
خطورة السجن على الإنسان: السجين والسجان!
سبتمبر 17, 2026بقلم: سليمان بن ناصر العلوان – فك الله أسره*
إن موقف الإسلام من الأسرى قبل أربعة عشر قرناً موقف مثالي رائع قبل أن تأتي الاتفاقيات الوهمية الكافرة التي مازالت غير نافذة إلى الآن على غالب الدول الكبرى.. إن الشريعة الإسلامية حرمت كل ما يخل بالقيم الإنسانية، في الحرب والسلم وفي المنشط والمكره، فتأمل تشريعها في حالة الأسرى فقد ضربت القدح المعلى في الرفق بالأسرى والرحمة بهم، والعناية بشأنهم.
وقد قال الله تعالى في وصف عباده الأبرار: ﴿وَیُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِینࣰا وَیَتِیمࣰا وَأَسِیرًا﴾ [الإنسان: 8]، وكان الرسول ﷺ يطلق صراحهم في بعض الأحيان، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين يريدون غرة النبي ﷺ وأصحابه، فأخذهم سلماً، فاستحياهم، فأنزل الله عز وجل ﴿وَهُوَ ٱلَّذِی كَفَّ أَیۡدِیَهُمۡ عَنكُمۡ وَأَیۡدِیَكُمۡ عَنۡهُم بِبَطۡنِ مَكَّةَ مِنۢ بَعۡدِ أَنۡ أَظۡفَرَكُمۡ عَلَیۡهِمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِیرًا﴾ [الفتح: ٢٤]1.
وجاء عن أبي عزيز بن عمير أخي مصعب بن عمير قال: كنت في الأسرى يوم بدر فقال رسول الله ﷺ “استوصوا بالأسارى خيراً”، وكنت في نفر من الأنصار وكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم أكلوا التمر وأطعموني الخبز بوصية رسول الله ﷺ إياهم”2.
وقد نصّ الفقهاء على أنه لا يجوز تعذيب الأسير بالجوع والعطش وغير ذلك من أنواع التعذيب لأن ذلك تعذيب ليس له فائدة، وجاء في صحيح الإمام مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين: قال كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ، وأسر أصحاب رسول الله ﷺ رجلاً من بني عقيل وأصابوا معه العضباء، فأتى عليه رسول الله ﷺ وهو في الوثاق، قال يا محمد فأتاه فقال: “ما شأنك؟” فقال: بم أخذتني وبم أخذت سابقة الحاج؟ فقال إعظاما لذلك: “أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف”. ثم انصرف عنه فناداه فقال: يا محمد يا محمد.. وكان رسول الله ﷺ رحيماً رقيقاً فرجع إليه فقال: “ما شأنك؟” قال: إني مسلم. قال: “لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح”. ثم انصرف فناداه فقال: يا محمد يا محمد. فأتاه فقال: “ما شأنك؟” قال: إني جائع فأطعمني وظمآن فاسقِني. قال: “هذه حاجتك” ففدي بالرجلين3.
قال الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار: ومعنى قوله “هذه حاجتك” أي حاضرة يؤتى إليك بها الساعة!4
فهذا دين الإسلام الحنيف، دين رحمة وعدل، وقد أمر بالعدل حتى مع أعداء الحق وخصومه، وضرب ديننا من المفاخر التي لا يمكن أن يتطاول إليها قانون دولي وضعي لا يزال حبراً على ورق! ولن تتسامى إليها في المستقبل قواعد دولية نافذة، ونبينا ﷺ جاء بالرحمة والعدل والإحسان، والله تعالى قال عنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
وقد شهد بعض عقلاء الغرب على رحمة هذا الدين؛ يقول جوستاف لوبون: “ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم ولا أعدل من العرب”.
أمر الإسلام بفك الأسرى
ومن رحمة هذا الدين أن أمر الإسلام بفك الأسرى من أيدي أعدائهم، فإذا وقع أسير في يد العدو فيجب على المسلمين أن يبذلوا كل مجهود لتخليص أسيرهم إما بالقتال، فإن عجز المسلمون عن القتال، وجب عليهم الفداء بالمال، فقد قال رسول الله ﷺ: “فكوا العاني” -يعني الأسير- “وأطعموا الجائع، وعودوا المريض”5.
