
ترحيب الهند بـ “تسليمة نسرين”.. شأن داخلي أم رسالة تمس مشاعر مليارَي مسلم؟
سبتمبر 10, 2026
4 شهداء من عائلة واحدة بقصف الاحتلال غزة
سبتمبر 10, 2026حاوره م. خالد الأحمر الأنصاري – سفير الشباب بالهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ بالجزائر
شاب عصامي نشأ في ظروف قاسية، واستطاع أن يحقق النجاح ويصل إلى مجالس المشاهير والنخب، لكن رحلته الحقيقية بدأت عندما قرر وضع قضية فلسطين في قمة أولوياته. من قراءة القرآن تحت تأثير مشاهد غزة، إلى نطق الشهادة في مخيمات (قافلة الصمود) في ليبيا ثم قضاء 31 يومًا في العزل والأسر والانقطاع عن العالم؛ يلخص لنا ماتياس ألفاريز في هذا الحوار تجربته الاستثنائية ورؤيته لمفهوم الثبات والعطاء في وجه المحن.
مجلة أنصار النبي ﷺ: من هو ماتياس ألفاريز؟ كيف كانت نشأتك وخلفيتك العائلية وماذا يمكنك أن تخبرنا عن مسيرتك التعليمية والمهنية؟
ج: ولدت لأبوين مراهقين 19 و18 عاما في مونتيفيديو أوروغواي وفي سن الخامسة هاجرنا إلى الولايات المتحدة بحثا عن فرص العمل وحياة أفضل. وبعد أقل من عامين من وصولنا تركتنا والدتي من أجل رجل آخر ولم أَرَها ثانية إلا بعد ذلك بكثير في حياتي والآن لا يوجد بيننا أي تواصل. تربيت على يد أب أعزب منذ سن السابعة وقد حرص على ألا تنقصني أي من مستلزمات الحياة الأساسية. لقد كانت نشأة متواضعة للغاية فلم ينقصنا طعام قط لكننا لم نذهب أيضا إلى العطلات أو نفعل الأشياء التي تفعلها العائلات الميسورة.
الآن وعمري 30 عاما لدي ابنة تبلغ من العمر 11 عاما وستتم عامها الـ12 في سبتمبر. نتشارك ووالدتها حضانتها وتعيش معي أسبوعا بعد أسبوع. إنها أعظم بركة في حياتي والسبب الذي جعل شابا في الـ18 من عمره يكرس نفسه لتطوير ذاته بدلا من السير على خطى أصدقائه الذين باتوا اليوم إما في السجن أو لقوا حتفهم بسبب القرارات الخاطئة.
أنا خريج إدارة أعمال بتخصص في التسويق التجريبي. أعمل على إنتاج وإدارة الفعاليات المباشرة لوكالة تسويق في جميع أنحاء الولايات المتحدة، زرت 26 ولاية من أصل 50 ولاية بفضل عملي، ووصلت إلى مناصب لم يكن ليتخيلها ذات يوم الشاب الذي كنت عليه في الـ18 من عمره. مكنني هذا العمل من حضور مجالس تضم موسيقيين ورياضيين ومشاهير وغيرهم.
وكان خلاصة ما تعلمته أمرا أساسي أنه لا ينبغي وضع أي شخص في مكانة مقدسة فجميعنا بشر. كل تفاعل خضته مع هؤلاء الأشخاص أصحاب النفوذ والمال وفقا لنظرة عامة الناس لهم أثبت لي أنهم بشر مثلي ومثلك وقد ساعدني ذلك على فهم كيفية قراءة الأشخاص وتحليلهم واستغلال تلك الخبرة في حياتي اليومية.
مجلة أنصار النبي ﷺ: ما أبرز القضايا الإنسانية والمبادرات الاجتماعية التي شاركت فيها وكيف أسهمت في تشكيل مسيرتك في العمل العام؟
ج: كانت ”مجموعة شانتيلي” للشباب أول تجربة لي في ممارسة العمل الإنساني لصالح مجتمعي. كانت مجموعة شبابية محلية نظمتها جدة ابنتي عندما كنت في الـ15 من عمري فقط. لقد صقلتني تلك التجربة ووضعتني على طريق التعامل مع كافة الجوانب لضمان نجاح أي مبادرة. كنا نقدم ورش عمل ليس فقط للشباب بل وللأولياء أيضا لتدريب كلا الطرفين ودعم بيئة أسرية صحية سواء في مجالات اللياقة البدنية أو الصحة أو التعليم. وحالفني الحظ في سن الـ19 بالسفر إلى مؤتمر وطني واستلام ”جائزة حي العام” بناء على جهود وعمل مجموعتنا الشبابية.
