
انتهاكات جديدة لمليشيات الدعم السريع بحق مدنيي النهود
أغسطس 4, 2026
الصلاة معراج الأرواح وأعظم الملاذات
أغسطس 5, 2026بقلم: بهاء اللفتاوي – ناشط سياسي فلسطيني
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، والصلاة والسلام على من بعثه ربي جل جلاله بالعروة الوثقى لا انفصام لها، وبعد:
فيا رُوَّاد المعالي، اخلعوا عن أنفسكم أدران الغفلة، ولنرجعْ بالذاكرةِ إلى ذلك اليومِ العصيب الذي اهتزَّتْ فيه المدينةُ المنوَّرةُ، اليومِ الذي أظلمَ فيه كلُّ شيءٍ؛ يوم فاضتْ روحُ سيّد الخلق محمد ﷺ إلى بارئِها.. مات رسول الله ﷺ!
وقد وقعَ خبرُ موته ﷺ كالصاعقةِ، فاضطربتِ العقولُ، وذهلتِ النفوسُ، حتى وقفَ عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ، بصلابتِهِ المشهودة وقوتِهِ، شاهرًا سيفَهُ من فرط الصدمة قائلاً: “إنَّ رجالًا من المنافقينَ يزعمونَ أنَّ رسولَ اللهِ قد ماتَ، وإنَّ رسولَ اللهِ، واللهِ، ما ماتَ، ولكنَّهُ ذهبَ إلى ربِّهِ، وليبعثنَّهُ اللهُ، فليقطعنَّ أيديَ رجالٍ وأرجلَهم”. كانَ الموقفُ فوقَ طاقةِ العقولِ.
وفي وسطِ هذا الذهولِ، دخلَ الصدِّيقُ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ، فكشفَ عن وجهِ النبيِّ ﷺ، قبَّلَهُ وبكى، ثمَّ قالَ بكلماتٍ يملؤها اليقينُ والرضا: “طبتَ حيًّا وميتًا يا رسولَ اللهِ”. ثمَّ خرجَ إلى الناسِ، وعمرُ يكلِّمُهم، فقال: “اجلسْ يا عمرُ”. فحمدَ اللهَ وأثنى عليهِ، ثمَّ قالَ الكلمات التي أعادتْ للأمَّةِ وعيَها، وصحَّحتْ مسارَ التاريخِ: “ألا مَنْ كانَ يعبدُ محمدًا، فإنَّ محمدًا قد ماتَ، ومَنْ كانَ يعبدُ اللهَ، فإنَّ اللهَ حيٌّ لا يموتُ”. ثمَّ تلا قولَهُ تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144].
يقولُ عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه: “واللهِ لكأنني لم أعلمْ أنَّ اللهَ أنزلَ هذه الآيةَ حتى تلاها أبو بكرٍ”.
أيُّها الإخوة، ماذا فعل أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه في هذا الموقفِ العصيبِ؟
إن الصنيع العظيم الذي قدمه الصديق في تلك اللحظة الفارقة لم يكن مجرد تهدئة النفوس، بل تذكير المسلمينَ بأنهم أصحابُ مشروعٍ حضاري ورسالة مستمرة، وحملةُ رايةِ الحقِّ، لا يموت بموت صاحبه ﷺ. هوَّنَ عليهم مصيبةَ موتِ الرسولِ ﷺ، ووجَّهَ مشاعرَهم ومحبتَهم للرسولِ ﷺ بالاتجاهِ الصحيحِ: نحوَ الرسالةِ والتكليفِ.
مات رسول الله ﷺ، لكن المشروع لم يمُت. فانبرى المسلمونَ لتكملةِ المشروعِ الذي بدأهُ ﷺ. نصبوا أبا بكرٍ الصديق خليفةً للمسلمين، فلم يلتفتْ رضيَ اللهُ عنهُ للمثبِّطينَ، بل أنفذَ جيشَ أسامةَ بنِ زيدٍ، وحصَّنَ الدولةَ الإسلامية داخليًّا، وحاربَ المرتدِّينَ، وحمى بيضةَ الإسلامِ، ومن ذات المدرسة وذات النهج، تخرَّجتْ أجيالٌ تقودُ الدنيا بذات الدافع وذات الرسالة.
