
صلاح الدين بطل حطين
يوليو 16, 2026
خوارج الدعم السريع يحرقون بقصف المسيرات محطة كهرباء الدبة
يوليو 16, 2026حسْب الأمة العربية ما عانته من تجارب طويلة مريرة، ولو كانت الوسائل السياسية والدعاية تؤثر في إنجلترا لرأينا جدواها في البلاد العربية التي ابتليت باستعمارها منذ القديم، فلا يجوز للعرب أن يُلدغوا من هذا الجُحر مئات المرات، وأن ينطلي عليهم مثل هذه الخزعبلات التي لا يجنح لها إلا أحد رجلين :
١- مغفل لا يعقل ولا يَعتبر، ولا يميز الخبيث من الطيب والنافع من الضار، وقد أخذت عليه سبيله وملكت لُبه الدعاية الاستعمارية والثقافة الإنجليزية التي صبغته بصبغتها وصهرته في بوتقتها؛ فأصبح مخدراً بها أو منوماً بمغناطيسها.
2- عامل من عمال إنجلترا وتابع من أتباعها؛ ممن ماتت ضمائرهم وعاشت أطماعهم الخسيسة ورانت أوزارهم على قلوبهم فهم لا يرجعون.
هذا ولا ريب في أن إنجلترا استطاعت خلال احتلالها الطويل لمصر ولبعض البلاد العربية، أن تنشئ جيلاً من الناس ملكت عليهم ألبابهم، واحتلت قلوبهم وعقولهم، فهم صنائعها الذين صنعتهم بيديها وفق مصالحها بواسطة مدارسها والمؤسسات الأخرى لثقافتها ودعايتها، ولا شك أن احتلال القلوب والعقول أبعد أثراً وأشد خطراً من احتلال الديار والمنازل، بل الحصون والمعاقل. وقد عانت الأمة العربية من هؤلاء وأولئك بلاء عظيماً وهماً مقيماً؛ لأن كثيرين منهم نبذوا عقولهم وقلوبهم وضمائرهم جانباً وأصبحوا طوع بنان المستعمرين ينظرون إلى إنجلترا نظرة الخاضع الخاشع إلى مولاه، أو نظرة المجنون إلى ليلاه، ولسان حالهم يقول:
فإن تسلمي نسلم وإن تتنصّري ** يخط رجال بين أعينهم صُلبا
أولئك هم علة العلل، والطابور «الرتل» الخامس الذي يعيث فساداً في بلاد العرب. ولاشك أن الطابور الخامس المؤلف من هؤلاء المسحورين بسحر إنجلترا، ومن الانهزاميين والنفعيين والأعوان الخائنين لهو أشد العناصر خطراً على الأمة العربية.
وهناك فريق ثالث لا ينقصه الإخلاص ولكن تنقصه التجربة والعبرة، ويخدعه من السياسة الإنجليزية لين الأفاعي في ملمسها، وسعة حيلتها، وطول أناتها حتى لكأنها تعمل بحكمة معاوية مؤسس الدولة الأموية في قوله: “لو كان بيني وبين الناس شعرة ما قُطعت قط، فإذا شدوها أرخيتُها، وإذا أرخوها شددتُّها”.
فإن من دهاء إنجلترا أنها لا تقطع رجاء من يكون لهم بها أي اتصال، ولا تدفعهم لليأس، بل تربطهم ولو بخيط واهٍ من الرجاء فيظلوا معلقين في الهواء، وإني لأذكر كيف كان بعض الناس يستخفهم الفرح إذا سمعوا تصريحاً لنائب أو قرأوا مقالاً لكاتب في صحيفة إنجليزية فيه انتصار لقضيتهم. ولئن جازت علينا هذه الأوهام والمخادعات في الماضي فلن تجوز علينا بعد اليوم.
ولست أريد بما ذكرت من الحقائق التجني على إنجلترا والتأليب عليها، ولكني أقصد تحذير العرب من الانخداع بالأوهام الاستعمارية بعد أن تبيّن لهم أنها سراب لا ماء فيه، وخداع لا خير فيه. أما أذا بدلت إنجلترا خطتها التدميرية حيال الأمة العربية ولزمت خطة الحياد في الصراع القائم بين العرب واليهود -على الأقل- فلا شك أن العودة إلى إقامة الصلات الحسنة معها أمر مرغوب فيه كما هى الحال مع غيرها من الدول، فليس في السياسة أحقاد دائمة أو خصومات مستمرة لذاتها، وكل أمة حية واعية إنما تُعادَى أو تُصادَق وفقاً لمصالحها.
مساعي إنجلترا وأميركا لحمل العرب على مصالحة اليهود
إن مساعي الدول الغربية -ولا سيما إنجلترا وأميركا- لعقد صلح بين العرب واليهود، قد اتخذت شكل الإلحاح والإصرار.
فما انفك الإنجليز والأمريكيون واليهود يلجأون إلى جميع الوسائل لتحقيق هذه الغاية. ولعل من أفظع الوسائل التي لجأوا إليها مجزرة قرية (قبية) الوحشية التي دُبر أمرها بليل، ثم استغلها الإنجليز والأمريكيون لاستصدار قرار من مجلس الأمن بضرورة إجراء مباحثات مباشرة بين الأردن واليهود؛ لتكون تلك المباحثات خطوة أولى نحو الصلح تتبعها خطوات أخرى مع سائر الدول العربية.
