
من مقال تسليم يافا نموذج من مساخر جيش الجامعة العربية!
يوليو 15, 2026
حكومة نتنياهو ترصد مليارات لتوسيع الاستيطان بالضفة
يوليو 15, 2026بقلم .. المستشرق الألماني يوسف أشباخ*
لما تُوفي يعقوب المنصور، ولي العرش ولده الذي اختاره من قبل لولاية عهده، وكان محمد الملقب بأبي عبد الله الناصر لدين الله في أطيب سني عمره حينما خلف أباه في الحكم. بيد أنه بالرغم من كفايته وثقافته لم يكن يحسن اختيار وزرائه وقادته، فكان كثيراً ما يعهد بأهم شؤون الدولة إلى رجال عاجزين، يوليهم كل ثقته.
وقد اضطر في بداية حكمه -مثل جميع أسلافه- أن يعمل على إخماد ثورات عديدة نشبت أولاً في جبال غمارة؛ وما كادت تخمد حتى تلتها ثورات قام بها خصومٌ ظن الموحدون أنهم سحقوهم نهائياً. وكان هؤلاء هم المرابطين. وكانوا بعد انهيارهم التام في المغرب والأندلس، قد لقوا في الجزائر الشرقية (جزائر البليار) ملاذاً أخيراً، وأقاموا بها حكومة، ثم انضووا تحت لواء أمير بلنسية، وأخيراً اعترفوا مختارين بحكم الموحدين وذلك منذ سنة 1172 م (567 هـ) بيد أنهم عملوا في الخفاء على استدعاء أنصارهم تباعاً إلى ميورقة. ولما شغل محمد الناصر بإخماد ثورة نشبت بالقرب من فاس، رأوا الفرصة سانحة فنهضوا وساروا في السفن من ميورقة إلى إفريقية واستولوا على عدة مدن في أحواز قرطاجنة القديمة (تونس)، وهرعت إلى جانبهم جموع كبيرة من البربر، واضطر محمد الناصر أن يحشد جميع قواته، فهزمهم وغلبهم، ثم عفا محمد الناصر عنهم عفو الكرام، وذلك في سنة 601 هـ (1205 م).
ولكن تسامح سلطان الموحدين لم يكن له من أثر إلا أن يشجع المرابطين على الثورة من جديد، فلم تمض ثلاثة أعوام حتى خرجوا من جديد، ولكن المرابطين هزموا للمرة الثانية في موقعة دموية، وكاد أن يُسْحَق جيشهم عن آخره. ورأى الناصر أن يعمل على استئصال شأفة هذا الحزب نهائياً، فأمر بإرسال حملة بحرية إلى مركزهم في جزيرة ميورقة، فحاصرت عاصمة الجزيرة واستولت عليها عنوة، وهكذا انهارت الأنقاض الأخيرة لسيادة المرابطين.
وعندئذ فقط استطاع سلطان الموحدين أن يوجه عنايته إلى شبه الجزيرة الإسبانية لكي يرفع فيها راية الإسلام على النصرانية؛ وبعد أن أقام في مختلف المدن المغربية أبنية عظيمة فخمة يخلد بها ذكره، اعتزم أن يبز مجد أسلافه بأعمال الحرب الضخمة في شبه الجزيرة.
ولم يكن القشتاليون الظمأى إلى الحرب يستطيعون البقاء دون حرب؛ فبعد أن قاموا بمعاونة الفرنسيين على محاربة الإنجليز في “جويان”، في حرب قليلة الأهمية (سنة 1204م)، وبعد أن عقدوا الصلح مع جيرانهم النصارى، بتدخل البابا، أخذ ملك قشتالة ألفونسو النبيل يتأهب لمحاربة المسلمين، وكانوا قد ركنوا إلى السكينة منذ وفاة يعقوب المنصور.
وبعد أن حَصَّن ألفونسو قلعة “مورا” الواقعة على الحدود تحصيناً قوياً (سنة 1209 م) سار في جيش من القشتاليين وفرسان قلعة رباح إلى الأندلس، فانتسف الحقول، ونهب القرى، وقتل السكان، وسبى منهم جموعاً كبيرة. ثم عاد إلى قشتالة، ولقي ملكي نافارا وأراجون، ووثق معهما عهود الصلح، وحصل منهما على وعد بتأييده وإمداده بالجند حين الخطر لمحاربة العدو المشترك، واعتزم بعد ذلك أن يعمل لمحو وصمة هزيمة الأرك بإحراز نصر باهر على الموحدين. وفي العام التالي سار مرة أخرى إلى الأندلس، وخرب أراضي جيان وبياسة واندوجار، ووصل إلى أحواز مرسية ثم عاد إلى طليطلة مثقلاً بالغنائم.
