
خدعة الحكومة الهندوسية لحرمان المسلمين من حقوقهم
أكتوبر 14, 2026
المعركة الفاصلة مع بني إسـ.ـرائيل
أكتوبر 14, 2026بقلم: الشيخ الشهيد وائل الزرد – أستاذ الحديث وعلومه*
مع تتبع آيات القرآن الكريم نجد أنّ اليهودَ من أهل الكتاب قد أخذوا نصيبًا كبيرًا في شرح نفسياتهم وتبيان صفاتهم، والله سبحانه اللطيف الخبير أعلم بمن خلق؛ ولأن امتداد بني إسرائيل استمر مع العديد من الأنبياء والرسل؛ ولأنهم باقون -حسب علم الله- إلى قيام الساعة، يجادلون أهل الحق من أهل الإسلام؛ ولأن معركة الباطل سيرفع بنو إسرائيل رايتها أمام الحق وأهله، كل هذا وغيره كان السبب وراء نزول العديد من الآيات عنهم.
واليهود من بني إسرائيل خاصة، لهم مع القرآن قصة وحكاية، فلم يواجه رسول الله ﷺ في بداية العهد المدني إلا باليهود من أهل الكتاب، وذلك لسكناهم في المدينة مع الأوس والخزرج، وقد أدى هذا الاحتكاك باليهود في المدينة إلى نشوب العديد من المعارك بينهم وبين المسلمين من جهة أخرى.
- فهُمُ الذين قالوا ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: 72، 73].
- وهمُ الذين قالوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 75].
- وهمُ الذين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقْتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: 181].
- وهمُ الذين قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 64].
وأمثال هؤلاء لا يستبعد عليهم إخراج الناس من ديارهم وإبعاد الخلق عن مواطن سكناهم، فالإخراج والإبعاد عقيدة عندهم، قد مارسوه بحق بعضهم بعضًا ظلمًا وعدوانًا كما صرح بهذا القرآن الكريم ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 84، 85].
يقول د. وهبة الزحيلي: “كان سفك الدماء وتقاتل اليهود وطرد بعضهم بعضاً من ديارهم ظاهرةً شائعةً فيهم، وظللت هذه الظاهرةُ إلى عصر التنزيل القراني، فكان يهود بني قريظة حالفوا الأوس، ويهود بني النضير حالفوا الخزرج، فإذا نشبت الحرب بينهم، كان كل فريق من اليهود يقاتل مع حلفائه، فيقتلُ اليهوديُّ يهوديًا آخر، ويخربُ بعضهم ديار بعض، ويخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها من الأثاث والمال، مع أنَّ ذلك محرمٌ عليهم بنص التوراة، وإذا أُسرَ بعضهم فدوههم بالمال”1.
ولأنَّ الجزاءَ من جنس العمل، والله لا يُظلم عنده أحدٌ، حاق باليهود الظالمين الإخراج من الديار أكثر من مرة، فشرّدوا في الأرض، وقطعوا فيها حيث لا أرض لهم تقلّهم ولا سماء لهم تظلّهم ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: 168]، فقد حُكم عليهم بالتيه في الأرض، بذلةٍ ومهانةٍ متفرقين مقطعين، يسكنون الأرض كلها بلا تحديد، حتى إذا فشا ظلمهم وطغى فسادهم أذن الله سبحانه وتعالى بجمعهم في الأرض التي بارك فيها للعالمين ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء: 104] جيء بهم ليسوء وجوههم وليحيق سوء العذاب ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: 7].
ولقد تسبب اليهود الصهاينة في إبعاد وإخراج المسلمين من ديارهم [ فلسطين] ولا زالوا يتسببون في ذلك، يمارسون الإبعاد بنوعيه:
- الإبعاد الجماعي.
- الإبعاد الفردي.
