
“أديداس” تواجه مقاطعة عالمية مستمرة بعد محاولة تبييض صورة الاحتلال
سبتمبر 12, 2026
السجن والنفي في الإسلام
سبتمبر 13, 2026بقلم: المحقق السوري المعروف محمد أديب الجادر* – رحمه الله
الحمد لله كما أمر، وله الشكر على ما أنعم ووهب، وهو القائلُ بمُحْكم تنزيله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٨٤]، كلُّ شيءٍ عنده بمقدار، خلق الإنسان، ووضع الميزان؛ وقال عزّ من قائل: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٦، ٧] سريع الحساب، أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدّين كلّه نذيراً وبشيراً، ليقيم الدّين، ويبشّر المخبتين، ويجاهد الكافرين، أرسله لإقامة شرعه، وإنفاذِ حُكْمِهِ. فللّه الحكم وله الأمر، وضع الحدود، وجعل التعزير رأفة ورحمةً لعباده في هذا الوجود.
ومنذ تمّ أمر الله، وقامت دولة الإسلام، وتوطّدت أسسه وأركانه ظهرت الحاجة في كثير من الأحكام إلى ترشيد الزّالّين عن الصراط، بتعويقهم وسجنهم، وقد ورد في القرآن الكريم أكثرُ من آية تأمر الحاكم بسجن الجناة، كقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣] ومعنى ﴿يُنفَوْا﴾: يُسجَنوا لأن نفيهم حقيقة من الأرض لا يُعقَل، فإن أيّ مكان يرسلون إليه هو من الأرض.
وقال رسول الله ﷺ: “لَيّ الواجد يُحلّ عرضه وعقوبته”1.
لم يكن السجن بدعاً، وإنما هو قديم قدم الإنسان الأول، واليقينُ الذي لا شك فيه أن مؤسسة السجن هي من أُولَى المؤسسات التي ابتدعها الإنسان، ولا يتّفق الإسلام مع غيره من الأنظمة التي أخذت بنظام السجون إلا بالاسم فلم يكن السجن في الإسلام أداة قَهْرٍ وتعذيب، ولا انتقام وتدمير بل هو أقرب ما يكون إلى المدرسة الاجتماعية، والمؤسسة الأخلاقية منه إلى السجن.. بل إننا نستطيع القول: إن السجن في النظام الإسلامي – أعني النظام الذي قام على شريعة الله تعالى، وسنّة نبيه ﷺ– لم يكن سوى مستشفى للأمراض النفسية والعصبية والفكرية والسلوكية.
وقد أوجد المسلمون دستوراً لنظام الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي لا نجده في أرقى دول العالم، كتب عمر بن عبد العزيز لأمراء الأجناد:
“وانظر مَن في السجون ممّن قام عليه الحقُّ، فلا تحبسه حتى تقيمه عليه، ومن أشكل أمره فاكتب إليَّ فيه، واستوثق من أهل الدَّعارات، فإن الحبس لهم نكال، ولا تَعَدَّ في العقوبة، وتعاهد مريضهم ممَّن لا أحد له ولا مال، وإذا حَبَستَ قوماً في دَيْنٍ فلا تجمع بينهم وبين أهل الدَّعارات… وانظر من تجعل على حبسك ممّن وثقت به، ومن لا يرتشي، فإن من ارتشى صُنع ما أُمر به”.
هذا هو النهج الذي خطَّه عمر بن عبد العزيز، والذي ذكره دائماً في رسائله: “أما بعد، فاستوصِ بمن في سجونك وأرضك حتى لا تصيبهم ضيعةٌ، وأقم لهم ما يصلحهم من الطعام والإدام”.
وما زلنا نجد نفحاتٍ طيبة من ذلك الأصل الزكي، فأحمد بن طولون كان يُجري على المسجونين (٥٠٠) دينار في كلِّ شهر.
