
مخاوف من عودة الرقابة الدينية على المسلمين الروس وتشديد قبضة الدولة على المؤسسات الدينية
أكتوبر 3, 2026
هذا ما وعدنا الله ورسوله ﷺ: عندما يبدأ السقوط من العلو
أكتوبر 4, 2026
بقلم: مؤيد شقيرات – كاتب فلسطيني
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ناصر المظلومين، منجي المستضعفين، وقاصم الجبابرة والمتكبرين، وجاعل العاقبة للمتقين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، قائدنا للأبد، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:
فتُعد قضية المسجد الأقصى المبارك من القضايا المحورية في العقيدة الإسلامية، فهو قضية دينية بامتياز، مهما حاولت قوى الغرب تغليفها بأبعاد سياسية، اقتصادية، قومية أو وطنية. فهو أولى القبلتين في الإسلام، وأحد المساجد الثلاثة التي تُشد لها الرحال، وهو مَسْرَى رسول الله ﷺ، ومنه عُرِجَ به إلى السماء في ليلة الإسراء والمعراج. لهذا كان لا بد من استحضار الخطاب الشرعي الديني في تناول قضية المسجد الأقصى والأرض المقدسة المباركة فلسطين.
وفي هذا السياق، أهدف في هذه المقال التذكير بحديث من الأحاديث النبوية التي تبشر الأمة بمستقبل مشرق لبيت المقدس، وتحث المؤمنين على الثبات في مواجهة المؤامرات الصهيونية الصليبية المعاصرة. وسيرسم لنا الحديث النبوية الشريف رؤية مستقبلية زاهرة منتصرة للمسجد الأقصى الأسير ولبيت المقدس المحتل من قبل الغاصبين، حيث هناك رؤية تبشر المسلمين كافة بأن هذا المسجد الأقصى المبارك سيعود لا محالة إلى حضن الأمة الإسلامية.
ومن هذه الأحاديث ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: “لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ”.
وعليه يتبين لنا إن حقد يهود وعداؤهم للإسلام وأهله قائم منذ بزوغ نور الإسلام، وهو باقٍ إلى أن تقوم الساعة. وكتب الله عزوجل أن تكون الغلبة في النهاية لأهل الحق، حتى وإن طال ظلم اليهود وعلت دولتهم وتعاظم سلطانهم. وفي هذا الحديث، يبشرنا النبي ﷺ بأن واحدة من علامات قيام الساعة ستكون في شكل معركة فاصلة بين المسلمين ويهود، فيقول ﷺ مخاطبًا الحاضرين من أصحابه، والمراد غيرهم ممن سيكونون في آخر الزمان: “لا تَقُومُ السَّاعةُ حتى تُقاتِلوا اليَهودَ”، وسيقود المسلمون في هذه المعركة المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، بينما سيكون يهود في صف وبقيادة المسيح الدجال.
وفي هذه الحرب، سيتعاون كل شيء مع المجاهدين المسلمين، حتى أن الجمادات من الحجارة والشجر ستنطق نداءً على من يختبئ من يهود خلفها، قائلة: “يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ”. وفي رواية مسلم: “إلَّا الغرْقَدَ؛ فإنَّه مِن شَجَرِ اليهودِ”، إلا شجر الغرقد، الذي لن يتعاون معهم، لأنه من شجر يهود. وهذا النوع من الشجر معروف بوجوده في بلاد بيت المقدس، حيث هناك سيُقتل الدجال، ويُدحر يهود. والمعنى: أن كل شيء يتعاون مع المسلم من النباتات والجمادات على قتل يهود، إلا هذا النوع من الشجر؛ لذلك نسب إليهم. وهذا الحديث الشريف يحمل دلائل قوية على بقاء دين الإسلام حتى يوم القيامة، وعلى غلبته النهائية على جميع أعدائه، كما يعد من علامات صدق نبوة محمد ﷺ.
ولننتقل الآن إلى بعض الوقفات التدبرية التي قمت بها، حيث قمت بتقسيم الحديث النبوي إلى وقفات متعددة لتحليل كل وقفة على حدة بشكل أكثر تفصيلًا ووضوحًا.