والواقع أن الإنجليز والأمريكيين واليهود لا يكاد يشغلهم شاغل عن هذا الأمر؛ فهم في مساعيهم لتحقيق رغبتهم الجامحة مدفوعون بعوامل الحرص على استبقاء الكيان اليهودي الذي أقاموه في فلسطين على أنقاض شعبها العربي وتحقيق استقراره وازدهاره، لأنهم يعلمون حق العلم أن بقاء الكيان اليهودي الذي أوجدوه في فلسطين مستحيل ما دام العرب غير معترفين به ومقاومين له، وأنه ما لم يعترف العرب بالدولة اليهودية ويتعاملوا معها فإن مصيرها إلى زوال محقق، طال الزمان أم قصر.
ولا عـبـرة بالمساعدات السياسية والمالية والعسكرية التي تقدمها إنجلترا وأميركا لليهود، فسينضب معينها يوماً ما، والمهم أن يظل العرب متنبهين لدسائس اليهود ومطامعهم، عاملين على إحباطها.
مصالحة اليهود انتحار للأمة العربية
أما الصلح الذي يحاول الإنجليز والأميركيون واليهود عقده فإنهم يريدونه على أساس الأمر الواقع والوضع الراهن في فلسطين، ولا شك أن صُلحاً كهذا يعتبر انتحاراً للأمة العربية وقضاء مبرماً على مستقبلها واستقلال أقطارها، بل هو عار يلحق بها مدى الزمن، وأعظم ضربة قاصمة تصيبها بعد كارثتها الفادحة بفلسطين، فهو ينطوي على اعترافها بالأمر الواقع الذي أسفر عن اقتطاع فلذة من كبد الأمة العربية وضياع جزء من أجزاء العالم العربي وأقدسها وأكثرها أهمية عسكرية واقتصادية، والنزول عنه لشعب دخيل طامع معتد.
فأية أمة من الأمم لديها مسكة من العقل أو ذرة من الشرف والعزة والكرامة تقبل بمثل هذا؟
ويعقب الصلح مع اليهود بطبيعة الحال، قيام مناسبات دبلوماسية، وعلاقات اقتصادية واجتماعية وغيرها، ويفسح المجال في الأقطار العربية (التي يطمع اليهود في السيطرة عليها وضم أقسام كبيرة منها إلى دولتهم) للدعاية الاستعمارية، والدسائس الصهيونية، كما تفتح أمامهم أسواق الأقطار العربية لتصريف المصنوعات اليهودية والإفادة بما فيها من المواد الخام التي تحتاج إليها الصناعات اليهودية.
وبعبارة أخرى يريد اليهود أن يجعلوا من فلسطين مركزاً صناعياً عظيماً في الشرق الأوسط، وأن يجعلوا الأمة العربية مستهلكة لمصنوعات هذا المركز، لأن اليهود لا يستطيعون بطبيعة الحال أن يزاحموا صناعات أوروبا وأميركا ويصدروا إليها مصنوعاتهم؛ فليس أمامهم إلا البلاد العربية لتصريفها فيها. وكذلك سيجد اليهود بفضل العلاقات السياسية والاقتصادية التي يحاولون إقامتها مع العرب -إذا تم صلح- سبيلاً لنشر المبادئ والآراء والعقائد والأخلاق التي تجافي روح الإسلام وآداب العروبة. ثم إن عقد الصلح مع اليهود يجعل العرب مسؤولين دولياً عن المحافظة على الوضع الذي سينشأ عن قيامه، ويفقدهم حرية العمل ويجعل من العسير عليهم القيام بأي عمل يُرجى منه صيانة عروبة فلسطين وتحريرها في المستقبل.
وقد يقول بعض الناس إن كل حرب قامت انتهت بصلح، وقياساً على هذا فإن الحرب بين العرب واليهود يجب أن تنتهي بصلح.
وهذا قول مردود وحجة واهية؛ لأن ما وقع في فلسطين لم يكن حرباً بالمعنى الصحيح، بل كان غزوة استعمارية جارفة، واغتصاباً لقُطر من أهله وتشريدهم منه في الآفاق بعد سلبهم وانتهاب أموالهم وممتلكاتهم. فهو استعمار بأفظع أشكاله وصوره، وأشنع أساليبه، وأحقر وسائله.
وإن الاعتراف بمثل هذا النوع من الاستعمار، بالصلح أو بغيره، سابقة رهيبة ستحترق بلظاها أقطار عربية أخرى على نفس الطريقة التي اتبعها اليهود في فلسطين بالاتفاق والتعاون مع الإنجليز والأمريكيين.
أما الزعم بان عقد الصلح مع اليهود يقر الأمن والسلام في الشرق الأوسط، ويضع حداً للمطامع اليهودية في الأقطار العربية؛ فهو بعيد جداً عن الحقيقة والواقع. لقد تحدثت في أجوبتي السابقة عن المطامع اليهودية في الأقطار العربية، وسعي اليهود المتواصل لتحقيقها بما لا يدع مجالاً للشك والريب، ولو ادعى اليهود أنفسهم أن الصلح مع العرب يضع حداً لمطامعهم؛ فعلى كل ذي عقل وإدراك أن لا يأبه لهذا الادعاء ولا ينخدع به؛ فقد برهنت الأيام والتجارب الكثيرة على أن اليهود لا عهد لهم ولا
ميثاق.





