتبرون الفلسطينيين إما همجاً يعيشون كالحيوانات أو أنه بكل بساطة لا وجود لهم.
وبعد سنوات عديدة أعلنت جولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل، أنه لم يكن لهم في الواقع أي وجود “لم يكن هناك ما يسمى بالفلسطينيين… لم يكن في فلسطين شعب يعتبر نفسه شعباً فلسطينياً ونحن جئنا وطردناه وانتزعنا منه بلاده، إنه لم يكن موجوداً”. وترجم الوزير الإسرائيلي للتعليم هذه الرواية الخيالية إلى سياسة رسمية بقوله للمعلمين الإسرائيليين: “من الأهمية بمكان أن يعرف شبابنا أننا حين عدنا إلى هذه البلاد لم نجد بها أية أمة أخرى، وأنه بالتأكيد لم تعِش هنا أية أمة منذ مئات السنين”. وأوضح أن العرب الذين التقوا بهم لم يكونوا سوى لاجئين مصريين حلوا بالبلاد في منتصف القرن التاسع عشر.
لم يكن هذا اللون من الدعاية مقنعاً خارج حدود إسرائيل لأن الكثيرين من رحالة ومبشرين وجنود شاهدوا بأعينهم الفلسطينيين ويعرفون أنهم موجودون، وإن كانوا يعرفون عنهم أكثر من ذلك.
لكن مواقف الغرب تجاه العرب إنما حدوها بصفة تكاد تكون دائمة، الجهل أو التعصب أو كلاهما، لقد تشكلت بعض هذه المواقف بدون وعي على أساس ما ورد في التوراة؛ الإسرائيليون ضد الفلسطينيين مترفي مصر وغيرها “كما تشكل بعضها بفعل التعصب الأوروبي ضد الإسلام الذي يرجع إلى غزوات العرب لأسبانيا وفرنسا في القرن الثامن والذي ينعكس في الأدب الأوروبي ابتداء من ”أغنية رولاند حتى ليبانتو لشسترتون”، كما يعبر عن هذا التعصب تعبيراً صادقاً عنوان كتاب لعميد نورويتش في عام ١٦٩٧: “الطبيعة الحقيقية للخداع البين في حياة محمد”.
وفي القرن التاسع عشر عندما أخذت أعداد السائحين إلى الشرق الأوسط تتزايد، شرع الأوروبيون في تقسيم العرب إلى فئات: عرب المدينة، ويصفونهم بالقذارة، والخمول، والفساد، ويرمونهم بالاحتيال والخديعة؛ فيصفهم جورج ووكر في قصص “ترولوبي” بأنهم جنس منحط ومزيف وجبان، وفي الجانب الآخر يقف عربي الصحراء الذي ينعونه بالجائل الطليق في الآفاق الواسعة، والنبيل ذو الدماء النقية الذي لا يهتم بألوان الترف، فصورة الباشا بكرشه وحريمه تقابلها صورة البدوي بوجهه الشبيه بالصقر وهو يكابد مشاق الصحراء، ولعل هذا الافتتان الرومانتيكى القائم إلى حد كبير على الجهل كان أسلوباً إنجليزياً خالصاً وإن أخذ به بعض الفرنسيين.
وكان كلما حظي العرب الرُّحل بالإعجاب المطلق ازداد الازدراء بأهل الحضر. ويفسح في يوميات الأوروبيين ومذكراتهم للتغني بمحاسن البدو مساحات لا تقل عن تلك التي تُخصص لوصف فساد وشرور المدن وأهلها، وليس أدل على ذلك النمط الرومانتيكي من رد فعل آرثر واتشوب، المندوب السامى البريطانى في فلسطين حين قال عند لقائه بوفد عربي: “لا يسع المرء إلا أن يشعر بأن الدماء النبيلة التي جرت في عروق صلاح الدين لا تجري في عروق شيوخ هذا العصر”.
إن كتابات رجال أمثال دوفتي، وبيرتون، ومآثر لورانس، وجلوب -أولئك الذين عرفوا البدو وعاشوا معهم- هي التي نشرت الإعجاب بعرب الصحراء. ولم يبدأ هذا الافتتان يضعف إلا باكتشاف النفط وإدراك أن البدوي يمكن أن تفسده الثروة المادية بنفس السهولة التي تفسد أي شخص آخر، ومع ذلك لا يزال إعجابنا بالبدوى قائما إلى حد ما، فالسائحون في القدس تقلهم العربات المكيفة لالتقاط صور للبدو الحقيقيين وهم على ظهور إبلهم، وإذا كانت الصورة قد فقدت بريقها، فإنها أجمل من أن تضيع كليةً. وكثيراً ما يصور رسام الكاريكاتير في الصحف الشعبية العرب بثيابهم الفضفاضة وأنوفهم المعقوفة وهم فوق ظهور الإبل بهدف ترك الانطباع بالقذارة.