الوقفة الأول: قول رسول الله ﷺ: “لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ”:
يعد هذا الحديث من معجزات رسول الله ﷺ، فقد أخبر عن قتال المسلمين ليهود في آخر الزمان قبل حدوث ذلك بأكثر من ثلاثة عشر قرنًا. وقبل 76 عامًا فقط، كان نسبة يهود في فلسطين لا تتجاوز 7% بالنسبة للسكان العرب والمسلمين في تلك المنطقة، ولم تقُم ليهود دولة بين العرب إلا بعد عام 1948م. اليوم، تستعر نيران الحرب بين المسلمين ويهود، وتظل المواجهة مستمرة على أشدها، حيث يتصاعد العدوان اليهودي ويتسارع، وينكشف طغيانهم للعالم بأسره، بينما يواصل المجاهدون في بيت المقدس، ومن خلفهم المسلمون في كل أنحاء العالم، التصدي لهذا العدوان.
ولقد توجه يهود إلى فلسطين مختارين إياها دون سواها من بقاع الأرض، بناءً على ما ورد في كتبهم المحرفة كالتلمود وبروتوكولات حكماء صهيون، حيث توقعوا تجمُّعهم في هذه الأرض في آخر الزمان. وقد سعى زعماء يهود وكتّابهم إلى تحقيق هذا التجمُّع الذي أسسوه على البغي والشر، مما يوجب عليهم عاقبة السيف والدمار. فسيأتي الوقت الذي سيشهد فيه العالم إبادتهم النهائية على يد سيدنا المسيح عيسى بن مريم عليه السلام وجنوده من المسلمين، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: 51].
الوقفة الثانية: قول رسول الله ﷺ: “فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ”:
يشير حديث النبي محمد ﷺ إلى حالة من الخوف والجبن التي ستدفع يهود للاختباء وراء الحجر والشجر رغم كل الإمكانيات العسكرية والمالية المتاحة لهم، والدعم الأوروبي والأمريكي في أيامنا هذه الذي لا يتوقف. على الرغم من كل ذلك فإن يهود، كعادتهم عبر التاريخ، لا يجرؤون على القتال إلا من خلف جدران محصنة أو في المناطق المؤمنة، وهو ما يتجلى بوضوح في واقعنا المعاصر.
ولقد تجلت حقيقة هؤلاء أمام أعيننا في يوم السابع من أكتوبر، حيث انهارت صورة “الجيش الذي لا يُقهر” واندثرت إلى غير رجعة. لقد شاهدنا مثالاً مشابهًا في معركة الكرامة، حينما خالف مشهور الجازي الأوامر، فحقق النصر وأثبت ضعف الكيان المحتل. كذلك، رأى الناس هذه الحقيقة في حرب أكتوبر عام 1973، ولولا الخيانة التي حدثت في تلك الفترة، لكان الجيش المصري قد كفى الأمة شر هذا الكيان منذ أكثر من خمسين عامًا.
وهذا المقطع من الحديث يذكّرني بآية من القرآن الكريم، بقول الله عز وجل: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر: 14]. وفي تفسير هذه الآية من “في ظلال القرآن” للشهيد سيد قطب رحمه الله، نجد وصفًا دقيقًا لواقع يهود وعلاقاتهم، مما يجعل تفسيره كأنه يتحدث عن أحداثنا الراهنة في معركة طوفان الأقصى، فقال السيد رحمه الله:
فما تزال الأيام تكشف حقيقية الإعجاز في تشخيص حالة المنافقين وأهل الكتاب حيثما التقى المؤمنون بهم في أي زمان وفي أي مكان، فقد كشفت الأحداث الأخيرة في الأرض المقدسة بين المجاهدين المؤمنين واليهود عن صدق هذه الآية بصورة لافتة. ففي الاشتباكات الأخيرة، لم يكن اليهود يقاتلون إلا من وراء تحصينات محصنة، وعندما يواجهون أي تهديد، يهربون كالجرذان، مما يجعل الآية وكأنها نزلت فيهم ابتداءً. وهذا يظهر بوضوح مدى تطابق الواقع مع ما وصفه القرآن، حتى كأنه هذه الآية نزلت فيهم ابتداءً، فسبحان العليم الخبير.