وبعدها بسنوات وقف الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه أمامَ رستمَ، قائدِ الفرسِ، بكلِّ عزةٍ واعتزازٍ، وعرَّفَ بنفسِهِ وأمَّتِهِ قائلًا: “نحنُ قومٌ ابتعثنا اللهُ لنخرجَ مَنْ شاءَ من عبادةِ العبادِ إلى عبادةِ ربِّ العبادِ، ومن ضيقِ الدنيا إلى سعةِ الدنيا والآخرةِ”.
ووقف الفاروق عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ على تخومِ بيتِ المقدسِ، في لحظةِ النصرِ والفتحِ، ليضعَ القاعدةَ الذهبيةَ لهذهِ الأمةِ، ويقول: “إنَّا كنَّا أذلَّ قومٍ، فأعزَّنا اللهُ بالإسلامِ، فمهما ابتغينا العزةَ بغيرِهِ أذلَّنا اللهُ”.
أيُّها المسلمونَ.. تأملوا في أحوالِ هؤلاءِ العظماءِ؛ كيفَ كانتْ همومُهم؟ وبماذا كانتْ تتعلقُ عقولُهم وقلوبُهم؟ لقد كانتْ حياتهم معاركَ وعيٍ، وبناءٍ، وفتوحاتٍ، وحملِ رسالة. لم تكنْ تفاهاتُ الأمورِ تأخذُ من وقتِهم ثانيةً واحدةً، لأنهم عرفوا قيمتَهم ودورَهم في هذا الوجودِ.
أيها المسلمون.. نحنُ أحفادُ أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعلي، وخالد، والقعقاعِ، وسعدِ بنِ معاذٍ، نحنُ حملةُ مشروعِهم، وحراسُ رايتِهم، وورثةُ رسالتِهم. نحنُ أمةُ محمدٍ ﷺ التي قالَ اللهُ سبحانهُ وتعالى فيها: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110].
ومن هنا، من هذا المنطلقِ تحديدًا، نلتفتُ إلى واقعِنا اليومَ لنرى الهوةَ السحيقةَ!
حينَ نرى كيفَ تُستنفرُ طاقاتُ الأمةِ، وتُوجَّهُ عقولُ شبابِها، وتُصرفُ مئاتُ الملياراتِ، وتُشحَنُ العواطفُ لشهورٍ وأيامٍ من أجلِ ماذا؟ من أجلِ جلدةٍ ممتلئةٍ بالهواءِ! من أجلِ مبارياتٍ وكأسِ عالمٍ تُصفِّقُ لهُ الدنيا وتنشغلُ بهِ الشعوبُ.
وهنا يجبُ أن نقفَ وقفةَ صدقٍ ونقولَ بملء الفم: إننا لسنا كغيرِنا!
لا يجوز لأمة تحمل ميراث النبوة أن تنظر إلى ملهيات العصر بنفس المنظار الذي تنظر به الأمم والشعوب الأخرى. كما لا يصح أن نختزل القضية في مجرد البحث عن “الحكم الفقهي” المجرد للمسألة (أهو حلال أم حرام؟)، بل المسألة أعمق من ذلك بكثير.
ولا أقولُ ذلكَ فقط مراعاةً لما تمرُّ بهِ أمتُنا اليومَ من جراحٍ، ومآسٍ، وعذاباتٍ مستمرة، وما تنزف من دماء في بيت المقدس وأكنافه بل وفي شتى بقاع الأرض، مع أنَّ هذا وحدَهُ كافٍ لأن يفرضَ علينا مراجعاتٍ جادَّةً، وأن يوجبَ علينا مزيدًا من المحاذيرِ والحياءِ.
بل أقولُها لسببٍ أعمقَ وأخطر؛ وهو: ليسَ كلُّ ما يليقُ بالشعوبِ الأخرى يليقُ بأمةِ الإسلامِ.
فنحنُ لسنا أمةً جُمعتْ على العِرقِ، أو الحدودِ، أو النشيدِ، أو الترابِ، كغيرِنا من الأممِ. وإنما نحنُ أمةٌ جمعتْها العقيدةُ، ووحَّدتْها الرسالةُ. وكلتاهما تدفعانِنا دفعًا نحوَ العملِ للنهوضِ، والتغييرِ، والتحريرِ، وحملِ هدايةِ الإسلامِ ونوره إلى البشريةِ كافة.