ولا مراء من أن مواقف الغرب تجاه العرب إنما تأثرت بالمحاولات الصهيونية الرامية إلى تصويرهم بالشعب الجاهل المتخلف الذي يحتاج إلى معونة أجنبية تمكنه من التطور. ومن ثم فإن باحثا يهوديا مثل روكليف- لامان يؤكد في تعليقه على قذارة القرى العربية ونتانة ملابس الأطفال ونقص التعليم بأن “العربى عاجز تماما عن تطوير بلاده بمفرده”، وكان الزعيم الصهيوني حاييم وايزمان مغرماً بهذا التكتيك، ولذا ففي رسالة بعث بها في عام ۱۹۱۸ إلى بلفور -ولم يكن قد زار فلسطين إطلاقاً- أراد أن يحاضره عن السمات المميزة للعربي الفلسطيني قال:
“بالرغم من مهارته السطحية وسرعة بديهته فإنه خائن بطبيعته ويمارس الابتزاز ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فإن كان مسؤولاً فهو فاسق وفاسد وغير كفء، يندم على الأيام الخوالي التي كان فيها “البقشيش” هو الوسيلة الوحيدة التي تُنجز بها الأمور الإدارية، وإن كان فلاحاً فإنه متخلف عن عصره بما لا يقل عن أربعة قرون، وإن كان من الأعيان فهو أمي وغير أمين، شرِه، وغير وطني، فضلاً عن أنه غير كفء”.
وفي غضون الثلاثينيات من هذا القرن عندما بلغت الخيّالة ذروة تقدمها، باتت تستخدم في تأكيد مثل هذه الأفكار عن الفلسطينيين، وقد عرض أحد الأفلام في الولايات المتحدة في عام ١٩٣٥ وقامت بتمويله المنظمة الصهيونية “صندوق مؤسسة فلسطين”، وكان هدف الفيلم الوحيد وعنوانه “أرض الميعاد” هو عقد مقارنة بين المجتمع المتخلف في فلسطين العربية، والحماس المثالي للرواد الصهاينة، ويبدأ الفيلم بلقطات لشبه الجزيرة العربية ومصر (وإن كان الهدف هو إقناع الجمهور بأنها لقطات لفلسطين) يعقبها تعليق سريع: “هذه هي الأرض التي وعد الله بها إبراهيم، لقد عاش اليهود ذات يوم في العالم الإسلامي حين كان مركزاً لحضارة، عظيمة، وعندما طُرد تلك البلاد في الانهيار وعادت الحياة البدائية”. ويمضي الفيلم في سرد كيف يعمل الصهاينة المجدون على القضاء على الحياة البدائية، فبينما كانت التربة منذ عشرين عاما مستنقعات أو ينبشها محراث ليس إلا، تغير اليوم كل شيء وبدأت حياة جديدة وكادت المحاصيل تزرع على مدار السنة، بل هناك زعم بأن برتقال يافا ذاته الذي عرفه الصليبيون هو من نتاج النشاط اليهودي، فحقول البرتقال أو كما يسمونه بالعبرية “التفاح الذهبي” يغطي الأرض التي لم تكن تنبت حتى الشوك منذ سنوات عشر خلت.
ليست هذه المواقف تجاه الفلسطينيين قاصرة على الصهاينة فقد كانت وربما لا تزال واسعة الانتشار بين المعاصرين من الصحفيين ومعلقي الإذاعة والتليفزيون، مما جعل إدموند ويلسون وهو واحد من أبرز كُتاب أمريكا في هذا القرن من أن يكتب مثل هذا الهراء المقزز في عام ١٩٥٦ حين قال: “هكذا فإن وضع العرب في إسرائيل- كما يراهم المرء في البلاد- شبيه بوضع “النافاهو” في جنوب غرب أمريكا: أناس متخلفون على نحو يدعو إلى الشفقة، كان طابعهم في يوم من الأيام، وإن كان لا يزال صورياً، كما أنهم انفصلوا عن المجتمع الرئيسي وإن كانوا يثيرون مشكلة متكررة.. ففي مدينة كبيرة مثل عكا تثير قذارة الشوارع المكتظة في نفس الإسرائيلي عين ما تثيره من استياء في نفس أي زائر غربي، فمنظر مجموعات كبيرة من الأولاد الفقراء الأميين المرضى وهم يصبون ويشحذون في الشوارع الضيقة القذرة يثير في نفس اليهودي رعبا أخلاقيا”.