ويضيف السيد رحمه الله قائلًا: وتبقى الملامح النفسية الأخرى، كقوله تعالى: ﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾ [الحشر: 14]، على خلاف المؤمنين الذين تتضامن أجيالهم وتجمعهم أواصر الإيمان من وراء فواصل الزمان والمكان. والمظاهر قد تخدع، فنرى تضامن الذين كفروا من أهل الكتاب فيما بينهم، ونرى عصبيتهم لبعضهم البعض، كما نرى تجمع المنافقين في معسكر واحد، ولكن الخبر الصادق من السماء يأتينا بأنهم ليسوا كذلك في حقيقتهم؛ إنما هو مظهر خارجي خادع، وبين الحين والآخر ينكشف هذا الستار الخداع، فيبدو من ورائه صدق الخبر في دنيا الواقع المنظور، وينكشف الحال عن نزاع في داخل المعسكر الواحد، قائم على اختلاف المصالح وتفرق الأهواء، وتصادم الاتجاهات، وما صدق المؤمنين مرة وتجمعت قلوبهم على الله حقًا إلا وانكشف المعسكر الآخر أمامهم عن هذه الاختلافات وهذا التضارب وهذا الرياء الذي لا يتمثل الذي يتمثل حقيقة الحال، وما صبر المؤمنون وثبتوا إلا وشهدوا مظهر التماسك بين أهل الباطل ينهار، وينكشف عن الخلاف والشقاق في القلوب المتفرقة.
ويختم تفسيره لهذه الآية بقوله: ويُظهِر القرآن هذه الحقيقة ليخفف من رهبة أعداء الله ويؤكد للمؤمنين أن قوتهم تكمن في توحيد صفوفهم وإيمانهم الثابت، فالمؤمنون، عندما يتفهمون حقيقة حالهم وحال أعدائهم وفقًا لما كشفه القرآن، يتمكنون من مواجهة أعدائهم بثقة وقوة. فالقرآن يقدم لنا رؤى واضحة ومؤكدة حول واقع الصراعات وأطرافها، مما يسهم في تعزيز إيماننا ويقيننا بالنصر النهائي بإذن الله.
الوقفة الثالثة: قول رسول الله ﷺ: “فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ”:
يقول الدكتور يوسف القرضاوي رحمه الله عن نطق الشجر والحجر: “لا مانع أن يكون هذا النطق بلسان الحال، فقد قيل إن لسان الحال أفصح من لسان المقال. والكلام في اللغة هو كل ما يفيد معنى، حتى لو لم يكن بالنطق المعتاد. الأهم أن من يُكتب له النصر، يصبح كل شيء في الكون يعمل لصالحه ويشير إلى عدوه، حتى النبات والجماد. أما من يُكتب عليه الخذلان، فيصبح كل شيء ضده، حتى السلاح الذي في يده”.
نحن اليوم نرى الجمادات مثل الأجهزة الخلوية تنقل الأصوات، والطائرات الضخمة تطير في الهواء، والمركبات تسير على الأرض، وكلها من صنع الإنسان. فإذا كان هذا هو حال صنع الإنسان، فكيف بخالق الحجر والشجر؟ فكما نطق الحديد الذي كان في الأصل صامتًا، سيتكلم الشجر والحجر بإذن الله تعالى.
وإذا تأملنا واقعنا اليوم، خصوصًا في ظل أحداث معركة طوفان الأقصى، نجد أن الاحتلال لم يترك شيئًا لم يعتدِ عليه، فلم يسلم من بطشه بشر ولا شجر ولا حجر، حتى الأموات في قبورهم نالهم نصيب من عدوانه. هذا النطق المرتقب من الشجر والحجر سيكون تعبيرًا عن الظلم الكبير والقهر الشديد الذي يتعرض له الناس بسبب يهود. ما يقومون به ليس مجرد أفعال عابرة، بل هو تجسيد لتعليماتهم الدينية التي تدفعهم إلى تدمير كل شيء أمامهم.
حيث في خطاب متلفز لرئيس وزراء العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو، يوم الأربعاء 25 أكتوبر 2023، حاول أن يبرر عدوانهم على غزة مستخدمًا نصوصًا توراتية. تحدث عن حربهم ضد “العماليق”، وسعى لربط أفعالهم بنبوءة النبي إشعياء. وفي استشهاده بسفر صموئيل الأول، جاء النص القائل: “اذهب وحارب عماليق، اقضِ عليهم قضاء تامًا، هم وكل ما لهم. لا تشفق عليهم، اقتل جميع الرجال والنساء والأطفال والرضع، واقتل ثيرانهم وغنمهم وجمالهم وحميرهم، وحاربهم حتى يفنوا.”
