
لَسْنَا كَغَيْرِنَا كَأْسُ العَالَمِ فِي مِيزَانِ خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
أغسطس 5, 2026
الاحتلال يقتحم قلنديا ويهدم منزلين غرب بيت لحم
أغسطس 5, 2026بقلم: حسين رضا – باحث في علوم القرآن
لم تكن الصلاة يوماً من الأيام في حياة النبي ﷺ ولا الجيل الأول عبئاً يثقل كواهلهم، ولا فريضةً روتينية يجب إسقاطها عن الذمة بأي شكل كان، بل كانت ملاذ الأرواح وراحة النفوس، حتى كان النبي ﷺ يُنادي بلالاً مبادراً: “أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ”.
لقد كانت الصلاة عند الصحابة هي المَصَحَّة التي يُهرع إليها للشفاء من متاعب الدنيا، والأمان الذي يُفر إليه إذا اشتدت الخطوب وبلغت القلوب الحناجر، فما إن تصطف الأقدام بين يدي بارئها، وتركع وتسجد وتتضرع، إلا وتخرج الروح من محرابها وقد زالت همومها وقويت عزيمتها.
لقد رسّخ الوحي في وعيهم أن الصلاة هي نقطة المركز التي تدور حولها الحياة، والموعد المقدس الذي تتوقف عنده المعارك، وتَرخُص لأجله الدماء، وتُنسى في رحابه الآلام.
في محراب الصلاة تصطف الأجساد في الأرض خلف الإمام أو منفردة، لكن الأرواح تحلق في السماء تسبح في ملكوت خالقها، لتستمد من ربها القوة والهداية، وتتعالى وتسمو بأخلاقها على جِبلات الفطرة التي انحرفت قبل مجيء النبي ﷺ إلى الدنيا ليقوّمها ويعيد ضبطها كما صنعها صانعها العظيم جل وعلا.
(١) الفرارُ إلى السماء
من يدقق في سيرة ومسيرة رسول الله ﷺ يجد حياته ﷺ سلسلة من الأزمات، تمثلت حلقاتها في تكذيب الأقوام وموت الأحباب والجوع والحصار، وتقلبات الدنيا، رغم كل هذا وغيره يصف حذيفة بن اليمان رضي الله عنه الوصفة النبوية للتعامل مع الضغط النفسي، فيقول: كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.
أي إذا اشتد عليه وضغطه وأحزنه فرّ على سرعة لاجئا مضطرا إلى الله تعالى، لم يكن منهج رسول الله ﷺ أن يهرب إلى النوم، أو إلى الكلام مع غيره من البشر، ولا إلى الأفلام والمسلسلات وتفاهات الفن والدنيا، وإنما يفرّ إلى الله ساجدا باكيا متبتلا مُنيبا داعيا.
في ليلة “بدر” بينما الجيش نائم يستعد لمعركة فاصلة بين الحق والباطل، يقف رسول الله ﷺ يصلي، ويدعو ويبكي حتى أصبح، حتى حنّ لحاله أبو بكر رضي الله عنه.
لم يكن نبيك ﷺ يتعامل مع الصلاة على أنها مجرد تكليف شرعي يجب أن يُؤدى فحسب، بل كان يجد فيها راحة نفسه وسلوة روحه، ويعرفها أمرا ضروريا لابد منه لقطع هذه الدنيا على سكينة وطمأنينة، كي لا تتوه النفس ولا تضل، ولا تتعب في طرقات الدنيا وأزقتها، وطرائق أهلها ومتاعب صُحبتهم ومعايشتهم.
لقد علّم رسول الله ﷺ الجيل الأول أن حل مشاكل الأرض ومشاكل أنفسهم لا يتأتى إلا من رب السماء، وأن الوقوف بين يدي الله يمنحهم شُحنة مدد تجعل الجبال الرواسي في أعينهم تبدو كثبان رمل ممهدة لا تُعيق سيرهم ولا تُوقف مسيرتهم، فنهضوا بها وفتحوا الدنيا، وعاشوا وماتوا عليها.