كذلك سجل آرثر كوستلر عبارة أشد بشاعة في عام ١٩٤٩، وإن كان من غير المحتمل أن يفعل ذلك الآن، ففي وصفه لمأساة ١٩٤٨ عندما تحول إلى المنفى أكثر من ثلاثة أرباع مليون فلسطيني، كتب يقول: “إن المسنين يشدون على ظهر الحمار حشية ووعاء القهوة النحاسي، فالمرأة العجوز تقود الحمار الذي يمتطيه الرجل المسن وقد التف بكوفيته وغرق في تفكير عميق في ضياع فرصة اغتصاب حفيدته الصغرى”.
وبينما ينظر الغرب بازدراء إلى العالم العربي، فإن إحدى الصور المعاصرة الأكثر إلحاحا التي تُرسم للعربي الفلسطيني، هي صورة جديدة تماما، وباتت كلمة “فلسطيني” ترسم في ذهن الملايين من البشر صورة الإرهابي، وهي صورة شخص فظ مراوغ يحمل مدفعا ومستعد لأن يقتل البشر في أي سن ومن أي جنس أو لون دون سبب واضح.
تلك هي الصورة التي تسعى الصهيونية إلى غرسها في الأذهان لأنها تضعف، ولا شك، التعاطف الدولي مع الفلسطينيين. ولقد وصف مناحم بيجن، رئيس وزراء إسرائيل، منظمة التحرير الفلسطينية بأنها أشر المنظمات، باستثناء منظمات القتل النازية، في تاريخ البشرية.
ذلك على الرغم من أن (إرجون زفاي ليومي) -وهى الجماعة الإرهابية التي قادها بيجن نفسه في الأربعينات- قد قتلت بعد ظهر يومين اثنين قدر ما قتل الفلسطينيون خلال خمسة عشر عاماً من النضال ضد إسرائيل، فلقد أدى نسف فندق الملك داود في ٢٢ يوليو عام ١٩٤٨ ومذبحة دير ياسين يوم ١٠ أبريل عام ١٩٤٨ على يد جماعة إرجون إلى مقتل ٣٤٥ نسمة.
لكن صورة الفلسطيني كإرهابي أقل شيوعا في العمل الأدبي منه في الرسوم الكاريكاتورية أو في أعمدة الرسائل في الصحف، وإن ظهرت مثل هذه الصور من حين لآخر كما هو الحال في رواية هارولد روبين المفزعة التي صدرت بعنوان “القرصان”، ورواية الرعب “الشرقي” لاريك اميلر، فالوغد في الرواية الأخيرة، وهو قائد حرب عصابات اسمه “غالد” (حقيقة أنه لا يوجد فلسطيني أو عربى بهذا الاسم تدل على جهل الكاتب بالموضوع الذي يتناوله)، هو شخص بغيض لا يُطاق، ألصق به اميلر جميع الصفات التي يرغب الصهاينة في خلقها على الفلسطينيين، فهو دائم الحديث عن قتل المدنيين الإسرائيليين، وقصف تل أبيب بصواريخ الكاتيوشا أو الخوض في بحر الدماء، أما الشخصيات العربية الأخرى في تلك الرواية فهي الأنماط القديمة التي توصف بأنها “نتنة” أو “كريهة” أو بها آثار الجدري.
ومن بين الفلسطينيين في العالم الذين يتراوح عددهم ما بين (٣،٥ أو ٤) مليون نسمة، فإن عدد المسلحين يقل عن واحد بالمائة، فبعض الفلسطينيين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة، أما الغالبية فهم اللاجئون المنتشرون في جميع أنحاء الشرق الأوسط، ولم يندمج في الدول المضيفة غير نفر قليل، ذلك لأن الوعي القومي الفلسطيني والشعور بالشخصية المستقلة أقوى من حملهم على الاندماج، إنه شعور طابعه القوة والإصرار، لا يشعر به غير شعب سُلب منه وطنه.
هناك في جامعة بيرزيت بالقرب من رام الله لوحة معلقة على أحد الجدران فوقها نص منقول عن جورج برنارد شو يقول: “لو حطمت قومية أمة فإنها لا تفكر إلا في إعادتها إلى ما كانت عليه، ولن تصغى لأي مصلح أو فيلسوف أو واعظ حتى تحقق مطلبها القومي، ولن تهتم بأي عمل، مهما كان حيوياً، سوى وحدتها وحريتها”.