هذا ليس موقفًا فرديًا، بل هو متأصل في تعاليمهم. الحاخام مانيس فريدمان أكد أيضًا على ما سماه “القيم التوراتية” في الحروب، واصفًا الطريقة اليهودية بأنها الطريقة الأخلاقية الوحيدة في الحرب، والتي ترتكز على شعارهم: “دمّر أماكنهم المقدسة، واقتل رجالهم ونساءهم وأطفالهم ومواشيهم”. ومن هنا نرى أن النصوص التي يقدسونها، وكبار حاخاماتهم، هم من يشعلون نيران العدوان الصهيوني ويدفعون الاحتلال إلى ممارسة أبشع الجرائم، التي لا تستثني بشرًا أو حجرًا.
وعند المقارنة مع العقيدة الإسلامية، نجد الاختلاف الجذري. فالشريعة الإسلامية تحث على احترام الحياة البشرية وتكريمها وإعمار الأرض ومنع تدميرها. من ذلك قول النبي ﷺ كما رُوي عن أنس بن مالك رضي الله عنه: “إنْ قامَتِ السَّاعةُ وفي يدِ أحدِكُم فَسيلةٌ، فإنِ استَطاعَ أن لا تَقومَ حتَّى يغرِسَها فلْيغرِسْها”. هذه التعاليم تحض على الزرع والبناء، حتى في أحلك الظروف .
لذلك نجد في هذا الحديث النبوي الشريف أن الإسلام يأمرنا بزرع الشجر حتى في أحلك الظروف وأهوال القيامة، مما يبرز قيمة الحفاظ على الطبيعة وإعمار الأرض. إضافةً إلى ذلك، حتى في حالة الحرب، نهى الإسلام عن الاعتداء على الأشجار أو تدمير المباني. وقد جاءت وصايا الرسول ﷺ للجيوش بالامتناع عن قلع الشجر أو هدم أي بناء قائم، مشددًا على ضرورة الحفاظ على ما يعمر الأرض.
لهذا، ليس من الغريب أن ينادي الحجر والشجر المسلمين في آخر الزمان ليقتلوا من كان سببًا في نشر الفساد والخراب على الأرض، أولئك الذين لم يتركوا شيئًا إلا وألحقوا به الأذى، حتى الجمادات والأشجار التي لم تسلم من عدوانهم. فالحجر والشجر مدركان تمامًا لمن يستحق النصر، وسيختاران المسلمين، الذين يمثلون الحضارة والإنسانية، لينادوا عليهم دون غيرهم.
وعند التأمل في الحديث، نجد أن الفئة التي يناديها الحجر والشجر هي “يا مسلم، يا عبد الله”. وهذا يحمل دلالتين واضحتين. أولًا: أن من سيقاتل يهود ويحرر الأرض المقدسة المباركة هم المسلمون وليس أي فئة أخرى، إذ لم يأتِ في الحديث ذكر “يا فلسطيني” أو “يا عربي”. ثانيًا: النداء بـ”يا عبد الله” يشير إلى أن المعركة هي معركة عقيدة، فالمسجد الأقصى المبارك وبيت المقدس أعز من أن ينصرهم جندٌ لا يعرفون الله أو يشركون به، فلن ينصرهما إلا من عرف الله تعالى، ومن يتبع دين الحق، وهم عباد الرحمن وحدهم.
من هنا، نستنتج أن جهادنا في الأرض المقدسة ليس مجرد جهاد على أرض وحدود، بل هو جهاد وجودي نابع من عقيدتنا الإسلامية العظيمة. قضيتنا ليست قضية وطنية أو قومية كما يحاول البعض تقزيمها وفصلها عن بُعدها العقدي. بل هي قضية دينية أصيلة، تترتب على حقنا الشرعي في بيت المقدس وأكنافه. ومن هذا المنطلق، على الأمة الإسلامية أن تربي أبناءها على هذا الفهم الإيماني الصحيح، حتى نصل إلى تحرير بيت المقدس الذي سيكون عاصمة دولة الخلافة الإسلامية الراشدة على منهاج النبوة، التي بها نحقق الحق، وندحض الباطل، ونعيد معاني العزة التي طالما اشتقنا إليها.
الوقفة الرابعة: قول رسول الله ﷺ: “إِلَّا الْغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ”:
شجرة الغرقد، المعروفة أيضًا بالعوسج عندما تكبر، هي نوع من الأشجار ذات الأشواك الكثيفة. وقد أشار الإمام النووي رحمه الله إلى أن الغرقد هو شجر شوكي معروف في بيت المقدس، كما أوضح الإمام القرطبي رحمه الله أن العوسج حين يكبر يُسمى الغرقد. تتميز هذه الشجرة بحجمها الصغير وأوراقها القاسية، فضلاً عن قدرتها العالية على مقاومة الجفاف وندرة المياه. رغم أن ثمارها حمراء وجذابة الشكل، إلا أنها غير صالحة للأكل .
