
اختَر فريقك! بين صخب الملاعب وجنود المبادئ
أغسطس 7, 2026
هيئة النبي ﷺ في الحروب ما كان يلبسه النبي ﷺ في الحرب وما كان يتخذه من أسلحة
أغسطس 8, 2026بقلم: د. إسماعيل محمد رفعت .. سفير الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ في ألمانيا
مقام النبوة
النبوة مقامها في الرفعة لا يُشبهه مقام، ولا تُقاس على أنساب الخلق، فإنها منزلة الاصطفاء الإلهي الذي جمع معاني الشفقة الأبوية والحرمة الخاصة، ومن أبرز تجلياتها علاقته ﷺ بنساء أمته، التي تقوم على أبوة دينية توجب لهن الحرمة والتكريم، وتجعل المؤمن يستشعر هذا المعنى بفطرته ويتلقاه بشرعه.
الأبوة الدينية لا النسبية
الصلة بيننا وبين نفسه الشريفة ﷺ تفوق صلة النسب فهو ﷺ أرأف بالمؤمنين من الوالد بولده، كما وصفه ربه: ﴿عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128] وهذه الولاية من حيث الرعاية والحفظ تفوق ولاية أب النسب، فقد قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمۡ ﴾ [الأحزاب: 40].
وجاء البيان النبوي لهذا المعنى في حديث أبي هريرة: “إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ”؛ فكما أن الوالد يشفق على ولده، فالنبي ﷺ أشفق بأمته، وكما أن الوالد محرم على بناته، فالنبي ﷺ ظل محرماً لنساء الأمة، وهو أشفق بهن وأرعى من آبائهن، والمحرم لا يجد في نفسه حرجاً من مثل هذه الرؤية.
هذه المحرمية توجب لهن الحرمة والتكريم، وتجعل المؤمن يستشعر هذا المعنى بفطرته قبل شرعه، فلا يجد المسلم في نفسه حرجاً من رؤية زوجته للنبي ﷺ في المنام، بل يستبشر بذلك ويفرح، لأنه يوقن أن النبي ﷺ للناس كلهم كالأب الشفيق، ولنسائهم كالوالد المحرم.
شواهد أبوة النبي ﷺ الدينية
يقول تعالى: ﴿ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ﴾ [الأحزاب: 6] فإذا كانت أزواجه أمهات للمؤمنين، فهذا يضعنا أمام معنى الأبوة الدينية التي فطر الله عليها القلوب.
وفي أمومة أزواجه -رَضِي الله عَنْهُن- قال القرطبي: “والذي يظهر لي أنهن أمهات الرجال والنساء، تعظيماً لحقهن على الرجال والنساء. يدل عليه صدر الآية: ﴿ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ﴾ وهذا يشمل الرجال والنساء ضرورة”.
ووردت قراءة تفسيرية عن أُبي بن كعب وابن عباس -رَضِي اللَّهِ عَنْهُمَا-: “النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم، وأزواجه أمهاتهم”، وعلّق ابن تيمية فقال: “والقراءة المشهورة تدل على ذلك: فإن نساءه إنما كن أمهات المؤمنين تبعاً له، فلولا أنه كالأب لم يكن نساؤه كالأمهات”.
وعزا الألوسي (المتوفى 1270ه) إلى مجاهد قوله: “كل نبي أب لأمته” لأن الأنبياء نصحوا لأممهم وأرشدوهم إلى الخير، و”هو قول وجيه إلا أن المراد حينئذ المجاز لا الحقيقة”.
و”كل نبي أب لأمته كما قال الله تعالى: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ﴾ [الحج: 78] من حيث إن به حياتهم الأبدية وتعلم الآداب الدينية، ومن ثم صاروا إخوة في الدين كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٌ﴾ [الحجرات: 10] من حيث انتسابهم إلى أصل واحد هو الإيمان”. فالأبوة هنا نسبة إلى الأصل الديني الجامع، كما ينسب الإخوة إلى هذا الأصل.
نسخُ التحريم والترفع النبوي
كان للنبي حظوة عند ربه، حيث لم يتوفاه الله تعالى على منعه من التزويج، ولاحظ ترفع النبي ﷺ حيث لم يتزوج بعد الإباحة.
فلم تكن تلك الآيةُ محض منع فحسب، بل كانت مشهدَ إكرامٍ يُقرأ في ضوئه مقامُ النبي ﷺ عند ربِّه، فقد أُوقِف عن التزوج بعد أزواجه زمنًا، ثم نُسخ ذلك الحكم، ومع هذا بقي ﷺ فلم يتزوج بعد الإباحة، فكأن المنعَ صار بابًا إلى المنحة، وصار الترفعُ عن المباح شاهدًا على مقامٍ لا يبلغه إلا من اصطفاه الله لرسالته.
وقد لخص مرعي بن يوسف الكرمي هذا المعنى حين قال: “مَنْسُوخَة لتَكون الْمِنَّة لَهُ ﷺ بترك التَّزْوِيج عَلَيْهِنَّ بقوله تَعَالَى ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحۡلَلۡنَا لَكَ أَزۡوَٰجَكَ﴾ [الأحزاب: 50] الْآيَة، وَبِه قَالَ عَليّ وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَأم سَلمَة”.
وقالَت عائشة -رَضِيَ اللهُ عَنْها-: “ما مات رسول الله ﷺ حتى أُحل له النساء” يعني: اللاتي حُظرنَ عليه بقوله تعالى: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ﴾ [الأحزاب: 52].