يقول أهل العلم: والصلاة من أكبر العون على تحصيل مصالح الدنيا والآخرة، ودفع مفاسد الدنيا والآخرة.. وهي مجلبة للرزق، حافظة للصحة، دافعة للأذى، مطردة للأدواء، مقوية للقلب، مبيضة للوجه، مفرحة للنفس، مذهبة للكسل.
فيا صاحبي وأخي؛ حين تضيق بك الدنيا لا تطرق أبواب الخلق، واهرع إلى محراب صلاتك ففيه السعة والفرج، وحين تفاجئك المحن لا تنكسر بل استمد الصلابة من صلاتك. فاجعل المحراب غرفة الطوارئ الأولى في حياتك.
(٢) لذة المناجاة تقهر آلام الطعنات
في غزوة “ذات الرِّقاع” اختار النبي ﷺ سيدنا عبّاد بن بشر وسيدنا عمار بن ياسر رضي الله عنهما للحراسة ليلاً، فلما نام عمار قام عبّاد يصلي، وعلى حين غفلة جاء مشرك فرأى شخصاً قائماً فرماه بسهم استقر في جسده، فنزعه سيدنا عباد واستمر في قراءته وصلاته! فرماه الرجل المشرك بالسهم الثاني فاستقر في جسده فنزعه واستمر في صلاته، فرماه المشرك بالسهم الثالث فاستقر في جسده فنزعه وركع وسجد ثم أيقظ سيدنا عمار رضي الله عنه، فلما استيقظ سيدنا عمار وأبصر الدماء تسيل من عباد قال: سبحان الله! ألا أيقظتني أول ما رمى؟ فقال عباد كلمات خلدها التاريخ: “كنت في سورة أقرؤها، فلم أحب أن أقطعها، ولولا أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله بحفظه، لقطع نفسي قبل أن أقطعها”.
إن الصلاة الحقيقية تُدخل العبد في حالة أشبه بحالة التخدير فلا يشعر معها بآلام الدنيا وغدر البشر وضيق الحال، فالروح حين تعرج إلى السماء يصير الجسد مجرد ثوب لا يشعر صاحبه به وإن تمزّق، ولقد كان سيدنا عبّاد بن بشر يتلذذ بآيات من سورة الكهف أنسته لذتها آلام وخز السهام فلم يشأ أن يقطع الاتصال بالله، ولم يخف من أن تنقطع أنفاسه.
يقول أهل العلم: والعبد إذا كان في الصلاة، فإنه يناجي ربه، وربه يناجيه.. وقد يقوى هذا الاستحضار حتى يغيب القلب عن رؤية المخلوقات، بل وعن استشعار الألم، كما جرى لعبّاد بن بشر وغيره.
يا صاحبي وأخي؛ إن الصلاة الخاشعة دواء ناجع لآلام الحياة، فمن أقام صلاته وأتم وضوءها وخشوعها وركوعها وسجودها لم تؤلمه سهام الدنيا، وسينزع عن روحه كل ما يحاول صدها عن ربها، لأن الطريق إلى الله تُقطع بالروح والقلب ولا تقطع بخطوات الأرجل وجوارح الإنسان.
(٣) الصلاة ودماء الموت تنزف
لما طُعن سيدنا عمر وهو يصلي صلاة الفجر التي بات أغلب المسلمين يتخلفون عنها، حملوه إلى داره مغشياً عليه، والدم ينزف بغزارة، والناس يبكون خوفا أن يكون قد مات، فلما أفاق إفاقة الموت لم يسأل عن اسم القاتل، ولا عن من تولى الأمر من بعده، وإنما نطق أول ما نطق قائلا: “أصلى الناس؟” قالوا: نعم. فلما اطمئن لهذا قال: “لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة”. ثم دعا بماء فتوضأ، وصلى وجرحه يثعب ويتدفق منه الدم.