والإبعاد الجماعي نوعان:
أولًا: الإبعاد الكبير للشعب الفلسطيني عام 1948م
منذ أن وطأت أقدامُ الصهاينة اليهود أرضَ فلسطين في ثلاثينات القرن الماضي، وهم يعملون بالليل والنهار على استقدام اليهود إلى بلادنا فلسطين بقصد إكثار عددهم، ليكونوا أكثر نفيراً، ويعملون كذلك لإفراغ البلاد من أصحابها الأصليين، وذلك بكل الأساليب سواء كانت أساليب ترغيبية أو ترهيبية. فقدومُهم كان -حسبَ زعمهم- لأرضٍ لا شعب فيها، وهم شعبٌ لا أرضَ لهم، فالتقى عندهم المكرُ على أمر قد دبّر بليلٍ، فجاءوا إلى فلسطين خفافاً وثقالاً، لا يألون على شيء، جاءوا يحدوهم الأمل في طرد العرب والمسلمين من البلاد ليحلوا محلهم ويأخذوا أرضهم، ووصلوا إلى بلادنا في حين ضعف وهوان للأمة كلها، فاستحلوا الأرض، واستباحوا العرض، وأحلوا بأهلنا سوء العذاب، حيث علوا في الأرض، وأقاموا المذابح الجماعية التي تهدف لإرهاب السكان الضعفاء، وقد نجحوا إلى حد كبير، حيث فرَّ الأهالي المساكين في أرض الله الواسعة، وتهجروا في البلاد العربية والإسلامية وغيرها، وأخرجوا من ديارهم وأموالهم، ففرغت الكثير من المدن والقرى والأحياء، واستوطنوها اليهود الصهاينة الظالمون
يقول الباحثان رشاد المدني وزياد أبو صالح: “لجأت (إسرائيل) منذ احتلالها للأراضي العربية عام 1967 إلى سن قوانين جديدة، واتخاذ إجراءات وقرارات مدروسة، وتطبيق سياسات متنوعة، بهدف تنفيذ مخططات وبرامج استراتيجية، تخدم مصالحها السياسية والعسكرية في الأراضي العربية المحتلة من جهة، وجهة أخرى مواجهة أعمال المقاومة الفلسطينية المسلحة، وشل فاعليتها، وضرب كل أشكال النضال، وتحطيم إرادة الجماهير، وذلك من خلال اتباع وتطبيق أساليب وممارسات قمعية ضد الفلسطينيين، وإحدى هذه الممارسات والأساليب الإسرائيلية هي سياسة الإبعاد والتهجير التي تجاوزت في بشاعتها وقسوتها كل المعايير الأخلاقية، وكل الأعراف والقوانين والمواثيق الدولية التي تحمي الإنسان”2.
وحتى يصل اليهود لمرادهم من إبعاد الفلسطينيين عن أرضهم وديارهم، سلكوا سبيل العنف والإرهاب، فقتلوا وذبحوا وسفكوا الدماء الطاهرة وأزهقوا الأرواح البريئة، ونشروا الرعب والخوف والهلع بين سكان الأرض الأصليين، مما تسبب في إثارة حالة من الرعب بين أوساط السكّان، فرَّ الكثير منهم هرباً من الموت، أو خوفاً على العيال.
وما ترك الفلسطينيون بلادهم طواعيةً، ولا باعوها رغبةً عنها إلى غيرها، فهذه أكذوبةً روّجها أدعياء الشعب الفلسطيني من أنصار دولة اليهود المتبرة بإذن الله تعالى، ومنذ أن أخرج الفلسطينيون من أرضهم إلى الآن وهم يسعون حسب قدراتهم للعودة إلى بلادهم، ويطالبون بعودة اللاجئين إلى مواطن سكناهم الأصلية، ويسقطُ في مستنقع القذارة التاريخي من يُسقط حقَّ العودة ويتنازل عنه.
يقول الأستاذ غسان عبد الله: “شرعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ بداية احتلالها لما تبقَى من فلسطين، واحتلالها لبعض الأراضي العربية سنة 1967 في تطبيق سياستها الرامية إلى تفريغ الأرض من السكان، بغية إضفاء الصبغة اليهودية بشكل مطلق على فلسطين، ولكي ينسجم الوضع والادعاء الصهيوني بأن فلسطين هي أرضٌ بلا شعب. وأحد أوجه هذه السياسة كان طرد المواطنين العرب من الأراضي العربية المحتلة أو نقلهم من أماكن سكناهم في نظير أفعال هم غير مسئولين عنها، وشمل ذلك الطرد: المثقفين، وقياديي النقابات والمؤسسات الاجتماعية والدينية”3.
ولقد تشتّت الفلسطينيون في البلاد كلها، بحثاً عن الأمن، ففي البلاد العربية لهم نصيب كبير (لبنان، وسوريا، والأردن) من المخيمات التي تعج بالآلاف من أبناء هذه الأرض المباركة الذين ألزموا بالخروج والبعد عن أوطانهم، هذا بالإضافة إلى وصول كمِّ كبير من هؤلاء إلى غير هذه البلاد، مثل (مصر، والعراق، وأمريكا وأوروبا، وغيرها) ولقد زاد عدد المهجرين المبعدين من الفلسطينيين في المنافي والشتات قرابة 5.000.000 فلسطينيًا، كلهم يحلم بالعودة إلى الأرض المسلوبة التي طُردوا منها، ولا تجد واحدًا من هؤلاء إلا وهو ينادي بحق العودة ووجوب إنهاء ظاهرة اللجوء التي اضطررنا إليها نحن الفلسطينيين، حتى لو كان الإبعاد من الضفة إلى غزة!