وجاء عن أنس: “مات على التحريم”. وهذه النقول ترسم ملامح عنايةٍ ربانيةٍ خاصة: أُغلق بابٌ زمنًا ثم فُتح، غير أن النبي ﷺ آثر البقاء على ما كان، فاجتمع له شرف الامتثال، ورفعةُ الزهد في المباح، وإظهارُ الأدب مع المنعم سبحانه.
فلم يكن تركه للتزوج بعد الإباحة صبرًا على حرمان، بل اختيارًا نبيلاً يشي بصفاء السريرة، وعلوِّ المقام، وكمال التسليم. فالمنعُ كان ابتلاءً في ظاهره، والمنحةُ كانت تكريمًا في باطنه، أما الثبات بعد الإباحة فكان برهانًا على أن قلبه ﷺ لم يكن متعلقًا إلا بما عند الله.
المشهد الفطري
تتجلى المحرمية بين النبي ﷺ ونساء الأمة بصيغتها الفطرية حين يتأمل المرء مشهداً افتراضياً: امرأة ترى النبي ﷺ في منامها، فتفيض نفسها بالمحبة والإجلال، فتقوم بتقبيل اليد الشريفة تكريماً، ثم تقص رؤياها على زوجها، فتأتي الحقيقة التي تشهد بها فطرة كل مسلم: أن الزوج لا يجد في نفسه حرجاً من هذه الرؤية، بل يفرح بها ويستبشر، فما السر؟
إنه الإيمان الراسخ بأن ﴿ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ﴾ [الأحزاب: 6] وأنه للناس كلهم كالأب الشفيق، ولنسائهم كالوالد المحرم، فالغيرة تنشأ بين الأقران والأجانب، أما النبي ﷺ فمكانته في القلب تفوق هذه الدوائر، إن شعور المؤمن حينها، ليس مجرد تسليمٍ عقديّ، بل إدراك بطبعه أن مقام النبوة تنقطعُ عنده خواطرُ البشريةِ المعتادة. ويعلم أن فعل زوجته هو فَيضٌ من بِرِّ ابنة بأَبيها الأكبر قدراً وتوقيراً، ويسر برؤية زوجته للنبي ﷺ، ويرى ذلك كانعكاس لفطرة موازية لإيمان راسخ.
المهابة النبوية في اليقظة والمنام
ومع هذه المنزلة، يبقى سؤال: هل من السهل أن يحتضن أحد النبي ﷺ في المنام؟
هنا يبرز جانب المهابة، كان الصحابة رضوان الله عليهم مع شدة محبتهم يهابونه هيبة عظيمة، حتى أن القرآن لم يسجل من أسئلتهم إلا ثلاثة عشر سؤالاً بصيغة ﴿يَسأَلُونَكَ﴾ ولاحظ العلماء أن أغلبها جاء ممن لم تكثر مخالطتهم له ﷺ.
وعلى رغم ما ذكرناه من فرضية رؤية مسلمة للنبي ﷺ وهي مسألة منام افتراضي، فقد كان النبي ﷺ يتمتع بمهابة لم تدع لأصحابه القدرة على تَحْدِيقِ النظر إليه، لذا، لم يروِ حِلْيَتَهُ الشَّريفة إلا القليل، كـ“هند بن أبي هالة التميمي” ربيب النبي ﷺ الذي قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ”فَخْمًا مُفَخَّمًا، يَتَلأْلأُ وَجْهُهُ تَلأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ”. و”هند” كان في حجر النبي ﷺ صغيراً فاستطاع التحديق فقدر على الوصف، وأُمِّ مَعْبَدٍ التي وصفته لزوجها بعد مروره بخيمتها فقالت: “رَأَيْتُ رَجُلًا ظَاهَرَ الْوَضَاءَةِ أَبْلَجَ الْوَجْهِ حَسَنَ الْخَلْقِ” فإذا كانت هذه هيبتُهُ في اليقظةِ، فكذلك في المَنام يظل محاطاً بالجلال الذي يمنع الِاعتِبَاطَ أو المعانقة، فالمهابة ملازمة لذاته الشريفة في العالمين.
ولا بد من التنبيه إلى أن الأبوة الثابتة للنبي ﷺ هي أبوة دينية معنوية، مستمدة من الوحي، تختلف عن مفهوم “الأبوة الروحية” الدخيل من بعض الفلسفات المنحرفة، فعقيدتنا الإسلامية ترفض هذا قطعاً، النبي ﷺ بشر رسول، له منزلة عالية، وعلاقتنا به علاقة اتباع وإيمان ومحبة، لا حلول ولا اتحاد.
آية من آيات القرآن فطرة مركوزة
أما آية ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعۡدُ﴾ [الأحزاب: 52] فهذه الآية ليست فقط آية مسطورة في المصحف، بل هي أيضاً فطرة مركوزة في قلوب المسلمين، وحقيقة محسوسة، ونبضٌ في عروق المؤمنين، إنها آية من آيات الكتاب جعلها الله مكنونَ فطرة في النفوس، ومركوز طبع في تكوين المسلمين، لا تزيده الطاعة ولا تنقصُه المعصيةُ، وإن كان ذلك الطبع أثر ناشئ عن الإيمان، ومن آثارها أن محبة النبي ﷺ وتوقيره مغروزة في فطرة أتباعه، حتى عند عصاة المسلمين.
فعلاقة النبي ﷺ من رجال ونساء الأمة تقوم على أبوة دينية معنوية، تجعل المؤمن يستشعر هذا المعنى بفطرته قبل شرعه، أبوة منزلة لا نسب، وأبوة رعاية لا ولادة، وشفقة لا قرابة، وتلك فطرة الإيمان السليم.
نسأل الله أن يرزقنا حبه وحب نبيه ﷺ.