لقد أعاد عمر لنا تعريف الحياة، فالحياة عند عمر تساوي الصلاة، فإن لم يصلِّ المرء فلا داعي لأن يعيش، ولا معنى لإسلام مسلم لا يصلي. لحظات احتضار عمر رضي الله عنه تخبرنا أن قلوب هذا الجيل كانت تحركها منبهات الصلاة، وتوقظها صيحات التكبير.
يقول أهل العلم: فيه دليل على أن الصلاة لا تسقط عن المُكَّلف ما دام عقله ثابتاً، ولو كان في أشد حالات المرض والجراح، وفيه عظيم قدر الصلاة عند الصحابة، إذ كانت أول ما يسألون عنه عند الإفاقة.
فيا صاحبي وأخي؛ لا عذر لتارك الصلاة، وإذا كان الفاروق عمر قد صلى وهو مطعون ينزف، فما عذر الأصحاء؟ إن الصلاة هي الخط الأحمر الذي يجب ألا يقترب منه الشيطان أبدا، ولا تسقط عنك حتى عند سكرات الموت ما دام عقلك معك.
(٤) غضبةٌ لم تعهد على النبي
لما اشتد القتال بين المسلمين والمشركين في غزوة الأحزاب، وشغل المشركون النبي ﷺ وأصحابه عن صلاة العصر حتى غربت الشمس، حينها لم يقل النبي ﷺ إننا اليوم في جهاد ولنا عذرنا، بل غضب ﷺ غضباً شديداً ودعا عليهم دعاءً مرعباً فقال: ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس.
لقد كان فوات وقت الصلاة أشد إيلاماً لرسول الله من حصار المدينة. وهذا يُعلمنا أن أشد الظروف وحتى الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام لا يبرر لأحد تأخير الصلاة عن وقتها بلا عذر قاهر (قبل تشريع صلاة الخوف)، فأوقات الصلاة مكتوبة مُقدسة، حتى إن ضياع فريضة واحدة كان كفيلاً بأن يملأ قلب النبي الرحيم نارا ترجمتها كلمات الدعاء عليهم بالنار في الحياة والممات.
يقول أهل العلم: فيه المبالغة في المحافظة على الصلاة في وقتها، وتغليظ الأمر في تفويتها، وأن الانشغال بمدافعة العدو الكافر لم يكن عذراً مُهوّناً لترك المبادرة للصلاة في نظر التشريع وقتها، فكيف بمن يتركها لشهوة أو كسل؟!
يا صاحبي وأخي؛ إن على من يؤخر الصلاة بسبب العمل أو الدراسة أو المباراة، أنْ يتذكر أن النبي ﷺ لم يرَ في الحرب عذراً للتساهل النفسي والتماهي مع فوات وقت الصلاة، وإن كان الشرع وسع الأمر لاحقاً، لكن حرقة الفوات يجب أن تظل حية تُوقظ الغافل وتُنبه المُتراخي.
(٥) ثمن مرافقة النبي
كان ربيعة بن كعب الأسلمي شاباً يخدم النبي ﷺ ويبيت عند بابه، وفي ليلة من الليالي أراد النبي ﷺ أن يكافئه، فقال له: “سلني يا ربيعة” -أي اطلب مني ما شئت- وهذه فرصة ذهبية لشاب إذا استثمرها، لأن المانح هو رسول الله أطيب الناس وأكرمهم وأعظمهم وأنقاهم نفسا. لكن ربيعة لم يسأل رسول الله مالًا ولا زوجةً ولا منصبًا، وإنما قال بعد تفكير واع: “أسألك مرافقتك في الجنة”. فتعجب النبي ﷺ من علو همته وسُر بهذا، وقال: أوَ غير ذلك؟ قال: هو ذاك. فعلّمه النبي ﷺ قاعدة الفوز الذهبية قائلاً: فأعنّي على نفسك بكثرة السجود.
لقد جعل رسول الله ثمن مرافقته كثرة الصلاة والسجود، نعم الصلاة مهر الجنة، وسُلم الدرجات العلى منها، فالإنسان كلما سجد واقترب من الأرض ارتقى واقترب من النبي ﷺ، ومن ثم تقرب من ربه، فكلما زاد رصيد سجداتك عظمت فرصة فوزك برفقة رسول الله ﷺ.