وجاء في صحيح البخاري عن مطرف أن عامراً حدثهم، عن أبي جحيفة رضي الله عنه، قال: قلت لعلي رضي الله عنه هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: “والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما أعلمه إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن، وما في هذه الصحيفة”. قلت وما في الصحيفة؟ قال: “العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر”6.
وعن ابن عباس قال: قال عمر رضي الله عنه: “كل أسير كان في أيدي المشركين من المسلمين ففكاكه من بيت مال المسلمين”7. وروى ابن أبي شيبة في مصنفه أيضاً قال: حدثنا وكيع، قال: ثنا أسامة بن زيد، عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن قال: قال عمر: “لأن أستنفذ رجلاً من المسلمين من أيدي الكفار أحب إليّ من جزيرة العرب”. وهذا فيه انقطاع.
وقد عملت أيدي جماعة من حكام المسلمين أعظم البطولات في تخليص الأسرى وكف الأيادي المعتدية عليهم، فهذا الحكم بن هشام أمير الأندلس لما سمع أن امرأة مسلمة أخذت سبية، فنادت: “واغوثاه يا حكم”. فعظم الأمر عليه، وجمع عسكره، واستعد وحشد وسار إلى بلد الفرنج سنة ست وتسعين ومائة، وأثخن في بلادهم، وافتتح عدة حصون، وخرب البلاد ونهبها وقتل الرجال وسبى النساء، وغنم الأموال، وقصد الناحية التي كانت بها تلك المرأة، حتى خلصها من الأسر، ثم عاد إلى قرطبة مظفراً.
ولما رجع المنصور بن أبي عامر من إحدى غزواته في شمال الأندلس قابلته امرأة مسلمة على أبواب قرطبة، وقالت له: إن ابني أسير عند النصارى ويجب عليك أن تفديه أو تأتي به. فما دخل المنصور قرطبة، بل عاد بجيشه حتى فك هذا الأسير.
وتاريخ المسلمين الصادقين مليء بهذه المفاخر العظيمة، إنه الصدق والوفاء، والبر والإخاء، عزائم مخلصة، وحكامٌ أفذاذ يعملون لشعوبهم ولو على حساب زوال ملكهم، ويعيشون نكبات أمتهم، ويريبهم ما يريب أمتهم وشعوبهم، ولمثل هذا فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
حُكم فك الأسرى
ووجوب فك الأسرى من الأمور الظاهرة في الشريعة الإسلامية، وقد تواترت بذلك الأدلة، واتفق على ذلك الأئمة، وأجمع على ذلك المسلمون.
قال الإمام أبو محمد بن حزم رحمه الله: “واتفقوا أنه إن لم يُقْدَر على فك المسلم إلا بمال يعطاه أهل الحرب، فإن إعطاءهم ذلك المال حتى يفك ذلك الأسير واجب”8.
وروى سعيد بن منصور في سننه عن ابن عياش، عن عبد الرحمن بن أنعم (وفيه ضعف) عن المغيرة بن سلمة، عن عبد الرحمن بن أبى عمرة قال: لما بعثه عمر بن عبد العزيز بفداء أسارى المسلمين من القسطنطينية قلت له: أرأيت يا أمير المؤمنين إن أبوا أن يفادوا الرجل بالرجل كيف أصنع؟ قال عمر: زدهم. قلت: إن أبوا أن يعطوا الرجل بالاثنين؟ قال: فأعطهم ثلاثاً، قلت: فإن أبوا إلا أربعا؟ قال: “فأعطهم لكل مسلم ما سألوك فوالله لرجل من المسلمين أحب إليّ من كل مشرك عندى! إنك ما فديت به المسلم فقد ظفرت، إنك إنما تشترى الإسلام”. ثم قال مبعوث عمر في فداء الأسرى: فصالحت عظيم الروم على كل رجل من المسلمين رجلين من الروم9.
وقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام: “فأما المسلمون فإن ذراريهم ونساءهم مثل رجالهم في الفداء، يحق على الإمام والمسلمين فكاكهم واستنقاذهم من أيدي المشركين، بكل وجه وجدوا إليه سبيلاً، إن كان ذلك برجال أو مال، وهو شرط رسول الله ﷺ على المهاجرين والأنصار”10.