ومن هنا، وهذا أمرٌ في غايةِ الأهميةِ، ما قد يكونُ عندَ غيرِنا وسيلةً للترفيهِ أو أداة للتماسكِ الوطنيِّ، قد يعد عندَنا أداةً خبيثةً لتفكيكِ الوعيِ، وصرفِ الاهتمامِ، وإضعافِ الشعورِ بوحدةِ الأمةِ، وتفريغِها من رسالتِها ودورِها الحضاريِّ وتخديرها عن قضاياها الكبرى.
أيها الشباب الأوفياء.. إن مَنْ لحقَ بطريقِ المعالي لم تشغلْهُ توافهُ الأمورِ ولا الملهيات، نحنُ أمةٌ مثخنةٌ بالجراحِ، أمةٌ مستهدفةٌ في هويتِها وعقيدتِها وثرواتِها، نحنُ أمةٌ لا وقتَ عندَها حتى للهوِ المباح.
إن المسلم، وهو المبدئيُّ، وصاحبُ الرسالةِ، والفكرةِ، والمشروعِ:
- لا يغضبُ لانحيازِ حكمِ مباراةٍ لفريقٍ يلعبُ ضدَّ فريقِهِ، أكثرَ من غضبِهِ لانحيازِ الحكامِ العملاءِ الخونةِ في بلادِنا لأمريكا والكيانِ الغاصبِ.
- ولا يحزنُ عندما يُسجَّلُ هدفٌ في شباك مرمى فريقِهِ الرياضيِّ، أكثرَ من حزنِهِ على الأهدافِ المتتالية التي تُسجَّلُ في مرمى الأمةِ منذَ سقوطِ الخلافةِ قبلَ مائةِ عامٍ وما أكثرَها.
أيُّها المسلمونَ.. اعرفوا قدرَكم، واستشعروا رسالتَكم، ولا تبيعوا وعيَكم في سوقِ الإلهاءِ، وإني والله لأعلم الخيرَ الذي في هذهِ الأمةِ، ولا أجلدُها أبدًا، ولا ينبغي لأحدٍ أن يفعلَ ذلكَ.
إني والله لأعلم يقيناً أنَّهُ إذا نزلتْ بالأمةِ نازلةٌ؛ تحركتْ قلوبُكم، وبذلتم أموالَكم، ودعوتم لإخوانِكم، وتألمتم لآلامِهم. هكذا هي الأمةُ، موحَّدةٌ فكريًّا وشعوريًّا، ولا ينقصُها إلا أن تتوحدَ عمليًّا عبرَ كيانٍ سياسيٍّ جامعٍ، يجمع طاقات الأمة ويوجهها التوجيه الصحيح ويصوب حركتها. وهنا مربطُ الفرسِ، وهذهِ هي قضيتُنا الأساسية.
أيها المسلمون.. إن إعادة الأمة إلى سابق عزها ومجدها واسترجاع سلطانها ودولتها لا يحتاج إلى مشاعرَ مؤقتةٍ، ولا إلى رداتِ فعلٍ عاطفيةٍ تنتهي بعدَ أيامٍ، ولا إلى أعمالٍ مناسباتية، بل يحتاجُ إلى عملٍ مستمرٍّ، منهجيٍّ، ودؤوبٍ.
أيها المسلمون.. في ذمتنا خلافة راشدة على منهاج النبوة، لن تكون إلا نتيجة فهمٍ للإسلامِ على منهاجِ النبوةِ، ونتيجة عملٍ لإقامةِ الدولةِ على منهاجِ النبوةِ، ونتيجةَ وعيٍ، وجديةٍ، وإخلاصٍ، وتحدٍّ، ومبدئيةٍ، وثباتٍ على منهاجِ النبوةِ.
فلنرتقِ لمستوى هذا الإسلامِ العظيمِ، لعلَّ اللهَ ينظرُ إلينا، ويرضى عنا، فيرفعُ ما بنا من ذلٍّ، وضعفٍ، وهوانٍ.
اللهم أرِنا بطولات أمتنا الحقيقية في نصرة دينك، والإثخان في أعدائك. اللهم أرنا بطولات أهل مصر والجزائر والمغرب في ساحات الجهاد في سبيلك، اللهم وحِّد صفوفنا، واجمع كلمتنا، وقوِّ عزائمنا، واستعملنا ولا تستبدلنا، والحمد لله رب العالمين.