وفي هذا الجدول4 يتضح للقارئ الكريم أعداد الفلسطينيين اللاجئين المبعثرين في البلاد، والذين يطمحون لنيل حقهم في العودة إلى بلادهم يومًا (ما)، ولن يطول الزمان حتى ينعم كل مشرد بالعودة الكريمة المظفرة إلى موطنه ومسقط رأسه، ما دام فينا شباب الإسلام وعُمّار بيت الله، الذين امتشقوا سلاح العزّ والكرامة، واستظلوا براية الحق والقوة والحرية.
| المنطقة | داخل المخيمات | خارج المخيمات |
| الأردن | 365650 | 1810060 |
| لبنان | 197860 | 228330 |
| سوريا | 174270 | 354665 |
| الضفة الغربية | 195450 | 579720 |
| قطاع غزة | 509335 | 582545 |
| المجموع | 1442565 | 3555320 |
| المجموع الكلي للاجئين | 4.997.885 |
ثانيًا: إبعاد قيادات الحركة الإسلامية إلى مرج الزهور عام 1992 م
شاء الله سبحانه وتعالى أن يدور الزمان، وأن تتبدل الأيام، وأن يتألق هلال الإسلاميين وأن يأفل نجم العلمانيين، ففي انتفاضة المساجد -أو الحجارة كما تُسمى- انطلقت شرارة العمل الإسلامي الجهادي بصورة علنية مشرقة، متمثلةً برأس الحربة آنذاك (كتائب الشهيد عز الدين القسام) وهو الجناح العسكري التابع لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وتبعهم الإخوة في (سرايا القدس) التابع لتنظيم الجهاد الإسلامي في فلسطين، وبدأت المساجد تعج بالمصلين، وعلت صياح التكبير من كل مكان، فأرعب هذا اليهود الغاصبين، فلجئوا لاتخاذ خطوة غبية، تعيد للأذهان صورة الإبعاد الأول الذي لحق بأهلنا عام 1948م.
وعلى إثر التنامي الكبير للحركة الإسلامية في فلسطين، اتخذ السلطات الإسرائيلية الظالمة قرارًا بإبعاد أكثر من 400 من قيادات الحركة الإسلامية عن فلسطين، واختارت لهم مكانًا في الجنوب اللبناني، سُمّي: (مرج الزهور) وقد اتخذت قوات الاحتلال قرار الإبعاد في 16-12-1992م وبدأ التنفيذ في 17-12-1992م، وكان عدد المبعدين: 416 قائدًا من قُوّاد الحركة الإسلامية، وقد اختاروا الدكتور: عبد العزيز الرنتيسي -رحمه الله- ناطقًا رسميًا باسمهم.
يقول د. عبد الله عمر سلطان: “اليوم يستطيل يهود ومن خلفهم العالم النصراني الغربي المتواطئ، ويقومون بنفس الجريمة التي تحرمها قوانينهم ومواثيقهم التي لا تساوي قيمة الحبر الذي كُتبت به، لكنهم في خضّم الخوف من اشتعال الإيمان في الصدور، والجهاد في الأعضاء، ينسون أنَّ المعركة منذ هذه اللحظة دارت واستدارت وتوجهَت نحو أفق بديل، ولم تعد معركة “إسرائيل” مع منظمات تطرح العلمانية حلًا أو الشيوعية خلاصًا أو التطبيع رهانًا، أو أي مذهب آخر ساقط كمخرج لقضية المسلمين الأولى، كلا وفي ظروف دولية وإقليمية متجددة يماط اللثام مرةً أخرى عن الإسلام، فإذا هو ماثل في صورة طفل ينازل يهود، وهو يزلزلهم بآيات البقرة، أو شيخ وهو يحمل قنبلة مولتوف يقذفها في وجههم وهو يتمتم بأرجوزة ابن رواحة: “فأنزلن سكينةً علينا وثبت الأقدام إن لقينا”، أو امرأة صبرت واحتسبت وقامت بتربية تسعة رجال، كلَّ واحد منهم تعده ذخراً لقضية الإسلام شوكةً في حلق اللثام، لقد استجمعت الأمة قواها في ظلّ التوحيد، واختارت أن تعيد سيرة رجالات الإسلام الأفذاذ الذين ضحوا ويضحون في سبيل القدس، لا لكونها حجراً أو شجراً أو قطعة أرض، فهذا ما راهن عليه المارقون وحاولوا أن يجمعوا الفلسطينيين عليه لعقود، لكنَّ أبناء الإسلام تلوح لهم المساجد والمآذن وشجر الزيتون والإذخر، فيحيوها في أذهانهم رموزًا لمواطن المعركة ومسارح لساح الجهاد الذي ينتظرهم5.