ولما وقف محمد الناصر على اعتداء النصارى المتكرر على الأندلس، أعلن الجهاد، مؤملاً أن يستطيع بواسطة القوات الضخمة التي يرسلها من المغرب إلى إسبانيا أن يسحق الممالك النصرانية بلا مراء؛ وحُشِدَ في جنوبي الجزيرة جيش ضخم ربما يقدر بنحو نصف مليون مقاتل1.
وفي 25 ذي القعدة سنة 607 (أوائل مايو سنة 1211) جاز سلطان الموحدين بنفسه إلى الأندلس، غير أنه ارتكب خطأ فادحاً إذ أرسل خيرة جنده إلى حصن شربطره (Salvatierra) الجبلي المنيع، وأنهك بذلك قواهم؛ ولبث الجيش أمام هذا الحصن ثمانية أشهر، وهو ممتنع عليه. وأصر محمد -نزولاً على نصح حاجبه أبي سعيد بن جامع، وكان الموحدون يشكون في صدق نياته، ولكن محمداً يضع فيه كل ثقته- على ألا يتقدم قبل الاستيلاء على الحصن. وهكذا استمر الحصار طول الصيف حتى دخل الشتاء؛ وعانى المغاربة في هذه الجبال الوعرة من قسوة الطقس ما لا يحصى، وأودى المرض بحياة آلاف منهم، وأخذت وسائل تموين هذا الجيش الضخم تصعب يوماً فيوماً. وأرسل ألفونسو ملك قشتالة ولده فرديناند على رأس جيش نفذ إلى ولاية استرامادوره محاولاً أن يرغم الموحدين على رفع الحصار، ولكن هذه المحاولة لم تفلح، وفجع الملك بفقد ولده الذي أودت بصحته وحياته مشاق الحرب؛ وقيل في بعض الروايات إنه توفي مسموماً بيد يهود مجريط. وسقطت قلعة شربطره أخيراً بفعل الجوع في يد الموحدين، ولكن مقاومتها الطويلة الباسلة كانت سبباً في إنقاذ إسبانيا النصرانية.
وكان ملك قشتالة قد أرسل جوهارد إلى البابا أنوسان الثالث لينادي أمم أوربا النصرانية، لكي تنظم حملة صليبية ضد المسلمين في الأندلس؛ وأرسل مطران طليطلة وعدة أخر من الأحبار، إلى فرنسا وإلى الأمم الواقعة في شرقها، ليثيروا بذلاقتهم حماسة الشعوب النصرانية.
وفي الوقت الذي كان فيه البابا ومطران طليطلة يعملان للحصول على معاونة أوربا النصرانية ضد المسلمين، كان ألفونسو النبيل يعمل لجمع كلمة الملوك الإسبان ضد الموحدين؛ ودعا في سبيل هذه الغاية إلى مؤتمر عقد في قونقه، وعد فيه ملوك إسبانيا بتقديم العون من جند ومال. وهكذا انقضى عام 1211م في القيام بأهبات عظيمة لمتابعة الحرب؛ وقبل انتهاء الشتاء اجتمعت في طليطلة عاصمة قشتالة قوات عظيمة، قدرت -في أوائل يونيه سنة 1212م- بأكثر من عشرة آلاف فارس، ومائة ألف من المشاة.
وفي رومية أمر البابا بالصوم ثلاثة أيام والاكتفاء بالخبز والماء التماساً لانتصار الجيوش النصرانية؛ وأقيمت الصلوات العامة، وعمد رجال الدين والرهبان والراهبات إلى ارتداء السواد والسير حفاة، وسارت المواكب في الطرقات خاشعة متمهلة من كنيسة إلى أخرى. وألقى البابا نفسه موعظة صليبية، طلب فيها إلى النصارى أن يضرعوا إلى الله التماساً لنصر الإسبانيين.