لقد علّمنا ربيعة أن المسلم ذو طموح عال لا يقنع بالدُّون من المسائل والأدعية، وأن من سأل الله وجب عليه أن يسأله أعظم الأمور وأجل الأمنيات، فانتهز الفرصة وسأل رسول الله مرافقته في الجنة، فعلمه رسول الله ﷺ وعلّمنا أن الطموحات العالية لا تُنال بالتمني، وإنما بمجاهدة النفس وكثرة السجود.
يقول أهل العلم: وفي الحديث أن كثرة السجود (أي الصلاة) هي أقوى الأسباب لنيْل الدرجات العلا في الجنة، ومرافقة الرسول ﷺ، لأن السجود غاية التذلل والخضوع، وهو أقرب ما يكون العبد من ربه.
فيا صاحبي وأخي؛ إن الصلاة لم تكن في حياة الجيل الأول طقساً من الطقوس، وإنما دليل إيمان وصدق وهُوية خالصة يعيشها المسلم، فضبطوا على مواقيتها ساعاتهم البيولوجية وتجارتهم وحروبهم وأوقات نومهم ويقظتهم ومأكلهم ومشربهم. ونحن إذا أردنا أن نستعيد مجد ذلك الجيل، لا بد أن نستعيد مكانة الصلاة في قلوبنا لتكون مثل ما كانت مكانتها في قلوبهم، وأن نتحول من مرحلة صلينا وانتهينا إلى مرحلة متى تحين الصلاة التالية، فالصلاة هي الحبل السُّري الذي يصل المسلم بالسماء، فإذا انقطع اختنقت الروح، فلتكن صلاتك أولًا.. ثم يأتي بعدها كل شيء.
السباعية العملية
لتجعل صلاتك قُرة عينك وملاذ روحك؛ أوصيك بسبع:
- الأولى: تدّرب على الاستجابة للأذان، وعوّد نفسك ترك ما في يدك، ولا تسوّف ولا تقل خمس دقائق وأقوم، فالشيطان لا يسرق الصلاة مثلما يسرقها منك من باب التأجيل.
- الثانية: تعلّم صلاة الفزع إذا سمعت خبرا أحزنك، أو مشكلة مفاجئة، أو ضائقة ألمت بك، توضأ من فورك وصلِّ ركعتين قبل أن تتصل بأي مخلوق. إذا إن الله علمنا أن الحل يأتي من السماء أولاً.
- الثالثة: خدّر حواسك قبل الصلاة، أغمض عينيك لثوانٍ قبل الدخول في الصلاة، وجدّد نيتك، لأنك الآن ستقف بين يدي ملك الملوك، فليكن ما في الدنيا وراء ظهرك.
- الرابعة: جدّد تلاوتك من السور والآيات، ولا تُكرر نفس قصار السور في كل صلاة حتى لا تتحول لعادة ميكانيكية، حاول أن تحفظ سوراً جديدة، أو اقرأ من المصحف في النافلة لتُجدد لذة المناجاة والتدبر.
- الخامسة: أكثِر السجود، وضع لنفسك حداً أدنى من السنن الرواتب كل يوم لا تتنازل عنه فإن 12 ركعة تملكك قصرا في الجنة كل يوم. كما أن كثرة السجود هي المهر الذي تدفعه لمرافقة النبي ﷺ.
- السادسة: احمِ أوقات الصلاة، واضبط مواعيد عملك ونومك ودراستك وزياراتك على مواقيت الصلاة، لتكن الصلاة هي المقياس الزمني، وكل شيء آخر يدور حولها لا العكس.
- السابعة: أكثِر من الدعاء بحب الصلاة والخشوع فيها، وسلِ الله أن يجعلها قُرة عينك، وألحّ عليه سبحانه بدعاء الخليل إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: 40].