وقد وقع لليهود الظالمين مرادهم في إبعاد هذا الكم الكبير من قيادات وأعلام الشعب الفلسطيني، ولكن جعل الله في الشر الذي أرادوه خيرًا لم يعلموه، وأفرغ الله من فوق سبع سماوات عزةً وكرامةً لهؤلاء ما كانوا يحلمون بها لو بقوا في الأرض المحتلة، بل ما تم تدويل قضيتهم وجهادها الإسلامي الحقيقي إلا بالإبعاد، فيا سبحان الله!
وقد بقي هؤلاء المبعدون في مرج الزهور عامًا كاملًا، جلبوا بالظلم الذي وقع عليهم كل وكالات الأنباء وأغلب المحطات الفضائية، وبدءوا ينشرون قضيتهم في الليل والنهار، وأحالوا حياة البعد والقهر إلى حياة كلها حيوية وعلمية وأخوية، وبقوا مصرين على وجوب عودتهم إلى بلادهم، وقد حاولوا ذلك بالفعل عبر مسيرات العودة مرات ومرات، حتى إذا ما أدرك العدو الصهيوني أنه وقع في شر ما نصب من فخ قرر فتح البوابات أمام هؤلاء المبعدين للعودة إلى بلادهم، ليفتح بذلك باباً عظيماً واسعاً أمام كل المبعدين بأن العودة حق كالشمس، وأنها أقرب إلينا من أي وقت مضى.
وفي تاريخ 7-1-1993م بدأ يعود المبعدون إلى فلسطين رغم أنف العدو الصهيوني، عادوا وهم يرددون: “عائدون عائدون إننا لعائدون.. عائدون للديار للسهول للجبال.. تحت أعلام الفخار والجهاد والنضال.. بالدماء والفداء والإخاء والوفاء.. إننا لعائدون”.
- إبعاد فردي للشعب الفلسطيني لا زال متواصلًا
منذ مطلع الانتفاضة الثانية واليهود الظالمون يعمدون لإقرار سياسة ممنهجة عندهم، مفادها: إبعاد كل من يرون ضرورة إبعاده عن البلاد، وذلك إما في الداخل الفلسطيني أو خارج البلاد، وقد زادت وتيرة الإبعاد الفردي بشكل واضح في الآونة الأخيرة، وقد بلغ عدد المبعدين منذ انتفاضة الأقصى في سبتمبر عام 2000م حتى الآن أكثر من 210 مواطناً فلسطينياً ولا زال اليهود الظالمون يسيرون على نفس المنهجية الظالمة.
وفي اتصال مع الإخوة في “جمعية واعد للأسرى والمحررين”6 وافاني الإخوة مشكورين بجدول مطول يوضح أعداد وأسماء المبعدين من فلسطين، سواء كان إبعادهم إلى داخل فلسطين أو إلى خارجها، وقد اختصرته لطوله فكان ما يلي:
د. وائل الزرد
| المبعدون إلى غزة | المبعدون خارج فلسطين | المجموع | |
| عدد المبعدين | 163 | 43 | 206 |
ولقد استقبل أهالي قطاع غزة المبعدين في بيوتهم، وأعطوهم ما يكفيهم من مؤونةٍ وبلغةٍ تكفل لهم الحياة الكريمة، وفتحوا لهم كل باب لنيل عيشة ملؤها السعادة والعزة والكرامة، ولقد كان للحكومة الفلسطينية في قطاع غزة دورٌ بارزٌ في استقبالهم والاحتفاء بهم، وإعطائهم شيئاً مما يستحقون من إيواء واحتضان ومكافأة مالية، يبتدئون بها حياتهم المستقبلية، وسمحت لهم بإقامة المؤسسات الخاصة بهم، والروابط التي تُعنى بشؤونهم وأمورهم، ولعلهم جمعياً يشملون بقول الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 100].
ومع أنَّ هؤلاء الإخوة المبعدين إلى قطاع غزة أو إلى غيرها، قد استراحوا من ألم السجن وآلام الاعتقال، فإنهم لا زالوا يشعرون بمرارة الغربة عن أرض الوطن، وينالون قسطاً من عذاب السفر، فهم مبعدون عن مسقط رأسهم، ومبعدون عن أهلهم وذويهم، ومبعدون أيضاً عن ممارسة حقهم الشرعي في ممارسة الجهاد والمقاومة من أجل تحرير بلادهم من أيدي الغاصبين.
