
ضُـبْــنَــتـُــه ﷺ.. زوجاته ﷺ، وسراريه، وأبناؤه، وبناته، ومواليه، وإماؤه
سبتمبر 11, 2026
وفاة جزار البوسنة “راتكو ملاديتش” لكن الأيديولوجيا العنصـ.ـرية التي صنعته لم تختفِ
سبتمبر 11, 2026
بقلم: د. محمد الناهي – سفير هيئة أنصار النبي ﷺ في اليمن
الحمد لله الذي جعل لكل شدة فرجاً، ولكل كرب مخرجاً، ولكل بلاء أجراً، والصلاة والسلام على نبينا محمد، الذي علمنا أن المؤمن بين صبر وشكر، وبين ابتلاء ورجاء. أما بعد:
فإن الأيام دول، والحياة الدنيا دار ابتلاء وامتحان، لا تصفو لأحد من الخلق، ولا تدوم على حال.
وقد يمر الإنسان بمراحل تضيق فيها الدنيا عليه، وتشتد فيها المحنة، ويغيب عنه الأهل والأحبة، وتغلق دونه الأبواب؛ فيظن أن الأيام قد أدبرت، وأن الفرج قد بعُد.
ولكن المؤمن لا يقرأ المحن بعين الواقع وحدها، بل يقرؤها بعين الإيمان؛ فرُب بلاء كان في ظاهره ألماً، وفي باطنه رفعة، ورُب سجن ضاقت فيه الجدران، واتسع فيه القلب بالله، ورُب فراق أوجع القلب، فكان سبباً لقرب أعظم من الله، ورُب دمعة نزلت في ظلمة الليل، فرفعها الله عنده درجات لا يعلمها إلا هو.
البلاء ليس دليل هوان
من أخطر ما يدخل على قلب المبتلى أن يظن أن ما نزل به دليل على أن الله تركه أو أهانه، وليس الأمر كذلك؛ فكم من عبد كانت محنته باب منحة، وكان بلاؤه طريق رفعة، وكان ضيقه سبباً في فتح عظيم. قال تعالى: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَیۡءࣲ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصࣲ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَ الِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَ اتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِینَ﴾ [البقرة: ١٥٥].
فلم يقل: وبشر الذين لا يبتلون، بل قال: ﴿وبَشّرّ الصَّابِرينَ﴾.
وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا یُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَیۡرِ حِسَابࣲ﴾ [الزمر: 10]. وهذه من أعظم البشائر: أن أجر الصبر ليس محدوداً بقدر المحنة، ولا بعدد الليالي والأيام، بل وعد الله الصابرين بالأجر ﴿بِغيرِ حِساب﴾.
الصبر عبادة عظيمة
الصبر ليس استسلاما للألم، ولا عجزاً عن المواجهة، ولا تركاً للطموح، إنما الصبر هو أن يثبت القلب على الإيمان، وأن يضبط الإنسان لسانه وجوارحه، وأن يسعى في الأسباب المشروعة، وهو موقن أن تدبير الله خير من تدبيره.
وقد قال النبي ﷺ: “عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له”.
فالمؤمن لا تضيع عليه أيامه؛ فإن أعطي شكر، وإن ابتُلي صبر.
أهل البلاء ليسوا وحدهم
قال النبي ﷺ: “أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلَى الرجل على حسب دينه”. فطريق البلاء ليس طريقاً لم يسلكه أهل الإيمان، بل سلكه الأنبياء والصالحون. وقال ﷺ: “من يُرِد الله به خيراً يُصِب منه”. وقال ﷺ: “إن عِظَم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمَن رضي فله الرضا، ومَن سخط فله السخط”. وليس معنى ذلك أن الإنسان يطلب البلاء أو يتمنى الألم، بل إذا نزل به ما يكره، استعان بالله، وصبر، وأحسن الظن بربه.
يوسف عليه السلام.. من ظُلمة السجن إلى سعة التمكين
إذا كان للأسير قدوة في الصبر، فإن يوسف عليه السلام من أعظم القدوات.. دخل السجن وهو مظلوم، ولم يكن ذنبه جريمة اقترفها، بل كانت عفته وتقواه سبباً في دخوله السجن. ومع ذلك لم يجعل السجن منه إنساناً منكسراً، بل كان فيه داعيا إلى الله.. ثم جاء الفرج بعد سنين من المحنة، وتحول السجن من مكان حرمان إلى شاهد على عظم الصبر.
وفي نهاية القصة قال يوسف عليه السلام: ﴿إِنَّهُۥ مَن یَتَّقِ وَیَصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا یُضِیعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِینَ﴾ [يوسف: 90].
فكأن القصة كلها تلخصها هذه الآية: تقوى + صبر= وعد من الله بألا يضيع الأجر.
إلى الأسير.. لست وحدك
أيها الأسير الكريم.. إن ضاقت عليك الجدران، فلا تدعها تضيق على قلبك، وإن غاب عنك أهلك، فالله لا يغيب عنك.. وإن انقطعت عنك أيدي البشر، فيد الله فوق كل يد، وإن لم تستطع أن تختار مكانك، فبإمكانك أن تختار موقف قلبك.. اجعل سجنك مدرسة، ووحدتك خلوة، وألمك عبادة، ودعاءك سلاحاً، وقرآنك أنساً.
واذكر دائماً: قد تغلق الأبواب في وجهك، ولكن باب السماء لا يغلق.. وقد يغيب عنك الناس، ولكن الله أقرب إليك من كل أحد.