ولما غصت طليطلة وأحوازها بجموع المحاربين، واستراحوا من وعثاء السفر، تأهب الجيش النصراني للسير إلى لقاء العدو في 20 يونيه سنة 1212م، وفي اليوم الخامس من بدء السير من طليطلة، في الرابع والعشرين من يونيه هاجم المحاربون الوافدون حصن مجلون وقتلوا جميع من فيه؛ ثم وفد ملك قشتالة وساروا جميعاً إلى قلعة رباح، وكانت بها حامية قوية من الموحدين؛ ولقي النصارى في عبور نهر وادي يانه الذي تقع عليه المدينة صعاباً فادحة، إذ كان المسلمون قد نثروا على جناحيه الصنانير والخوازيق الحديدية؛ وهاجمت الجيوش قلعة رباح من جوانبها الثلاثة المنيعة، حتى سقطت المدينة في أيديهم، ولكن القلعة كانت مجهزة بالأبراج العالية والأسوار المنيعة، وكان يخشى أن تقتضي حصاراً طويلاً. وأبدى ملك أراجون والمحاربون الوافدون في اقتحام المدينة شجاعة عظيمة، ولكنهم تكبدوا أفدح الخسائر.
وقبل أن يعود النصارى إلى مهاجمة القلعة، وقع الخلاف بينهم: هل ينبغي ترك فرقة لحصار القلعة ويتقدم الجيش إلى ملاقاة الجيش الكبير للمسلمين؟ لكن غلب الرأي بوجوب مهاجمة القلعة، لكونها تحوي أموالاً طائلة، وكميات عظيمة من المؤن التي بدأ النصارى يشعرون بنقصها. وما إن تسرب الخبر إلى قلعة رباح حتى بعث قائدها يوسف بن قادس رسولاً إلى ملك قشتالة، يعده بتحف عظيمة وتسليم القلعة إذا سمح للحامية أن تنسحب بسلاحها؛ وكان ملك قشتالة يميل إلى ذلك لكن حلفاءه والوافدين رفضوا أية تسوية تحقن بها دماء الحامية. بيد أنه لما أبدى المسلمون عزمهم على المقاومة بأقصى ما يستطاع، وافق النصارى أخيراً على أن تنسحب الحامية دون سلاحها. وهنا أبدى الأمراء الإسبان تفوقهم في فهم الحق ومبادئ الفروسية على إخوانهم في الدين من أبناء أمم الغرب الأخرى. ذلك أنه بالرغم مما حصل عليه المسلمون في قلعة رباح من حق الانسحاب آمنين على أنفسهم، أراد المحاربون الوافدون أن يفتكوا بالمسلمين، لولا أن منعهم ألفونسو وملك أرجون من ذلك الغدر! ثم وقع الخلاف بينهم في توزيع غنائم قلعة رباح، وعلى إثر ذلك غادر الصليبيون الفرنسيون الجيش مغضبين عائدين إلى بلادهم!
وعلى أثر ذلك سار الملوك الثلاثة في جيش لم تخرج إسبانيا النصرانية مثله من قبل؛ واخترقوا في الثاني عشر من يونيه ممر “مورادال” في جبال سيارا مورينا (جبل الشارات) لكي يلقوا العدو في ناحيتها الأخرى.
وكان محمد الناصر قد عمل إلى ذلك الحين على اجتناب المعركة بالرغم من كثرة جموعه خشية بأس المحاربين الصليبيين في الجيش الإسباني. ذلك لأن شهرة الفرسان الفرنج كانت قد سارت من المشرق إلى المغرب، ولكنه لما وقف على رحيل أولئك المحاربين، أخذ يسعى إلى لقاء العدو، مؤملاً أن ينزل بالنصارى الإسبان هزيمة كالتي أنزلها بهم أبوه في موقعة الأرك. وكان يحز في نفسه فقد قلعة رباح؛ وبالرغم من أن حاكمها ابن قادس بذل كل ما يستطاع للدفاع عنها، فإن الناصر اعتقد أنه قصر في هذا الواجب؛ فما كاد ابن قادس يصل مع الناجين من جنود الحامية إلى المعسكر، حتى أمر الناصر بقتله جهاراً نزولاً على نصح وزيره أبي سعيد بن جامع، وكان رجلاً كثير الدَّسِّ يبغضه كل الزعماء الموحدين والأندلسيين؛ وكان لمقتله أثر سيء في الجيش كله، ولا سيما بين جند الأندلس، ذلك لأنهم كانوا يعلمون أن ابن قادس قد بذل كل المستطاع، وأن مقتله لم يقع إلا بتحريض الوزير الذميم.