مذاهب العلماء في ذلك:
– قول الأحناف
قال الكمال بن الهمام: “إن إنقاذ الأسير واجب على الكل من المشرق والمغرب”11.
– قول المالكية
قال ابن العربي: “إلا أن يكونوا أسرى مستضعفين فإن الولاية معهم قائمة والنصرة لهم واجبة بالبدن، بأن لا يبقى منا عين تطرف حتى تخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم حتى لا يبقى لأحد درهم، كذلك قال مالك وجميع العلماء، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما حل بالخلق في تركهم إخوانهم في أسر العدو وبأيديهم خزائن الأموال وفضول الأحوال والقدرة والعدد والقوة والجلد”12.
وقال القرطبي رحمه الله: “ولعمر الله لقد أعرضنا نحن عن الجميع بالفتن، فتظاهر بعضنا على بعض! ليت بالمسلمين، بل بالكافرين! حتى تركنا إخواننا أذلاء صاغرين يجري عليهم حكم المشركين فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! قال علماؤنا: فداء الأسارى واجب وإن لم يبق درهم واحد. قال ابن خويز منداد: تضمنت الآية وجوب فك الأسرى وبذلك وردت الآثار عن النبي ﷺ أنه فك الأسارى، وأمر بفكهم وجرى بذلك عمل المسلمين وانعقد به الإجماع، ويجب فك الأسارى من بيت المال، فإن لم يكن فهو فرض على كافة المسلمين ومن قام به منهم أسقط الفرض عن الباقين”13.
– قول الشافعية
قال في مغني المحتاج: حمل البلقيني استحباب فك الأسرى على ما إذا لم يعاقبوا، فإن عوقبوا وجب، وحمل الغَزِّي الاستحباب على الآحاد، والوجوب على الإمام وهذا أولى14.
والصحيح أنه واجب مع القدرة مطلقاً، وحكى غير واحد الإجماع على هذا.
– قول الحنابلة
قال ابن قدامة: “ويجب فداء أسرى المسلمين إذا أمكن، وبهذا قال عمر بن عبد العزيز ومالك وإسحاق”15.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: “فكاك الأسرى من أعظم الواجبات وبذل المال الموقوف وغيره من أعظم القربات”16.
وهذا واجب الدول والجماعات والأفراد، كلٌ على قدر طاقته، فهذا بماله من الصدقات والزكوات، وهذا بجاهه، وذاك بقوته وسلطانه، ولا يُعذر أحد بالتخلف عن مناصرة هؤلاء الأسرى، فهذا ما تفترضه الأخوّة الإيمانية، والعقيدة الإسلامية، والطبيعة الإنسانية، وقد قال النبي ﷺ: “ومَن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كُربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة”17.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* سليمان بن ناصر العلوان، أمريكا والأسرى، دار العلوان – نسخة إلكترونية، ط1، ص5 وما بعدها.
1 روى ذلك الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه (1808) من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه.
2 2 أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (22/ 393) وفي الصغير (1/ 250) من طريق محمد بن إسحاق حدثني نبيه بن وهب عن أبي عزيز بن عمير أخي مصعب بن عمير به وقال الطبراني في (الصغير): “لا يُروَى عن أبي عزيز بن عمير إلا بهذا الإسناد، تفرد به محمد بن إسحاق”. وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد): إسناده حسن.
3 صحيح الإمام مسلم (1641).
4 نيل الأوطار (8/ 147).
5 أخرجه البخاري (3046) من طريق منصور، عن أبي وائل، عن أبي موسى رضي الله عنه.
6 صحيح البخاري (3047).
7 رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (6/ 497) وفيه علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف الحديث.
8 في مراتب الإجماع (122).
9 سنن سعيد بن منصور (2822).
10 كتابه الأموال (166).
11 حاشية ابن عابدين (4/ 126).
12 في أحكام القرآن (2/ 887).
13 الجامع لأحكام القرآن (2/ 22).
14 مغني المحتاج (4/ 261).
15 في المغني (10/ 498).
16 في الفتاوى (28/ 635).
17 متفق عليه من طريق الليث عن عقيل، عن بن شهاب، أن سالماً أخبره أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أخبره أن رسول الله قال، فذكره.
انقر هنا لتحميل العدد 52 كاملاً





