
حوار مع مصمم (مصحف الحفّاظ) (2/2) الأسير المحرر الشيخ المهندس رمضان عيد رمضان مشاهرة
أغسطس 7, 2026بقلم: د. محمد الناهي – سفير الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ
مفارقة في زمن التيه.. في كل موسم رياضي، يتكرر المشهد ذاته بكامل تفاصيله المشحونة: ملايين البشر يتسمرون أمام الشاشات بشغف حارق، مدرجات تغص بالآهات، أعلام تُرفع، وأموال طائلة تُنفق، وساعات ثمينة تتبخر في أثير الجدالات العقيمة على منصات التواصل الاجتماعي.
لقد تحول “الانتماء الرياضي” لدى البعض من مجرد تسلية عابرة إلى “هوية بديلة”، يربطون بها سعادتهم المفرطة أو حزنهم الكئيب، بل قد يصل الأمر إلى مقاطعة قريب أو خصومة صديق من أجل قطعة جلد مستديرة.
لكن.. ليس هذا هو موضع العجب الحقيقي؛ إنما العجب العُجاب أن هذا الحماس الجارف، والولاء المستميت، والمشاعر المتأججة، تتبخر تمامًا وتتحول إلى برود غريب عندما يتعلق الأمر بدين الله، أو بقضايا الأمة المصيرية، أو بآلام المستضعفين من المسلمين. إنها مفارقة صارخة تستدعي منا وقفة تأمل عميقة أمام مرآة الذات.
غريزة الانتماء.. لمن يكون الولاء؟
خلق الله الإنسان مجبولاً على حب الانتماء؛ فهو يبحث دائمًا عن جماعة يحتمي بها، وفكرة يدافع عنها، ورمز يلتف حوله. لا يوجد إنسان في هذه الحياة بلا “ولاء”، ولكن السؤال المصيري الذي يحدد وجهة المرء هو: لمن يكون ولاؤك؟
هنا يضع القرآن الكريم الحقيقة الكبرى عارية أمام الإنسان دون مواربة أو تجميل، حيث يقول الله تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: 7].
إنها ليست مجرد آية، بل هي إعلان دستوري عن الحقيقة النهائية للوجود. يوم القيامة، تسقط كل التصنيفات، ولا وجود لفريق ثالث، ولا مناطق رمادية، ولا مقاعد للمتفرجين؛ إما فوز أبدي أو خسارة سرمدية.
هوس الأشخاص وتلاشي المبادئ
من أغرب ظواهر الملاعب اليوم، أن بعض المشجعين لم يعد يربطهم ولاء حتى للنادي نفسه، بل أصبحوا “مشجعين عابرين” يدورون في فلك اللاعب النجم. فإذا انتقل اللاعب إلى فريق منافس، انتقل معه ولاؤهم بالكامل، وغيروا قمصانهم وشعاراتهم في ليلة وضحاها! وكأن المبادئ والثوابت لا قيمة لها أمام بريق الأشخاص.
وللأسف، لم تعد هذه الظاهرة حبيسة المستطيل الأخضر، بل تمددت لتجتاح واقعنا الاجتماعي:
تقديس المشاهير.. تقليد أعمى في المظهر، والكلام، وأسلوب الحياة، دون طرح السؤال المفصلي: هل هذا السلوك يرضي الله؟
تحولت “الشهرة وكثرة المتابعين” عند البعض إلى صك صواب ومقياس للحق، بينما الحقيقة الثابتة أن الحق لا يُعرف بكثرة الأتباع، وإنما يُعرف بدليله واستقامته ونقائه.
“أنت مع من أحببت”.
نداء يوقظ القلب
حين سأل رجلٌ رسول الله ﷺ عن الساعة، لم يجبه النبي ﷺ بموعدها الزمني، بل نقله إلى مربع العمل الحقيقي بسؤال غيّر مجرى حياته: “وماذا أعددت لها؟”.
فلما قال الرجل: “ما أعددت لها كثير عمل، غير أني أحب الله ورسوله”، قال له المعلم الأول ﷺ:
“أنت مع من أحببت”.
إنه حديث يهز القلوب الحية؛ فالمحبة في الميزان الشرعي ليست كلمة عاطفية تُقال، بل هي اتجاه حياة، وانتماء، وسلوك، وبذل.
من امتلأ قلبه بمحبة الصالحين سار في ركابهم محشرًا ومصيرًا.. ومن امتلأ قلبه بمحبة أهل اللهو والعبث، حُشر خلفهم.. ومن ملأ قلبه بمحبة الدنيا، عاش لها ومات خالي الوفاض منها.
مقياس غزة: الامتحان الذي كشف المستور
وفي زمننا هذا، يقف المسلم المعاصر أمام امتحان علني لا يحتاج إلى كثير شرح أو تنظير. في غزة العزة وبعد مرور 1000 يوم، تُهدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها، ويُقتل الأطفال، وتُفجع الأمهات، ويبيت الناس بين مطرقة القصف وسندان الجوع.
ومع ذلك، يرى العالم كيف يستمر قطار الترفيه العالمي والرياضي في ضخ المليارات واستنزاف العقول، وتتصدر أخبار الملاعب الشاشات، بينما تنزوي مآسي الأبرياء في زوايا التهميش.
مكمن الخلل: ليس الهدف هنا تحريم المباحات أو إنكار الترفيه الفطري، بل الخلل الحقيقي يكمن في “انقلاب ميزان الأولويات”.
الأمة التي يفرح شبابها لهدف رياضي أكثر مما يحزنون ليد طفل تُنتشل من تحت الأنقاض، هي أمة تحتاج على وجه السرعة إلى مراجعة عميقة لقلبها ووعيها.
قبل صافرة النهاية
سيأتي يوم قريب تخرس فيه الهتافات، وتغيب الأضواء، وتذبل الألوان التي ملأت الدنيا ضجيجًا. يوم يقف البشر جميعًا حفاة عراة بين يدي جبار السماوات والأرض، فيُقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: 14]، ويُقال: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وجُوهٌ وتَسْوَدُّ وجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106].
هناك، تُعلَن النتيجة الحاسمة والنهائية التي لا استئناف بعدها ولا تمديد لوقتها: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: 7].
فاختر فريقك اليوم بوعي وبصيرة، قبل أن يُغلق باب الاختيار وتُطلق صافرة النهاية.
اختر أن يكون ولاؤك لله ولرسوله وللمؤمنين، وأن تكون قدوتك الأنبياء والصالحين، وأن تنتمي لقضايا أمتك وجراحها.
فما أكثر الذين غيروا قمصانهم وشعاراتهم في الدنيا تبعًا للمصالح، أما الفريق الذي لا يتغير، ولا يهتز، ولا يعرف طعم الهزيمة أبدًا..
فهو فريق الإيمان..
وهناك فقط يكون الفوز الأكبر: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: 185].





