
تقرير أممي: انهيار الخدمات يهدد (170) ألف نازح بالنيل الأزرق
يوليو 23, 2026
طرق الإسلام باب قلبي في محل عملي!
يوليو 24, 2026بقلم: جواو مانويل – أحد المهتدين الجدد من دولة أنجولا
اسمي جواو مانويل، أبلغ من العمر أربعة وثلاثين عامًا، وأعيش في ضواحي مدينة لواندا في دولة أنجولا، كنت أعمل في شركة صغيرة تنقل المعدات الصناعية إلى الموانئ ومناطق التعدين، وكانت حياتي تسير بصورة تبدو عادية لمن ينظر إليها من الخارج؛ عمل طويل، سهر متكرر، أصدقاء كثيرون، وضحكات لا تنتهي في المقاهي الشعبية القريبة من الميناء. لكن داخلي لم يكن هادئًا كما يظن الناس.
ولدت في أسرة تدين بالمسيحية اسماً! مثل كثير من العائلات حولنا. كنا نذهب إلى الكنيسة في المناسبات الكبرى فقط، أما بقية أيام السنة فكان الدين بالنسبة لنا مجرد عادة اجتماعية لا أكثر. كنت منذ صغري أسأل نفسي أسئلة لم أجد لها جوابًا واضحًا: لماذا تختلف الكنائس في تفسيرها لكل شيء؟ لماذا يبدو رجال الدين مختلفين في أقوالهم؟ ولماذا أشعر دائمًا أن الحقيقة الكاملة ما زالت بعيدة عني؟
كبرت وأنا أؤجل هذه الأسئلة. كنت أقول لنفسي إن الحياة العملية أهم، وإن الإنسان يحتاج إلى المال أولًا، ثم يمكنه التفكير في أمور الروح لاحقًا. لكن كلما تقدمت في العمر ازداد الفراغ داخلي، خاصة بعد وفاة والدتي. كانت أكثر شخص قريب مني، وحين ماتت شعرت لأول مرة أن الحياة هشة بصورة مخيفة.
بعد وفاتها أصبحت أعود إلى البيت ليلًا فأجلس وحدي في الظلام. أحيانًا كنت أفتح هاتفي وأشاهد مقاطع تتحدث عن الأديان المختلفة، وأحيانًا أقرأ نقاشات طويلة بين الملحدين والمتدينين، لكنني كنت أخرج من كل ذلك بمزيد من الحيرة!
في تلك الفترة بدأت شركتنا تتعامل مع شركة أجنبية كانت ترسل خبراء إلى أنجولا للإشراف على بعض المعدات الجديدة. وكان من بين الذين قدموا رجل عربي اسمه “سامي”. لم يكن مديرًا كبيرًا ولا شخصًا ثريًا بصورة لافتة، لكنه كان مختلفًا عن كل الأجانب الذين تعاملت معهم من قبل.
في البداية لم أهتم به كثيرًا. ظننته مثل بقية الزوار الذين يأتون لأيام ثم يغادرون. لكن شيئًا ما في طريقته شد انتباهي منذ الأيام الأولى!
كان يتعامل مع العمال باحترام غريب بالنسبة لنا. في شركتنا كان المعتاد أن يُهان العامل البسيط أو يُتجاهل، خاصة من الأجانب الذين يشعرون بتفوقهم علينا. أما هو فكان ينادي الجميع بأسمائهم، ويشكر كل شخص حتى على الأمور الصغيرة.
أتذكر يومًا أن أحد العمال أخطأ في تحميل بعض الصناديق، فصرخ فيه المدير المحلي بقسوة أمام الجميع. كنت أتوقع أن يغضب الرجل العربي أيضًا لأن الخطأ تسبب في تأخير العمل، لكنه اقترب من العامل وربت على كتفه وقال بهدوء “بالإنجليزية”: “كل الناس تخطئ المهم أن نتعلم من الخطأ”، رأيت العامل يكاد يبكي من المفاجأة.
بدأت أراقبه أكثر دون أن يشعر. كان يأتي مبكرًا، ولا يغش في ساعات العمل، ولا يرفع صوته، ولا ينظر للنساء بطريقة مبتذلة كما يفعل كثير من الرجال هنا. والأغرب أنه لم يكن يشرب الخمر إطلاقًا رغم أن بعض الموظفين حاولوا مرارًا معه دون جدوى!
في إحدى الليالي كنا نجلس قرب الميناء بعد انتهاء العمل، وكانت الموسيقى مرتفعة والعمال يضحكون بصخب. لاحظت أنه بقي صامتًا يراقب البحر. سألته: “أنت لا تشرب أبدًا؟”
ابتسم وقال: “ديني يحرّم ذلك”.
