
نائب رئيس حزب الخضر البريطاني: تصاعد الخطاب المعادي للمهاجرين يهدد بعودة العنصرية في بريطانيا
أكتوبر 11, 2026
إجماع العلماء على حرمة التفريط في الأرض المقدسة
أكتوبر 12, 2026بقلم: محمد العوامي سفير هيئة أنصار النبي ﷺ في ألمانيا
نقول في أذاننا كل يوم: الله أكبر.. كلمة تهزّ الوجود بمعناها، وتعلن أن الله أكبر من كل شيء: أكبر من المال، وأكبر من المنصب، وأكبر من الحاكم، وأكبر من القبيلة والحزب والجماعة، وأكبر من الخوف والمصلحة والشهوة والهوى. لكن السؤال المؤلم: هل الله أكبر حقًّا في حياتنا؟
لو وُزن واقعنا بميزان الهدي الذي جاء به رسول الله ﷺ، ثم سُئلنا عن توحيدنا وصلاتنا وزكاتنا وصيامنا وحجنا وأخلاقنا.. فبماذا نجيب؟ لسنا هنا لنحاكم الناس، بل لنحاكم أنفسنا قبل أن نقف بين يدي الله.
أولًا: توحيدنا.. هل الله أكبر حقًّا؟
علّمنا رسول الله ﷺ أن تكون العبودية كلها لله، وأن يكون الله سبحانه فوق كل اعتبار: قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: 162-163]. فماذا نقول إذا أصبحت طاعة بعض الناس مقدمة على طاعة الله؟ ماذا نقول حين نخشى صاحب السلطة أكثر مما نخشى مخالفة أمر الله؟ حين نعرف الحق، ولكننا نسكت لأن قوله قد يضر بمنصب أو وظيفة أو علاقة أو مصلحة؟ وحين يصبح بعضنا شديدًا في الدفاع عن الأشخاص والجماعات والسلطات، ضعيفًا في الدفاع عن الحق والعدل؟
“الله أكبر” ليست كلمة تقال باللسان فقط؛ إنها ترتيب كامل للولاءات والأولويات.
فإن كان الله أكبر، فلا أحد أكبر من أمره، ولا مصلحة فوق شرعه، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ثانيًا: صلاتنا.. ماذا بقي منها في قلوبنا؟
ماذا نقول عن الصلاة؟ الصلاة التي كانت قرة عين رسول الله ﷺ، والتي قال الله فيها: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2].
ماذا نقول عن صلاة نؤخرها حتى تكاد تخرج عن وقتها؟ وعن صلاة ننقرها نقرًا، والعقل في الهاتف، والقلب في الدنيا، والجسد وحده أمام القِبلة؟ نستطيع أن نجلس طويلًا أمام شاشة الهاتف، ثم نستثقل دقائق نقف فيها بين يدي الله! نعرف مواعيد العمل والطائرة والاجتماعات بدقة، لكن موعد الصلاة قابل عند بعضنا للتأجيل!
إن السؤال ليس فقط: هل صلينا؟ بل: ماذا صنعت الصلاة فينا؟ ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45].
فإذا خرجنا من الصلاة إلى الكذب والغيبة والظلم وأكل الحقوق وسوء الأخلاق، فنحن بحاجة إلى مراجعة أثر الصلاة في قلوبنا وسلوكنا.
ثالثًا: زكاتنا.. أين حق الفقير؟
ثم لو سُئلنا عن أموالنا: أين الزكاة؟ أين حق الفقير والمسكين؟ أين حق المحتاج الذي قد يعيش بجوارنا ولا نعرف عنه شيئًا؟ قال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: 25].
قد ندقق طويلًا في أرباح تجارتنا وأرصدتنا وممتلكاتنا، ثم إذا جاءت الزكاة بدأ البحث عن أقل مبلغ يمكن إخراجه! وقد ننفق بسخاء على المظاهر والمناسبات والكماليات، ثم تصبح مساعدة المحتاج عبئًا ثقيلًا.
الزكاة ليست ضريبة نخسرها، بل عبادة تطهّر المال والقلب: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103].
رابعًا: صيامنا.. جوع أم تقوى؟
وماذا نقول عن رمضان؟ نصوم عن الطعام والشراب، ولكن هل تصوم ألسنتنا عن الغيبة؟ هل تصوم أعيننا عن الحرام؟ هل تصوم أيدينا عن الظلم؟ هل تصوم قلوبنا عن الحقد والحسد؟ لقد بيّن الله غاية الصيام فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
فإذا انتهى رمضان وعادت الخصومات، وعادت المعاصي، وعاد هجر القرآن، وكأن شهر الصيام كان مجرد تغيير في مواعيد الطعام والنوم؛ فعلينا أن نسأل: أين أثر الصيام؟
ليس المقصود أن نجوع ثلاثين يومًا، وإنما أن نخرج من مدرسة رمضان بقلوب أكثر تقوى ونفوس أكثر انضباطًا.
خامسًا: حجنا.. عبادة أم وجاهة وامتيازات؟
ثم يأتي الحج. ذلك النداء العظيم الذي تتساوى أمامه الرؤوس: “لبيك اللهم لبيك”. لا غَني ولا فقير، لا مسؤول ولا مواطن، لا صاحب منصب ولا إنسان عادي؛ الجميع بلباس واحد، يقفون على صعيد واحد، وينادون ربًّا واحدًا.
فكيف يتحول الوصول إلى هذه العبادة عند بعض الناس إلى مجال للمحسوبية والواسطة؟ كيف يرضى إنسان أن يحصل بوساطة أو نفوذ على فرصة ليست من حقه، بينما ينتظر غيره دوره أو القرعة سنوات؟ بأي قلب يقول: “لبيك اللهم لبيك” إذا كانت بداية طريقه إلى الحج مبنية على أخذ حق غيره؟
الحج مدرسة في التجرد من الامتيازات الدنيوية، لا مناسبة لإظهارها. وما أجمل أن يسأل الحاج نفسه قبل أن يسأل عن الفندق والحملة والخدمات: هل الطريق الذي وصلت به إلى بيت الله طريق يرضي الله؟ لا تسأل ماذا سنقول.. اسأل ماذا سنغيّر. السؤال الحقيقي ليس: ماذا كنا سنقول لو عُرض واقعنا على هدي رسول الله ﷺ؟
بل: ماذا سنقول لله حين نقف بين يديه؟
قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: 92-93]. ولهذا لا ينبغي أن تتحول هذه الكلمات إلى جلد للذات أو يأس، وإنما إلى صحوة ومراجعة وتوبة وإصلاح.. ما زال الباب مفتوحًا.. لنراجع توحيدنا حتى يكون الله أكبر في قلوبنا قبل ألسنتنا.. ولنراجع صلاتنا حتى تصبح لقاءً بالله لا حركات سريعة.. ولنطهّر أموالنا بالزكاة.. ولنجعل صيامنا طريقًا إلى التقوى.. ولنجعل حجنا عبادة خالصة لا تشوبها واسطة ولا محاباة ولا اعتداء على حقوق الآخرين.. ولنجعل أخلاقنا شاهدًا على ديننا، لا حُجة عليه.
لقد ورثنا عن رسول الله ﷺ قرآنًا وسنةً وهديًا واضحًا، ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافقنا ليس: ماذا نقول له؟ بل: ماذا فعلنا بما جاءنا به؟
اللهم ردّنا إلى دينك ردًّا جميلًا، وأصلح قلوبنا وعباداتنا وأخلاقنا، واجعل “الله أكبر” حقيقةً تحكم حياتنا، لا كلمةً تجري على ألسنتنا فحسب.
وصلّى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.





