
كندا: الجالية المسلمة في يوكون تشدد إجراءات الأمن بعد اعتـ.ـداءات على مسجدها
سبتمبر 18, 2026بقلم: مارسيل بوازار – المفكر والقانوني الفرنسي*
وأما الأسرى فتنقل كتب الحديث والسُّنة وصية محمد التالية: “الأسرى إخوة لكم وأعوان، وهم في أيديكم بنعمة الله. وإذ هم تحت رحمتكم فأطعموهم كما تطعمون وألبسوهم كما تلبسون، وآووهم كما تأوون. ولا تكلفوهم عملاً فوق طاقتهم، بل ساعدوهم على إتمام أعمالهم”. ويذكر القرآن إحسان المسلم إلى الأسرى بين الحسنات وأعمال البر والتقوى مرات كثيرة جداً: ﴿وَیُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِینࣰا وَیَتِیمࣰا وَأَسِیرًا﴾ [الإنسان: 8].
وتُعد التنظيمات التي قررها التشريع القرآني أكثر إسهامات الإسلام ديمومة في توسيع قانون الحرب، وأعظمها مجلبة للفخر. وتكثر الأمثلة في التاريخ الإسلامي عن المروءة والإنسانية في معاملة الأسرى منذ أيام النبي1 حتى زمن صلاح الدين الكبير الذي حرر، كما يؤكد مؤرخو تلك الحقبة من المسلمين، عدداً كبيراً من الأسرى الصليبيين، بعد أن تأكد له أنه لا يملك ما يكفي من القوت لإطعامهم جميعاً2. وقد أشارت إلى هذه الواقعة مصادر أصيلة لا تُحصى.
ويجب أن ندخل في حسابنا التقهقر في الزمن وتطور الأخلاق لندرك جيداً المظهر الأصيل والثوري لتعليمات محمد في القرن السابع الميلادي.. يوم كان التقليد في الجزيرة العربية يقضي بفداء الأسرى، وقتل مَن لا يملكون شراء حريتهم منهم. وفي الحقبة نفسها كان الملك “الطيب” داغوبير في الغرب يغرز سيفه في أرض المعركة ويقتل جميع الناس الذين تعلو قامتهم طول السيف من القوم المغلوبين.
ويعلمنا القرآن والفقه والسيرة الكثير بشأن الوضع المخصص للأسرى. وتنبغي الإشارة إلى أنه ليس هناك إجماع في الرأي، ولا هو يبدو دائماً مطابقاً للنصوص القرآنية، ولا للممارسة المتبعة بصورة عامة، إذا أخذنا بأقوال المؤرخين. ففي رأي الفقهاء أن رئيس الجماعة هو الذي يبتّ في مصير الأسرى، ويمكنه الاختيار بين أمور أربعة: القتل الفوري، والاسترقاق، والفدية أو المبادلة بالأسرى المسلمين، وأخيراً التحرير من طرف واحد بلا قيد ولا شرط.
وجميع الفقهاء المسلمين القائلين باحتمال قتل قسم من الأسرى أو قتلهم جميعاً على الفور متفقون على الاعتراف بأن القتل تدبير استثنائي تمليه الضرورات العسكرية أو مصلحة الجماعة العليا. وليس في القرآن ما يحكم أو يرخص بقتل الأسرى. ولا يلحظ التنزيل سوى تدبير من اثنين: الفدية أو التحرير. وتبدو السلطة التشريعية الرئيسية القديمة من هذا الرأي.
وتدل السيرة من جهة ثانية على أنه لا النبي ولا خلفاؤه سمحوا بقتل الأسرى. بل يبدو على العكس أن صحابة محمد وجيوشهم لم يتقبلوا بسهولة وصايا الإسلام الإنسانية. فبعد غزوة بدر مثلاً، وكانت أول نصر حاسم للقوات الإسلامية، وقف في وجه المطالبين بمعاملة رحيمة لإعلاء شأن الإسلام والتعجيل بانتشاره3، فريق4 يطالب باسم العدل بقتل الأعداء الذين أذوا الجماعة الإسلامية الناشئة بشكل غير طبيعي. وقرر محمد تحرير الأسرى بفدية والاحتفاظ بمن لا يقدرون على تحرير أنفسهم. ولقد حُرِّر هؤلاء على كل حال بعد تعليم كل منهم عشرة من صبيان المدينة القراءة والكتابة.
وكان سجن الأسرى واسترقاقهم رائجَين حتى العصور الحديثة. ولم يكن إخضاعهم للعبودية، علاوة على أنه كان يستجيب لضرورات اقتصادية، محفوزاً على وجه العموم باعتبارات إنسانية، بل باعتقاد أسطوري بأن للمنتصرين عليهم حق الحياة أو الموت. ولقد كان من الممكن أن يرث الإسلام هذه العادة عن الفرس والبيزنطيين الذين احتكّت بهم جيوش المسلمين بعنف في وقت مبكّر جداً.
وتفيد كتب الحديث والسيرة أن محمداً رضي بتوزيع الأسرى من الأعداء على المسلمين ليتّخذوهم عبيداً ولكنه ألزمهم بشرط قاطع هو أن يعاملوهم معاملة إنسانية ولا يكرهوهم على الأعمال الشاقة. كما تفيد أن النبي، وإن لم يمنع منداً باتاً من استرقاق أفراد قبيلة مهزومة، تمكّن من دفعهم إلى عتقهم بزواجه من امرأة تمُتّ ببعض الشيء بالقربى إلى المغلوبين.