لم أكن أعرف شيئًا تقريبًا عن الإسلام سوى ما كنت أسمعه من الإعلام أو بعض القصص المشوشة. لذلك سألته مباشرة: “وهل تلتزم بكل ما يقوله دينك؟”
أجابني بهدوء: “أجتهد فى ذلك ما استطعت.. لأن الإنسان حين يؤمن أن الله يراه، يصبح مختلفًا”. بقيت هذه العبارة تدور في رأسي طويلًا: “حين يؤمن أن الله يراه”! لم أكن أعرف لماذا أثرت فيّ بهذا الشكل. ربما لأنني رأيت فيها شيئًا حقيقيًا لا مجرد كلام محفوظ.
مرت الأيام، وبدأنا نتحدث أكثر. لم يكن يحاول دعوتي إلى الإسلام بصورة مباشرة، وهذا ما جعلني أرتاح له. كان فقط يجيب عن أسئلتي كلما سألت. وحين لا يعرف كيف يشرح فكرة معينة يقول ببساطة: “لا أريد أن أقول شيئًا بغير علم”. هذا الصدق وحده كان جديدًا عليّ.
في أحد الأيام ضاعت من الشركة حقيبة تحتوي على مبلغ مالي كبير خُصص لشراء بعض القطع. حدثت فوضى كبيرة، وبدأ الجميع يتهم بعضهم بعضًا. بعد ساعات اكتشفنا أن الحقيبة كانت قد انتقلت بالخطأ إلى إحدى السيارات، والذي أعادها كان سامي. الأمر الذي صدمني ليس أنه أعاد المال فقط، بل أنه رفض حتى أن يأخذ مكافأة صغيرة مقابل أمانته!
وقال للمدير: “هذا ليس مالي حتى أكافأ على إرجاعه”.
في تلك الليلة لم أستطع النوم. كنت أفكر في نفسي وفي الناس من حولي. لو أن معظمنا وجد ذلك المال لأخفى جزءًا منه على الأقل. أما هذا الرجل فتصرف وكأن الأمر طبيعي جدًا!
بدأت لأول مرة أربط بين أخلاق هذا الرجل (سامي) وبين الإسلام نفسه. بعد أسابيع قليلة انتهت مهمته في أنجولا، وقبل سفره بيوم ودعني بحرارة. قلت له وأنا متردد: “أشعر أن دينك جعلك مختلفًا!
ابتسم وقال: “الإسلام ليس مجرد طقوس.. الإسلام يربي الإنسان من داخله قبل ظاهره”. ثم أخرج من حقيبته نسخة مترجمة من معاني القرآن باللغة البرتغالية وأعطاني إياها. وقال: “اقرأ بنفسك، ولا تجعل أحدًا يفكر بدلًا عنك”.
بعد سفره بقي الكتاب أيامًا على الطاولة دون أن ألمسه. كنت خائفًا بطريقة ما. شعرت أن فتحه قد يغير أشياء كثيرة في حياتي. وفي إحدى الليالي، بعد يوم طويل ومتعب، فتحت الكتاب أخيرًا.
لا أستطيع وصف ما شعرت به بدقة. لم يكن الأمر أشبه بقراءة كتاب ديني عادي. كانت هناك آيات تخاطب شيئًا عميقًا داخلي. توقفت طويلًا عند الآيات التي تتحدث عن وحدانية الله وعن مسؤولية الإنسان وعن الموت والبعث أشياء أخرى. شعرت أن الكلام واضح بصورة لا تشبه التعقيد الذي اعتدته في النقاشات الدينية، وصرت أقرأ كل ليلة لساعات. لكنني في الوقت نفسه كنت خائفًا من فكرة التغيير. ماذا سيقول أصدقائي؟ كيف ستكون ردة فعل عائلتي؟ وهل أنا مستعد أصلًا لأن أغير حياتي كلها؟!
كنت أحيانًا أقاوم الفكرة بعنف. أقول لنفسي إنني متأثر فقط بأخلاق رجل محترم، وأن هذا لا يعني أن الإسلام هو الدين الحق. لكن شيئًا في داخلي كان يرفض هذا الهروب.
بدأت أبحث على الإنترنت أكثر عن الإسلام. شاهدت مقاطع كثيرة، بعضها جيد وبعضها مليء بالتشويش والجدال. وفي يوم كنت أتصفح فيسبوك بعد منتصف الليل، ظهر أمامي منشور باللغة البرتغالية لصفحة تدعو إلى الإسلام، اسمها “بصيرة”. كان المنشور يتحدث عن معنى أن يعرف الإنسان خالقه مباشرة دون وسطاء، وأن الهداية تبدأ بسؤال صادق، ووقفة مع النفس!