إلى أهل الأسرى.. صبركم ليس ضائعا
وإلى الأم التي تنتظر ولدها.. وإلى الأب الذي يخفي وجعه خلف صمته.. وإلى الزوجة التي تفتقد زوجها.. وإلى الأبناء الذين يكبرون وفي قلوبهم صورة أب غائب.. نقول لكم: إن الله يرى انتظاركم.. يرى دموعكم.. يرى دعاءكم.. يرى الليالي التي أثقلها الشوق.. ولا شيء من ذلك يضيع عند الله.. قال سبحانه: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِینَ * ٱلَّذِینَ إِذَاۤ أَصَـٰبَتۡهُم مُّصِیبَةࣱ قَالُوۤا۟ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّاۤ إِلَیۡهِ رَ اجِعُونَ * أُو۟لَـٰۤىِٕكَ عَلَیۡهِمۡ صَلَوَ اتࣱ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةࣱۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ﴾ [البقرة: 155-157].
فأنتم لستم مجرد أُسر تنتظر؛ أنتم أيضاً في ميدان الصبر والاحتساب.
لا تجعلوا الانتظار يسرق منكم الحياة
من أصعب ما يمر به أهل الأسير أنهم قد يعيشون على ساعة الفرج، فيتوقف كل شيء في حياتهم، ولكن الصبر لا يعني أن نعطل حياتنا.. ابنوا أبناءكم.. احفظوا أسركم.. تعلموا.. اعملوا.. اعبدوا الله.. أحيوا الأمل في بيوتكم.. واجعلوا الغائب حاضراً بالدعاء، لا حاضراً بالحزن المدمر؛ فالحياة أمانة، والصبر لا يعني أن نموت مع من نحب، بل أن نبقى أقوياء أوفياء ونحفظ الأمانة حتى يجمع الله الشمل.
الفرج قد يأتي من حيث لا نحتسب
قال الله تعالى: ﴿ وَمَن یَتَّقِ ٱللَّهَ یَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجࣰا * وَیَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَیۡثُ لَا یَحۡتَسِبُۚ﴾ [الطلاق: 2-3]. وقال:﴿ فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ یُسۡرًا * إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ یُسۡرࣰا ﴾ [الشرح: 5-6]. لم يقل “بعد” العسر يسرا فقط، بل قال: “مع” العسر يسرا.. أي أن اليُسر قد يكون مخبأ في ثنايا المحنة وأنت لا تراه، وقد يكون الفرج أقرب مما تظن، ولكن الله يربي فيك قلباً يستحق ذلك الفرج.
ما بعد المحنة ليس كما قبلها
المحنة الصادقة تغير الإنسان، تعلمه قيمة النعم، تعلمه معنى الحرية، تعلمه قيمة الأهل، تعلمه أن أقرب ما يملكه الإنسان هو قلبه وعلاقته بربه، ورُب أسير يخرج من سجنه وهو أغنى قلباً، وأقوى إيماناً، وأعمق بصيرة، وأشد تعلقاً بالله؛ فليس المجد في ألا تُبتلى، بل في ألا تسقط حين تُبتلَى.
بشائر المآل
أيها الصابر.. لا تنظر إلى ما فقدت فقط، بل انظر إلى ما ادخره الله لك؛ فقد تكون دمعة بكيتها في الدنيا سبباً في فرح لا ينقطع في الآخرة.. وقد تكون لحظة صبر عشتها في ظلمة السجن سبباً في درجة عالية في الجنة. وقد يأتي يوم ينسى فيه الإنسان ألم السنين كلها أمام نعيم لا ينفد، ولذلك فإن أعظم ما يملكه الصابر هو: اليقين بالله.. اليقين أن الله يرى.. وأن الله يعلم.. وأن الله لا يظلم.. وأن الله لا يضيع أجر المحسنين.
رسالة أخيرة
إلى كل أسير يقرأ هذه الكلمات: اثبت.. فإنك لست منسياً، وإلى كل أم تنتظر: اصبري.. فإن الله يرى قلبك. وإلى كل أب يخفي وجعه: اثبت.. فإن ما عند الله خير وأبقى. وإلى كل زوجة تعيش على الأمل: لا تجعلي الغياب يسرق منك الإيمان والحياة. وإلى كل طفل ينتظر أباه: احفظ في قلبك الحب، واترك لله موعد اللقاء.
وإليكم جميعاً: لا تقولوا متى ينتهي الليل؟ بل قولوا: من رب الليل والنهار؟ لا تقولوا: كيف سنخرج من هذه المحنة؟ بل قولوا: الله أعلم بكيفية الفرج، وعلينا أن نثق به. لا تقولوا: لقد طال الانتظار. بل قولوا: لعل الله يعد لنا فرجاً يستحق كل هذا الانتظار.
إن الأسر مرحلة من مراحل الحياة، وليس هو نهاية القصة. وإن المحنة، مهما طالت، لها نهاية. وإن الليل، مهما اشتد سواده، فلا بد أن يأتي بعده الفجر.
فاثبتوا.. واصبروا.. وأحسنوا الظن بالله.. وأكثروا من الدعاء.. ولا تسمحوا لليأس أن يسكن قلوبكم. واذكروا دائما: إن ما عند الله أعظم وإن أجر الصابرين لا يضيع، وإن الله لا يخلف وعده، وإن مع العسر يسرا.
اللهم فرج كرب المكروبين، ونفّس هَم المهمومين، وفرّج عن الأسرى، وردهم إلى أهلهم سالمين معافين، اللهم اربط على قلوب أهلهم، وارزقهم الصبر واليقين، واجعل دموعهم دموع فرج، وانتظارهم موعداً للقاء، اللهم لا تجعل لليأس إلى قلوبنا سبيلاً، واجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل بلاء عافية وأجراً، والحمد لله رب العالمين.