وبعد سنوات وعقب تخرجي في الثانوية أتيحت لي الفرصة للتعاون مع ”منظمة هيسبانيون نحو طريق ناجح” وهو ناد للشباب الهيسباني في مدرستي الثانوية القديمة. وعلى مدار خمس سنوات عملنا مع هذا النادي الذي ضم أكثر من 100 إلى 150 طالبا شهريا واستضفنا متحدثين ونظمنا ورش عمل لإعدادهم للحياة ما بعد الثانوية. كان تركيزنا الرئيسي ينصب على إتاحة الفرصة لهم لجمع المعلومات حول المدارس المهنية أو الجامعة أو ريادة الأعمال ومساعدتهم على الاستعداد لما هو قادم. كان لهذا أثر كبير عليّ فقد أصبحت حينها في الـ24 إلى 28 من عمري وخضت تجارب حياتية أكبر مقارنة بكوني مراهقا أو في أوائل العشرينيات أثناء عملي مع المجموعة الشبابية.
كما شاركت مع منظمة في شولوتيكا بالهندوراس حيث قمنا بجمع التبرعات في الولايات المتحدة من خلال الفعاليات ثم سافرنا لاحقا إلى القرية لإعادة ترميم المدرسة بالكامل والملاعب الرياضية والطرق وإضاءة الشوارع نظرا لقلة الدعم الذي يتلقونه من الحكومات المحلية. أرست هذه الرحلة لدي مفهوما مفاده كم يمكن للناس أن يكونوا سعداء بأقل القليل. لقد كانت لحظة جميلة تركت أثرها في تجربتي مع هذه القضايا.
ومنذ عام 2015 كنت جادا في الدفاع عن فلسطين والشعب الفلسطيني. فمنذ أن كانت ابنتي في عامها الأول تحدث معي والدي عن الفظائع التي تحدث في فلسطين فشاركت في مسيرات واحتجاجات ووقفات تضامنية. فالقضية الفلسطينية هي أهم قضية إنسانية في هذا العالم ولا يمكن لأحد أن يكون حرا بحق حتى يتحرر إخواننا وأخواتنا في فلسطين. كشاب يسعى لتكييف حياته لدعم الآخرين ولرؤية كيف يمكن لأفعالنا أن تكون مؤثرة فيمن حولنا كان من الطبيعي والأنبل بالنسبة لي أن أتضامن مع القضية الفلسطينية، والآن هذه هي أسمى مهامي.
مجلة أنصار النبي ﷺ: متى كانت أول مرة تعرفت فيها على الإسلام وما كان انطباعك الأولي عنه؟ وكيف تعمقت لاحقًا في التعرف عليه؟
ج: تلقيت صورة مشوهة عن الاسلام بثها الإعلام الأمريكي بعد أحداث 11 سبتمبر وكنت في سن صغيرة جدا، ولكن لحسن الحظ حظيت بالحكمة من والدي كي لا أقع في فخ البروباجندا وأن أعامل الجميع باحترام ومحبة. كان انطباعي الأولي أنه مجرد دين آخر من الأديان الموجودة ولكنه يخص في الغالب أشخاصا أتوا من جزء آخر من العالم! كانت تلك أفكار طفل جاهل تماما.
لاحقا مع تقدمي في العمر ومن خلال المدرسة أصبح لديّ أصدقاء مسلمون وتعرفت أكثر على الإسلام، لكنني لم أكن أبحث أبداً عنه ولم أحاول دراسته أو التحول إليه؛ إذ لم أترب في بيئة تدين مطلقًا.
ولكي أجيب بدقة فإن الحقيقة وراء تعمقي في الإسلام بدأت بعد ظهور مشاهد من غزة لمئات الأشخاص وهم يصلون فوق الركام! إن رؤية إيمانهم وثباتهم على الإسلام في أحلك الظروف دفعني لدخول مكتبة وشراء نسخة من القرآن الكريم.. كان ذلك قبل عام ونصف، فكنت أقرأه بين الحين والآخر وأنهيت معظمه قبل التوجه إلى ليبيا للانضمام إلى ”قافلة الصمود العالمية”.
وفي قافلة الصمود المتجهة الى غزة وبين خيم المشاركين الأحرار الذين تركوا كل شيء وراءهم ترابط وتطابق ما عشته فورًا مع كل كلمة قرأتها، ورأيت انسجاما كبيرا مع التحول الذي طرأ على عقليتي ونمط تفكيري. أتذكر قراءة الآية التي تذكر أن الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، وعندما تعطي الآخرين فإن الله يرى ذلك ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 268]. وهذا في نظري أمر جميل جداً فمهما ظننا أننا نملك القليل فإننا بفضل الله قادرون دائماً على العطاء للآخرين بأي طريقة ممكنة.
مجلة أنصار النبي ﷺ: لماذا اخترت قافلة الصمود العالمية لتكون المحطة التي تعلن فيها إسلامك؟ وكيف تصف المشاعر واللحظات الخاصة التي رافقت دخولك في الإسلام؟
ج: عندما كنت أستعد للسفر إلى ليبيا بل وحتى قبل دقائق من نطق الشهادة يمكنني القول بكل صدق إنني لم أسافر وأنا أعلم أنني سأتخذ هذا القرار. ولكن بمجرد الوصول إلى ليبيا والالتقاء بالجميع في مخيمنا وتبادل القصص والتحدث مع هذا الكم الكبير من الناس ورؤية فرحتهم ونقاء قلوبهم انشرح قلبي لمشاركة قصتي مع أحدهم في المخيم، وفجأة اقترحوا عليّ نطق الشهادة وشعرت بأن كل شيء كان متناغما ومكتوبا بشكل جميل للغاية.