شدني أسلوب المنشور لأنه لم يكن هجوميًا أو متعصبًا. شعرت كأن الكلام يخاطبني أنا! ظللت أحدق في زر الرسائل دقائق طويلة قبل أن أضغط عليه.
أرسلت في النهاية رسالة قصيرة جدًا: “أريد أن أسأل عن الإسلام”.
كنت أتوقع ردًا آليًا أو كلامًا محفوظًا، لكن أحد المحاورين رد عليّ بطريقة هادئة ومحترمة. سألني أولًا عن سبب اهتمامي بالإسلام، ثم تركني أتكلم بحرية. لأول مرة شعرت أن هناك من يستمع فعلًا لما بداخلي.. حدثته عن حيرتي القديمة، وعن وفاة أمي، وعن خوفي من الموت، وعن الرجل العربي الذي غيرت أخلاقه نظرتي للإسلام. لم يسخر مني، ولم يضغط عليّ، بل كان يجيب عن أسئلتي واحدة واحدة.
سألته: ” كيف يمكن لدين واحد أن يكون صحيحًا وكل هذه الأديان الأخرى موجودة؟”
فقال: ” وجود الاختلاف لا يعني أن الحقيقة غير موجودة.. الإنسان يبحث حتى يصل للدين الحق”.
ثم تحدث معي وقال لي إن الدين عند الله الإسلام، وحدثني عن التوحيد، وعن معنى أن يعبد الإنسان الله مباشرة بلا وسطاء ولا صور ولا اعترافات بشرية. وكلما قرأت ردوده شعرت براحة غريبة.
استمر الحوار بيننا عدة أيام، لكنه بلغ ذروته في ليلة لا أنساها أبدًا. كانت السماء تمطر بقوة خارج المنزل، والكهرباء انقطعت عن الحي كله تقريبًا. سألته تلك الليلة: “كيف يعرف الإنسان أنه وجد الدين الحق فعلًا؟”
أجابني: “حين يطمئن قلبه للعقيدة، ويجد أن الفطرة والعقل والروح تجتمع على قبولها”.
أغلقت الهاتف بعدها لدقائق طويلة، ونظرت إلى الظلام حولي، وشعرت أنني متعب من الهروب. تذكرت سنوات الحيرة، وتذكرت ذلك الرجل العربي الذي رأيت الإسلام في أخلاقه قبل أن أقرأ عنه، وتذكرت الآيات التي كنت أقرؤها ليلًا وحدي، كنت أعلم في داخلي أنني اقتنعت، لكن النطق بالحقيقة شيء آخر. عدت إلى المحادثة وكتبت للمحاور: “أعتقد أنني مستعد”.
سألني: “مستعد لماذا؟” كتبت وأنا أشعر أن يدي ترتجف: “مستعد لأن أصبح مسلمًا”.
لا أستطيع وصف تلك اللحظة. شعرت بخوف عظيم وراحة عظيمة في الوقت نفسه.
أرسل لي المحاور الشهادتين مكتوبتين بالعربية والبرتغالية، وبدأ يشرح لي معناهما كلمة كلمة. ثم طلب مني أن أنطقهما إن كنت مؤمنًا بهما حقًا.
أغمضت عيني للحظة، ثم نطقت الشهادتين بقلبي قبل لساني: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله”.
بعد أن انتهيت شعرت بشيء لم أشعر به طوال حياتي. وكأن ولدت من جديد في تلك اللحظة، وبكيت تلك الليلة طويلًا.. لم يكن بكاء حزن، بل بكاء شخص ظل سنوات يبحث عن شيء ثم وجده أخيرًا.
قال لي المحاور بعدها: “الآن بدأت رحلة جديدة”! وبالفعل.. كانت حياة جديدة.
في الأيام التالية انضممت إلى قسم التعليم بمشروع بصيرة، وبدأت أتعلم الصلاة وبعض سور القرآن الكريم، لم أصبح إنسانًا كاملًا فجأة، وما زلت أتعلم حتى اليوم، لكنني تغيرت من الداخل بصورة حقيقية.. أصبحت أنظر للحياة بطريقة مختلفة. لم يعد المال هو هدفي الأكبر، ولم تعد السهرات اليومية تملأ الفراغ الذي بداخلي كما كنت أتوهم. لأول مرة أشعر أن لحياتي معنى يتجاوز العمل والأكل والسهر والنوم.
والأمر الذي لا أنساه أبدًا.. أن بدايتي مع الإسلام لم تكن مناظرة كبيرة،أو جدالًا فلسفيًا معقدًا، بل كانت أخلاق رجل مسلم رأيت فيها صدق وحقيقة الإسلام قبل أن أقرأ عنه!
أسأل الله أن يثبتني على الإسلام حتى ألقاه.