وعلى أثر سقوط قلعة رباح، غادر محمد الناصر نحو بياسة، واحتلت سريات من خيرة جنده ممرات جبل الشارات (سيارامورينا) المؤدية إلى أبدة وبياسة. ومع ذلك فقد استطاع النصارى بعد أن نفذوا إلى ممر مورادال أن ينتزعوا بعد معركة عنيفة قلعة فرّال الواقعة في قمة الجبل، وكان الموحدون قد قصروا في شحنها بالعدد الكافي من الجند. ولكن النصارى لم يغنموا بأخذها كثيراً؛ ذلك لأنه لم يكن في استطاعتهم نظراً لانعدام المياه في تلك المفاوز الشاقة، أن يطيلوا المكث بها دون التعرض لأعظم الأخطار؛ هذا إلى أنهم لم يروا سبيلاً للاستيلاء على الممرات الجبلية التي شحنت بالرجال ورتب الدفاع عنها أعظم ترتيب.
وكان المسلمون منذ ما رأوا تعذر الدفاع عن الآكام المرتفعة، قد احتلوا بخيرة جندهم الممر الذي يفضي من أعلى الجبل إلى سهل تولوزا. وقد أكد ألفونسو ملك قشتالة في رسائله إلى البابا أنوسان الثالث، أنه يستحيل على قوى العالم كلها أن تخترق هذا الممر إذا تولى الدفاع عنه ألف مقاتل فقط. ففي ذلك المأزق الخطر، كان يتعذر القيام بأية خطوة أخرى، وكان يبدو أن المخرج الوحيد الممكن لاتقاء الهلاك من الجوع والعطش في ذلك الجبل الوعر هو الارتداد ومحاولة دخول الأندلس من طريق آخر.
وبينما كان ملك قشتالة يصر على رفض أية حركة ارتداد -لأنه كان يأبى أن ينسب النصر إلى الأعداء في حين أنه لم يشتبك معهم بعد- إذ تقدم راع من رعاة هذا المكان بموعد بإرشاد الجيش إلى طريق يقع في مرتفع آخر ويمكن سلوكه دون أن يفطن العدو. ولما تحقق الملوك من صحة هذه الرواية، أسرعوا في نفس اليوم (يوم السبت 14 يوليه) برحيل الجيش؛ فسار النصارى بإرشاد الراعي، الذي اعتبر عندئذ منقذاً أرسل من عند الله، فاحتلوا المرتفع المذكور، وكان به بسيط شاسع يصلح لنزول الجيش، وحصنوا المكان.
سرعان ما وقف المسلمون على مكان عدوهم الجديد؛ وبالرغم من المزايا التي حصل عليها النصارى باحتلال هذا المكان، فإن سلطان الموحدين، واثقاً من تفوق قواته، فدعاهم إلى القتال في نفس اليوم؛ ولكن الملوك الإسبان لم يقبلوا هذه الدعوة، إذ كان جيشهم منهوك القوى من أثر السير إلى مكانه الجديد، ولم يكن قد تم تحصين المعسكر.
وفي اليوم التالي نظم محمد الناصر جيشه لخوض المعركة، ولكن الملوك النصارى آثروا الاعتصام بموقعهم المنيع، ولم يسمحوا إلا لبعض الفرسان البواسل بالالتحام مع العدو في مبارزات ثنائية. ولم يكن من الميسور أن تؤجل المعركة بعد؛ إذ بدأت المؤن في النقص واضطروا إلى مراعاة أشد الاقتصاد في الماء. ووقف الناصر على أحوال المعسكر النصراني من بعض الخونة، وأخذ يفاخر بأنه لن تمضي ثلاثة أيام أخرى حتى يقع الملوك الثلاثة المحصورون في الربى وجيوشهم أسرى في يديه.
ضرب محمد الناصر قبته الفخمة الحمراء، في وسط الصفوف واحتاط بالقبة حرس الأمير مشاة وفرساناً، وشهر الجند في اتجاه العدو حرابهم فكانت سداً منيعاً دون اختراقه الموت؛ ومدت في الوقت نفسه حول القبة نصف دائرة من السلاسل الحديدية القوية، حتى أصبح سلطان المسلمين وكأنه يجلس في حصن منيع. وكان بوسع النصارى أن يروا من الربى العالية جموع المسلمين التي لا تحصى، وقبة سلطان الموحدين الحمراء، وأن يميزوا ما حولها من الجموع.