تنمو شجرة الغرقد بارتفاع لا يتجاوز بضعة أمتار، وارتبطت بنبوءات آخر الزمان. يُطلق عليها “شجرة آخر الزمان” لأنها وفقًا لنبوءة رسول الله محمد ﷺ، ستكون ملاذًا لليهود في معركة النهاية. لهذا السبب، يزرعها اليهود بكثافة في المغتصبات الصهيونية.
وقفة استشرافية: مما قاله شيخ الأقصى الشيخ رائد صلاح حول قتال يهود وتحرير فلسطين:
يقول شيخ الأقصى الشيخ رائد صلاح: “إن الأقصى المبارك هو مشروع تحرير مستمر إلى قيام الساعة، وعلى الأمة الإسلامية أن تواصل العمل الدؤوب لتحريره دون انقطاع. هذا الواجب لم يبدأ بجيل الصحابة رضي الله عنهم فحسب، بل سيستمر إلى ما شاء الله من أجيال قادمة. فلا يجوز أن تثقل الأمة إلى الأرض أو تتوانى عندما تحل بالنكبات على الأقصى المبارك، سواء في هذا الزمان أو في أي زمان قادم، وفي عهد أي جيل كان. إن المنطق الإسلامي الصحيح يؤكد أن رسول الله ﷺ عندما جعل الأقصى المبارك مشروع تحرير دائم، كان يقصد أن هذا المسجد الشريف سيواجه العديد من الانتكاسات التي ستؤثر على طهره وبركته وحريته، ومن ثم فإن الواجب هو المبادرة المستمرة لتحريره”.
ويضيف الشيخ: “مثلما حدثت انتكاسات في الماضي كما يحدث اليوم، قد تحدث في المستقبل أيضًا، لذلك علينا أن نفهم أن تحرير الأقصى هو مسؤولية متواصلة تستدعي الجهاد كلما ألمت به أزمة. أما موعد قتال يهود وتحرير فلسطين، فهو محل اجتهاد وتنوع في الآراء، إلا أن اليقين لدينا هو أن تلك الأحداث ستحدث يوم أن تصبح القدس الشريف عاصمة الخلافة الإسلامية، ويوم أن يصبح الأقصى المبارك تاجًا لعاصمة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة”.
الوقفة الختامية
عندما يخرج الدجال، سيتبعه عشرات الآلاف من يهود الذين سيجتمعون معه في محاولة لقتال المسلمين. وفي ذلك الوقت، ينزل المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، ويجتمع حوله المسلمون لقتال الدجال وأتباعه. سيدعو عيسى عليه السلام يهود إلى الإسلام، ولن يُقبل منهم في ذلك الحين إلا الإسلام. فيسلم من يسلم منهم، ويظل على يهوديته من يبقى رافضًا للدعوة. هنا تكون المعركة التي أشار إليها النبي ﷺ. يتضح من ذلك أن المعركة التي سيخوضها المسلمون تحت قيادة المسيح عليه السلام ستكون معركة عادلة ومشروعة، يحبها الله تعالى بلا شك، نظرًا لأنها تسعى لتحقيق العدل وإزالة الظلم، وتدعو الناس إلى الحق والإيمان بالله. ومما يدل على ذلك:
أنها ضد الدجال ومؤيديه الذين اجتمعوا لقتال المسلمين: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:32]. بالإضافة لذلك فإنها معركة يخوضها المسلمون تحت قيادة عيسى بن مريم عليه السلام أحد الرسل الكرام. علاوةً على ذلك فإن الله تعالى يكرم المسلمين في هذه المعركة بهذه الكرامة وهي نطق الحجر والشجر ومناداته على المسلم حتى يقتل اليهودي الذي يختبئ وراءه. وأخيرًا كل ذلك يدل على أنها معركة عادلة يحبها الله، كما هو الشأن في المعارك الإسلامية كلها التي يكون المقصد منها إعلاء كلمة الله في الأرض “مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ” رواه مسلم.