وقد بلغت الحكومة الإسلامية منزلةً لا تحلم بها اليوم أمّةٌ من الأمم، وهي ليست رعاية المسجونين، بل رعاية التّوّابين، فمن قضى مدّة سجنه، أو نال جزاءَ ما اقترفت يداه من إقامةِ حدٍّ، أو تنفيذ تعزير، ومن ثَمّ صلح أمره، وغدا على الصراط المستقيم حاله، لا يدعه المجتمع غريباً وحيداً منبوذاً، بل يعيده إلى صفوفه، ويرعاه حق رعايته، متمثلاً بقوله ﷺ: “كلُّ بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التّوّابون”؛ فكان يُجري عليه راتباً شهرياً تأكيداً على وقوف المجتمع مع الفضيلة، ومنعاً من انحرافه تحت وطأة العِوز والفقر.
هذه هي وظيفة السجن الحقيقية: العقوبة دون تعدٍّ، والإصلاح والتقويم دون إفراط ولا تفريط، فلا غرابة أن يكون أوّل من بنى السُّجون في الإسلام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.
وما زال السجن قائماً بين أمرين، فإما أن يكون شعلة نور يهتدي بهديها المجتمع فيصحح سلوك أبنائه، ويرشد الشُّداة إلى الصراط المستقيم، وبين أن يكون أداة قمعٍ وتعذيب وتنكيلٍ بيد حاكم ظالم، ابتعد عن الإسلام وابتعد الإسلام عنه، فراح يعيث فساداً في الأمّة وفي أبنائها معتمداً على فقيه سوء وسجّان مجنون.
ومن بديع حكمة الله تعالى وفضله أن يشمل أدبنا كلّ نواحي الحياة، فلم يدع باباً إلا طرقه، ولا بقعة مظلمة إلا أنارها، ونظراً لتداخل موضوع السجن بين السياسة والأدب، والفقه واللغة.. فقد تناول هذا الجانب كلٌّ حسب اختصاصه، وكان أولهم بسطاً لهذا الموضوع كتب الفقه؛ فنجد أبا يوسف يعقوب بن إبراهيم المتوفى سنة ١٨٢هـ قد جعل في كتابه (الخراج) وصلاً في أهل الدعارة والتلصص والجنايات، وما يجب فيه من الحدود، تحدث عن الحبس وشروطه والسجان وما يجب أن يتحلّى به من خير وصلاح، وما يجري على السجناء من صدقة مالٍ وكساءٍ وأكلٍ وغير ذلك.
أما المكتبة الأدبية فقد أدرجت حديث السجن والمسجون في أثناء أبوابها وفصولها، ولم تخصص للسجن باباً مفرداً وربما كان الجاحظ أبو عثمان بن بحر المتوفى سنة ٢٥٥ هـ أول من أفرد باباً عن الحبس في كتابه (المحاسن والأضداد)، كذا نجد ابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦هـ في كتابه (عيون الأخبار) أفرد فصلاً لطيفاً عن السجن في كتاب السلطان، وإبراهيم بن البيهقي الذي كان حياً زمن المقتدر بالله (٢٩٥ – ٣٢٠) في كتابه (المحاسن والمساوئ).
وهنالك كتب صلبها عن السجن والسجّان، والضيق والكرب، ولكن الأخبار أتت منثورةً لا يجمعها ناظم، ولا يلمُّ شتاتها ضابط، ففي كتاب (الفرج بعد الشدّة) لأبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا المتوفى سنة ٢٨١هـ نرى أخبار السجن قد طغت على صفحات الكتاب، وكذلك الشأن في كتاب (الفرج بعد الشدة) للمحسّن بن علي التنوخي المتوفى سنة ٣٨٤هـ يكاد يكون الجزء الأكبر من الكتاب حول السجن ابتداءً من ارتكاب المخالفة والجرم، ومن ثم طرق استجواب المتّهمين، وانتزاع الأدلة، ومن ثم قصص السجن وحوار أصحابها، والأحاديث التي تقال، ثم انفراج الضيق وسهولة الحَزَنِ بفضلٍ من الله وكرمه.