لقد كانت بحق أجمل تجربة في حياتي، ليس فقط بسبب التهاني وكلمات التشجيع؛ بل الأهم من ذلك هو شعوري بأنني اتخذت أخيرا الخطوة الأولى لإرضاء الله بالطريقة الصحيحة وبدء رحلتي في العيش لأجله وترك أمري لله بأن يوجهني في هذه الحياة. كانت اللحظات داخل المسجد في الغابة خيالية، إن الصلاة لأول مرة مع هذا الجمع الغفير لم تكن مخيفة أو مرعبة على الإطلاق. نعم لقيت بعض النظرات ونعم انتقد الناس بعض الأشياء حيث لم أكن أعلم أنني أؤدي الصلاة أداءً خاطئاً، ولكن كل شيء قُدّم لي بحب لم أشعر أبدا بالإهانة؛ بل بالحب والتقدير لكوني جزءا من الإسلام مثلهم تماما.
مجلة أنصار النبي ﷺ: بعد أيام قليلة من اعتناقك الإسلام احتُجزت مع عشرة مشاركين آخرين في القافلة. كيف عشت تلك الفترة من الاحتجاز وما هي أبرز المخاطر والتحديات التي واجهتك وكيف أثر ذلك على ثباتك؟
ج: بصراحة لقد كان هذا هو الموقف الأكثر تحديا الذي خضته حتى الآن، ولكن حقا يمكنني أن أقول لك إن العقل البشري يتكيف ويتصلب للتعامل مع أي ظرف. كان الله معي وكلما كدت أفقد السيطرة على نفسي كنت أذكر نفسي بهذا: إنه معي ولم أكن أبدا بمفردي.
أتذكر حديثا نبويا عاينت صحته الآن في العالم الخارجي اي تطبيقيا وجدته حقيقة. فقد سألني عن تحدياتي ولكن في الحقيقة داخل السجن وفي الأسر لا توجد مغريات؛ بل يوجد فقط وقت تختلي فيه بنفسك.
كان التحدي الحقيقي هو أنني بمجرد اعتناقي للإسلام وإحساسي بالحرية الحقيقية كمسلم لعدة أيام سُلبت مني الحرية لمدة 31 يوماً. في الأسر لم تكن هناك مغريات بل مجرد وقت لأعمل فيه على نفسي؛ فقد كان التكيف مع الواقع والعودة إلى المسار الطبيعي تحدياً ولكن الله كان ما زال معي.
في الأسر انهرت ثلاث مرات أتذكرها بوضوح، وكانت جميعها بسبب معرفتي بمدى معاناة ابنتي لغيابي عنها. ذات صباح دعوت الله أن يربط على قلبي ابنتي وأبي وأن يمنحهما السلام والاطمئنان، وبعد 30 دقيقة فقط أتيحت لنا أول مكالمة هاتفية بعد 14 يوما من الحجز لم يعلم فيها أحد عنا شيئا.
مجلة أنصار النبي ﷺ: ما الرسالة التي تحب أن توصلها للقراء وللشباب الأحرار في العالم الذين يسعون لنصرة القضايا العادلة؟
ج: التجارب التي نواجها يمكن التعامل معها إما بالغضب والحقد أو بالحب واللطف. بالطبع قد تختلف بعض الظروف ولكن في أغلب الأحيان فإن غلبة الآخرين بالحب واللطف هي السبيل. كل شيء ينبع من النية الحسنة سينتصر. قد لا يكون ذلك وفق جدولنا الزمني ولكن الله هو المقدر.
إذا كنت تناضل من أجل قضية عادلة فتذكر من أجل من ولماذا تفعل ذلك. لقد فعلت كل هذا من أجل فلسطين. وأعني بذلك 31 يوما من الاحتجاز و11 يوما مجتمعة من الإضراب عن الطعام والماء واعتقاد عائلاتنا أننا لقينا حتفنا بعد 10 أيام من احتجازنا. كل هذا ليس سوى 1% من الدمار والواقع الذي يحدث في غزة منذ عام 2023 وفي فلسطين منذ أكثر من 75 عاما.
أتمنى أن يصل صوتي إلى قلوب القراء وأن يملأهم بالثقة لمواصلة هذه الرحلة. لا أتمنى لأحد أن يسلك طريقي ولكن حتى لو أدى الأمر إلى ذلك فإن الله قد نجاني منه وسأكرره مجددا في محاولة لكسر الحصار عن غزة، وسنعيد ونكرر حتى يكسر الحصار الظالم والسلام عليكم.