وعلى ضوء ذلك فإن الأحداث الجارية اليوم، وعلى رأسها معركة طوفان الأقصى، إذا فُسرت في ضوء الحديث النبوي الشريف، فإننا ندرك أن الصراع القائم ليس مجرد صراع بين “الفلسطينيين والإسرائيليين”. إنه صراع أعمق بكثير مما يحاول البعض الترويج له، بل هي معركة بين الإيمان والكفر، الحق والباطل، الخير والشر. إنه صراع بين من سيكون في صف المسيح عيسى بن مريم عليه السلام وبين من سينضم إلى صف المسيح الدجال وأعوانه. هذا الصراع لا يقتصر على أهل الأرض المباركة فلسطين لوحدهم، بل يمتد ليشمل الأمة الإسلامية بأسرها في مواجهة القوى الغربية الاستعمارية الصهيونية، وحلفائهم في المنطقة من حكام الأنظمة العربية، الذين يمثلون أبرز أدوات تثبيت هذا الاحتلال، وعلى رأسهم قادة سلطة التنسيق الأمني المدنس الذين باتوا “أكبر شجرة غرقد زرعت في فلسطين”.
علاوةً على ذلك فقد بات واضحًا أن المؤامرات التي تُحاك لتصفية القضية الفلسطينية تتعاظم بشكل واضح، ولم تعد تقتصر على الأعداء الظاهرين فحسب، بل تتسلل من بيننا عبر المنافقين الذين باعوا دينهم وأصبحوا يروجون لمشاريع الغرب وأعداء الإسلام تحت مسميات وشعارات خادعة. ومن الواضح لكل من يملك بصيرة أن الدفاع عن القضية الفلسطينية ضمن منظومة المجتمع الدولي والقانون الدولي المضلل أو هيئة الأمم المتحدة، لا يعني سوى التفريط بالقضية وتثبيت كيان يهود بالأرض المباركة فلسطين.
وعليه، فإن تحرير بيت المقدس مسؤولية تقع على عاتق الأمة الإسلامية بأكملها. ولا يمكن تحقيق هذا التحرير إلا بالعودة إلى شرع الله وتحكيمه في الحياة، إذ لا نصر للأمة ما لم تحكم بشرع الله، والجهاد في سبيل الله هو السبيل الشرعي والواقعي لتحرير فلسطين وتطهيرها من دنس الاحتلال، وإنهاء الاستعمار الذي ألقى بظلاله على هذه الأرض المقدسة المباركة فلسطين.
والمعادلة المطلوبة الآن واضحة وهي معركة واحدة، لكنها حقيقية، تخوضها جيوش الأمة ضد العدو الصهيوني؛ الهدف هو إنهاء وجوده وتحرير المسجد الأقصى المبارك وكل شبر من الأرض المقدسة، وإغاثة غزة وأهلها المكلومين. هذه المعركة إما أن تُحقق بتضافر جهود الأمة وجيوشها لتواجه العدو مرة واحدة وتحقق النصر، أو تبقى الأمة في حالة من السكوت والخنوع، ما يؤدي إلى دفع أثمان باهظة من دماء وخراب ودمار سيصل إلى كافة أبناء الأمة الإسلامية أينما كانوا ولن يقتصر ذلك على أهل بيت المقدس فحسب.
في الختام، نستذكر قول الله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ﴾ [آل عمران: 139-141] فهذه الأيام تتداول بين الناس، ليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منهم شهداء. فلا تيأسوا من رحمة الله، فهو ناصر عباده المؤمنين، وإن موعدنا قريب مع تكبيرات النصر وصلاة الفتح والتحرير في المسجد الأقصى المبارك، رغم قسوة الأحداث التي تمر بها الأمة الإسلامية عامة، وأهل فلسطين وقطاع غزة خاصة.
ونؤمن يقينًا أن وعد الله حق، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: 7]. وستتحقق بشرى النبي ﷺ: “لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ”.
فاللهم انصر الإسلام والمسلمين بأتقياء المؤمنين، وانصر المجاهدين، واجعلنا ممن يحررون بيت المقدس ويقتلعون علو يهود والظالمين. اللهم طهر صفوفنا من المنافقين والمتخاذلين والمنسقين والمطبعين، واهزم الأحزاب من يهود والصليبيين ومن حالفهم. اللهم أنزل علينا نصرك الذي وعدت، نصرًا عزيزًا يُرفع فيه الحق وتعلو فيه راية الإسلام، ويقام به خلافةً راشدةً على منهاج النبوة تحكمنا بشرع رب العالمين وتحرر الأسرى والمسرى وفلسطين وسائر بلاد المسلمين، اللهم آمين، والحمد لله رب العالمين.