وما كادت جموع المتطوعة من جانب المسلمين تلتقي بجنود الجبال القشتاليين وجموع الفرسان من جانب النصارى، ويشتبك الفريقان في معركة حامية، ويتحرك الجناحان في كل من الجيشين تجاه بعضهما حتى غدت المعركة عامة. وكان هجوم المتطوعة المسلمين شديداً في البداية، ولكنهم لم يستطيعوا اختراق صفوف الفرسان القشتاليين؛ ذلك أن هؤلاء كانت تؤيدهم جماعات الفرسان الدينية، فاستطاعوا أن يردوا جموع العدو وأن يمزقوها، واستشهد ألوف من المسلمين في سبيل دينهم. ولكن القشتاليين حينما عمدوا إلى مطاردة المتطوعة المسلمين لقوا أشد مقاومة، وسرعان ما اضطروا إلى مغادرة مراكزهم الأمامية، وارتدوا فارين وتابعهم الفرسان القشتاليون في فرارهم.
ولما رأى ملك قشتالة من الربى تطور المعركة على هذا النحو السيئ، أراد أن يسير بنفسه على رأس القوة الاحتياطية وأن يقتحم الميدان ليحاول محاولة اليأس الأخيرة؛ وكانت كلماته التي قالها لمطران طليطلة وهي “إن الساعة قد حانت لنلقى الموت المجيد” تدل على أنه لم يكن يؤمل النصر بعد. ولكن اعتراضات المطران والقوامس ردت ألفونسو عن أن يخوض بنفسه أعظم الأخطار. وأرسلت في الوقت نفسه قوات من أشجع الجنود لإمداد الجيش المرتد، وسار الأحبار أنفسهم على رأس الجند إلى قلب المعمعة، وهم يرفعون أعلاماً عليها صورة المسيح والعذراء، ويثيرون بذلك أعظم الحماسة في نفوس الجند.
وانتهزت جماعات الفرسان والجند الجبليون فرصة تقدم الإمداد الجديدة، ليلموا شعثهم وينظموا جموعهم، ثم عادوا فاستأنفوا زحفهم بمؤازرة القوى الجديدة وهم يحطمون كل مقاومة في اتجاه قلب الجيش الإسلامي حيث كان محمد الناصر وحرسه. وفي الوقت الذي صوبوا فيه هجومهم على دائرة السلاسل الحديدية التي احتشدت من ورائها ألوف مؤلفة من الحرس شاهرين الحراب، كان جناحا الجيش الإسلامي قد حُطما؛ ذلك أنه سرعان ما بدأت الموقعة حتى ركن الأندلسيون -الذين كانوا يقاتلون مرغمين مع الموحدين- إلى الفرار، وترتب على ذلك أن وقع اضطراب عظيم في الجيش الإسلامي، ولم يصمد في القتال سوى جند الموحدين النظاميين والحرس من السود والمغاربة، فقد لبثوا من وراء السلاسل يقاومون النصارى، ويحاولون انتزاع النصر منهم؛ ولبثوا من وراء هذا المعقل الصناعي يردون الهجمات التي يصوبها النصارى إليهم من كل صوب بشجاعة وجلد لا مثيل لهما؛ ولكن الفرسان النصارى ضاعفوا جهودهم لتحطيم الدائرة الحديدية، ووثب الكونت الفارو نونيز دي لارا على رأس كتيبة من الفرسان القشتاليين وفي يده العلم الملكي، فاقتحم الدائرة غير مبالٍ بالحراب المصوبة أمامها؛ واقتحمها في الوقت نفسه الملكان سانشو وبيدرو من الجانبين المتقابلين، ونفذا إلى قلب الجيش الإسلامي، بعد أن مزقا الجموع التي تصدت لهما.
ولما حطمت الدائرة الدفاعية غدا نصر النصارى تاماً حاسماً. وكانت هزيمة المسلمين فادحة. ولبث محمد الناصر يذكي حماسة حرسه حتى آخر لحظة؛ ولما رأى الهزيمة حلت بجيشه، ووقف على موت ولده الأكبر الذي قتل في المعركة وهو يقاتل قتال الأبطال، لم يرد فيما يبدو أن يعيش بعد، فقعد في خيمته على درقته، والعدو الظافر يدنو منه. فأقبل إليه أعرابي، ونبأه بفرار جنده، وناشده ألا يقعد بعد، فقال محمد: “صدق الرحمن وكذب الشيطان”؛ ثم امتطى صهوة جواده أخيراً، وغادر ميدان الحرب مسرعاً مع نفر من أصدقائه المخلصين، واتجه صوب بياسة، ولكنه لم يقف بها، بل سار منها تواً إلى إشبيلية.