ولما كان القرآن لا يلاحظ استرقاق أسرى الحرب، فإنه يمكن أن نتصوّر أن التدبير لم يكن أكثر من إمكان عقاب، على أساس المعاملة بالمثل. وإذا نظرنا إلى قِدَم العهد، أمكننا الادعاء من جهة أخرى بأن العبودية ما كانت إلا أهون الشرور. شرّ يبقي على حياة البشر ويؤلف شكلاً من أشكال الحجز المؤقت. يضاف إلى هذا أن الفدية أو التبادل أو التحرير لم تكن فقط ممكنة الحصول، بل كانت واجبة وإلزامية.
والحُكم القرآني الواضح ﴿حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلۡحَرۡبُ أَوۡزَارَهَاۚ﴾ [محمد: 4] يمثل حدّ الأسر في الزمان. فما أن تنتهي الحرب حتى يتوجب تحرير الأسرى، بشرط واحد هو أن يُعاد الأسرى المسلمون، وكان الاحتفاظ بالأسرى الأعداء يغذي بيت المال بالفدية، ويسمح على الأخص بمبادلتهم بالأسرى الواقعين في قبضة العدو من مسلمين ورعايا غير مسلمين.
وقد سبق أن نص بند في أول معاهدة عقدها محمد مع أهل المدينة على أنه ينبغي على الأنصار ألا يتركوا سانحة لتأمين عودة الأسرى من أقربائهم، كما ألحّ الخلفاء الراشدون إلحاحاً شديداً على أن تبذل الإدارة الإسلامية أقصى الجهود لتأمين عودة الأسرى المسلمين إلى ديارهم.
وكانت بعض التنظيمات التشريعية تُلِزم كذلك المقاتلين المسلمين الأسرى لدى أمّة معادية؛ فقد كان ينبغي عليهم البقاء على الدين الإسلامي، كما كان محرّماً عليهم تحريماً قاطعاً أن يشاركوا في الحرب ضد المجتمع الإسلامي، أو أن يقدموا للعدو معلومات ذات طابع عسكري. وفي الوقت نفسه، كان المذهب يعتبر تحرير المسلمين واجباً مطلقاً على الرئيس، سواء عن طريق المبادلة بالأشخاص، أو بالأملاك أو بدفع فدية. وقد غدا هذا المقتضى ممارسة مألوفة ورائجة.
وكان الإسلام ينظم الشروط والترتيبات الخاصة بعودة الأسرى في معاهدات تعرف بـ“الفداء”. وقد جعلت كثرة الحروب بين الإسلام والعالم الخارجي هذا الإجراء شبه روتيني. ولم يكن إسهام هذه الخبرة في إنقاذ حياة الألوف من البشر وتأمين الحماية لجنود الأعداء الذين دارت عليهم الدوائر بالقليلة5. وأتاحت فوق هذا لأوروبا القرون الوسطى أن تعي وضع الأسرى المسيحيين في الشرق وتدرك أنه بات ممكناً شراء حريتهم.
ولم تكن حالات التحرير غير المشروط نادرة في التاريخ الإسلامي. وأشهر أمثلته مثل النبي إذ حرّر تحريراً غير مشروط جميع أسرى فتح مكة. ثم مثل صلاح الدين إذ أطلق المسيحيين الذين لم يكونوا يملكون الفدية لدى سقوط القدس في أيدي الجيوش الإسلامية.
ويرى المشرعون المسلمون المحدثون، تبعاً لظاهر النص القرآني، ووفقاً لروح التنزيل، أن على الرئيس الإسلامي أن يختار بين تحرير الأسرى من طرف واحد، وبين مبادلتهم بالمسلمين الواقعين في يد الأعداء أو لقاء فدية يحددها. ويبدو هذا التفسير حقاً التفسير الملائم من خلال منظور أسباب “الجهاد” الإسلامي وحدوده وغاياته.
ـــــــــــــــــــــــ
* مارسيل بوازار، إنسانية الإسلام، ترجمة: د. عفيف دمشقية، ط1 (بيروت: دار الآداب، 1980م)، ص285 وما بعدها.
1 تنقل كتب السُّنة أن المكيين المهزومين في بدر عوملوا معاملة حسنة في المدينة حيث اقتيدوا أسرى، حتى أنهم قالوا: “لله در أهل المدينة، أركبونا خيولهم وساروا على الأقدام، وأطعمونا خبزهم وتبلغوا بالتمر على قلته”. انظر علي عامر، “روح…”، ص٦٣، وتوغاي، “محمد…” ص١٣٠، وغلوش، “الإسلام…”، ص٦٥.
2 وعلى أرض فلسطين نفسها، قتل نابليون بعد سبعة قرون أمام عكا جميع أسراه السوريين لأنه لم يكن يملك ما يكفي لإطعامهم. أبو زهرة، “مفهوم…”، ص٦٣.
3 كان أبو بكر يمثل هذا الفريق.
4 كان عمر يمثل هذا الفريق.
5 يذكر خدوري، “الحرب”، ص٢١٧ أن معاهدات المبادلة كانت كثيرة، ولا سيما في العهد العباسي. فهناك اثنتا عشرة معاهدة فداء أو مبادلة معروفة في السنوات الأولى فقط من خلافة هارون الرشيد.