أما كتب التاريخ والرجال فأكاد أجزم بأنه لا يوجد كتاب في التاريخ إلا لو أُفردتْ أخبار السجن فيه لكانت كراريسَ مطوّلة. وحتى كتب اللغة لم تُغفل هذا الجانب، والمعاجم قد أدرجت مفردات السجون في موادّها، أما كتب المعاني فقد واكبت تطور المجتمع والدولة، فنجد في كتاب (المخصص) لابن سيده ٩٣/١٢ عنوانات هي: الحبس في السجن، ما يُحبس به، الحبس في غير السجن والمنع، الأسر والشدّة، باب العذاب، التنقذ والإطلاق، الضيق.
وما زال السجنُ مؤدياً وظيفته، سامياً بسمو الدولة، متضعضعاً بانحدارها إلى أن استقر به الحال منذ ضعف الدولة الإسلامية حتى يومنا فغدا الحاضَرَ الغائب، المعرفةَ النكرة، قد غُرس في ضمير الأمة وفكر الفرد، قدراً محتماً كلُّ الطرقات تؤدي إليه، لا فرق بين مفكّرٍ وعيّار، ولا بين فقيه وقاطع طريق، فأمام السجن يقف الناس سواسية، لا فرق بين كبير وصغير، ورفيع ووضيع، وكأنّي بالحاكم لا يعرف إلا: وإن منكم إلا وارده. فقلّما نجد رجلاً إلا دخله، ومن لم يدخله أصابه من غُباره.
وكم دلّت أمتنا في تاريخنا المجيد على كرهها السجن عندما تنحرف الغاية منه، عندما يغدو رمزاً للقهر والعدوان، فقد كُسرت الحبوس، وأُخرجت المساجين كما ذكر الخطيب البغدادي في (تاريخه) ٧٦/١ حادثة كسر الحبوس بمدينة المنصور سنة ٣٠٧هـ. وكما يذكر الطبري في تاريخه ٢٦٢/٩ أن العامة ببغداد فتحوا سجن نصر بن مالك، وأخرجوا من فيه، ونهبوا ديوان قصص المحبّسين، وقطعت الدفاتر.
هذا هو السجن، وكذا فهمت الدولة (الإسلامية) وظيفة السجن الإصلاحية، وعندما انحرف هذا الفهم، واستُبدِل الأدنى بالذي هو خير أصبح السجن العبء الأعظم على الأمة، وأصبح رمزاً للقهر والتسلط والبغي فما كان من الأمة إلا أن حطّمت هذا الرمز.
وما زلنا نتلمس رفض الأمة للسجن في نواحٍ شتى، قد يكون أهمها ما درجت عليه الأمة من الدعاء لهؤلاء المظلومين، حتى أضحى هذا الدعاء جزءاً بل ركناً من أركان دعاء الجمعة: اللهم فُكَّ أسر المأسورين، وأحسن وعجّل خلاص المسجونين.
وما زالت لغتنا تفرز بين الآونة والأخرى أدباً يمكن أن نسميه أدب السجون، مع العلم بأن المُفْرَزَ لا يمكن أن يمثل حالة السجن والقهر الذي يعيشه المسجون، فقد ألّف عباس محمود العقاد كتاباً سماه (عالم القيود والسدود) ذكر فيه تجربته في سجن (قره ميدان) عام ١٩٣٠ – ١٩٣١، وهذا أحمد صافي النجفي ينظم ديوان (حصاد السجن) عام ١٩٤١م.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* وهذا المقال هو مقدمته لتحقيق كتاب “أنس المسجون وراحة المحزون” للشيخ صفي الدين عيسى بن البحتري الحلبي (ت بعد 625هـ). صفي الدين الحلبي، أنس المسجون وراحة المحزون، تحقيق: محمد أديب الجادر، ط1 (بيروت: دار صادر، 1997م)، ص7 وما بعدها. (مقدمة التحقيق)
1 أخرجه البخاري تعليقاً ٦٢/٥، وغيره، قال ابن الأثير: اللَّيُّ: المطل، والواجد القادر المليء، “يحل عرضه”: أي يجوز لصاحب الدين أن يعيبه، وصفه بسوء القضاء، والمراد بالعرض: نفس الإنسان، وعقوبته: حبسه.