وهؤلاء المبعدون وإن خرجوا من ظلام السجن وأعتقوا من ظلم السجان إلا أنهم لا زالوا يعانون من الكثير من الآلام، وفي مقدمتها البعد عن الأهل والأحباب، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: “السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ، فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ، فَلْيُعَجِلْ إِلَى أَهْلِهِ”7.
خاتمة
من خلال ما سبق عرضه تبين للباحث أن الإبعاد والإخراج من البلاد عقوبة مارسها كثيرٌ من الأقوام ضد أنبيائهم ورسلهم، فباءوا بغضب على غضب، وذلك لطردهم الأنبياء والرسل، ولقد سار على هذه السنة الخبيثة كثيرٌ من الذين كفروا حيث عمدوا لتهديد من يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر بإخراجه من بلده وبإبعاده عن موطنه. وممن ورث هذا الخبث اليهود الآثمون فإنهم لا يرقبون في المؤمنين إلاً ولا ذمة، ولا يتركون سبيلاً فيه تنغيص على حياة المؤمنين إلا سلكوه، فهم قومٌ بهت لا يحترمون ميثاقاً ولا يقدرون عهداً، وقد غرّتهم قوتهم وأزهاهم بطشهم، وما وجدوا من يوقفهم عند حدهم فتمادوا في غيهم، واستطالوا في ظلمهم وبطشهم.
وسياسة الإبعاد التي يسلكها اليهودُ الظالمون مع أبناء شعبنا الفلسطيني سياسة ممنهجة يسيرون بها عبر خطة محكمة، يهدفون من وراءها إلى تفريغ البلاد العربية الإسلامية من سكانها الأصليين، ليخلو لهم الجو في القدس وغيرها، ليقيموا ما يشاءون من بدع وخرافات يزعمون أنها من الدين، وما هي إلا ضلالات وخزعبلات. والتاريخ خير شاهد أن المبعدين عن بلادهم ظلما يعودون ولو بعد حين، وعد الله غير مكذوب، وعد الله به من سبقنا من المؤمنين، ولا زال وعد الله للمظلومين قائماً ما قامت السموات والأرض، وما هذه الدولة الظالمة المقامة فوق أرضنا العربية الإسلامية، إلا دولة السحاب في فصل الصيف، فسرعان ما سينقشع بإذن الله تعالى، ولكل المبعدين عن ديارهم نصيب من وعد الله لرسوله ﷺ بالعودة إلى مكة بعد أن أخرجه قومه منها ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [القصص: 85].
وإن حقَّ العودة الذي يطالب به الفلسطينيون في كل المحافل لا يسقطه مفاوضات هزيلة، ولا اتفاقيات ضعيفة ذليلة، ولقد بات واضحاً أن فئةً من الفلسطينيين تسعى لإسقاط حق العودة وجعله حقَّ فردياً، وهم يتكلمون اليوم عن حق التعويض والتوطين، بل ويصرح بعضهم8 أنه لا يرغب بالعودة إلى بلده التي أبعد عنها وأخرج منها، ومثل هؤلاء لا يمثلون أغلبية الشعب الفلسطيني، غير أن لهم نصيباً ليس بالهين من الإعلام والقرار الفلسطيني، ولذلك يُسمعون، ويقدمهم الاحتلال الإسرائيلي على أنهم الممثلون الرسميون للشعب الفلسطيني، وللأسف يجد بقية أبناء شعبنا وعلى المستويين الرسمي والشعبي أنفسهم مضطرين للتعامل معهم!
توصيات: بعد هذه الدراسة يوصي الباحث بما يلي:
- إعطاء قضية المبعدين حقَّها الكافي في كل المحافل المحلية والدولية.
- تفعيل دور المؤسسات التي تُعنى بالمبعدين قديمًا وحديثًا.
- إذكاء روح الجهاد في نفوس أبناء شعبنا خاصة لوضع حدِّ للاحتلال.
- الاهتمام بالمبعدين خارج وداخل فلسطين، حتى نكون وإياهم على تواصل.
- إقامة المؤتمرات والأيام الدراسية لتفعيل قضية المبعدين للضغط على الاحتلال.
- تسمية الأمور بمسمياتها الرسمية الشعبية، فهذا مطالبُ بالحقِّ ويسعى له، وذلك مفرطٌ به متنازلٌ عنه.
وصلِّ اللهم وسلّمْ على نبينا محمدٍ والحمدُ لله ربِّ العالمين.