وتعرف هذه الموقعة التي أحرز فيها النصارى هذا النصر الباهر، بموقعة نافاس دي تولوزا، وتعرف في الرواية الإسلامية بموقعة العقاب، ويؤرخونها في (15 صفر 609هـ = 16 يوليه 1212م)، ويعتبرونه من أسود أيام تاريخهم؛ وينسبون الهزيمة من بعض الوجوه إلى غطرسة مليكهم، إذ وضع كل ثقته في مئات ألوف الجند، وفي دربتهم، وفي مقدرة قواده، وفقد بذلك عون الباري جل وعلا؛ ويرمون من جهة أخرى الأندلسيين بالجبن والخيانة إذ ركنوا إلى الفرار بعد معارك قصيرة. أما النصارى فينسبون نصرهم على عدو يفوقهم ضعفين في العدد إلى عون الله، الذي هيأ لهم بما عمدوا إليه قبل الموقعة من الصلاة والابتهال؛ ولذا فإنهم لم ينسوا أن يقدموا شكرهم إلى الله في حفلة قداس نظمها الأحبار والأمراء في ميدان الحرب، ورتلت فيها أناشيد الشكر والعرفان.
وإذا قارنا الروايات العربية والنصرانية، وجدناها تتفق جميعاً، في أن عدد القتلى من المسلمين كان عظيماً جداً؛ بل نجد المؤرخين المسلمين خلافاً لعادتهم يصورون هزيمتهم بأعظم مما يقدر الإسبان خسائر أعدائهم. ولما كان الملوك الإسبان قد أنذروا بالموت كل إسباني يأسر مسلماً، فقد هلك من المسلمين أثناء الفرار أكثر مما هلك في الموقعة ذاتها. ذلك أن الإسبان لبثوا مدى أربع ساعات يطاردون أعداءهم الفارين ويقتلون كل من ظفروا به. وتقول الروايات العربية إنه لم ينج من الجيش الإسلامي وقوامه ستمائة ألف مقاتل سوى مائة ألف، وهو قول يحمل طابع المبالغة.
وكان من آثار هذا النصر العظيم أن استطاع النصارى بسهولة أن يفتتحوا عقب الموقعة بأيام قلائل عدة حصون مثل فرال، وبلقس وبانيوس وتولوزا وبياسة. ولم يكن في بياسة سوى المرضى والضعاف، والظاهر أنها كانت بمثابة المستشفى للجيش. وكان هؤلاء التعساء قد احتشدوا في مسجد المدينة الكبير، ينتظرون مصيرهم جزعين؛ فشاءت قسوة النصارى أن يجهزوا عليهم جميعاً بالسيف ما عدا قلائل منهم أخذوا أسرى.
بل ذهب النصارى الذين أعمتهم نشوة الظفر في قسوتهم وبطشهم إلى أسفل درك حينما هاجموا مدينة أبده التي اعتصم بأسوارها القوية بعض فلول الجيش المنهزم وسكانها العزل؛ وكان المسلمون يأملون نظراً لمناعة المدينة الطبيعية والحربية أن يردوا هجمات أعدائهم حتى يحل فصل الشتاء، ونظم النصارى في الواقع على المدينة هجوماً عاماً خسروا فيه كثيراً من القتلى، ولم يسفر عن أي نجاح؛ لولا أن استطاع الأرجونيون أن يتسلقوا الأسوار في أضعف نقطة فيها، وأن يحتلوها. ولكن القلعة وباقي أطراف المدينة بقيت على ثباتها رغم جهود الإسبان؛ وعندئذ رأى الملوك والقوامس أن خير الطرق وأكثرها إنسانية هي أن يقبل النصارى ما عرضه المسلمون، وكان المسلمون قد عرضوا فدية قدرها ألف ألف قطعة من الذهب (دينار) على أن يتركوا المدينة حرة يسكنها المسلمون وفقاً لشريعتهم وشعائر دينهم، فعقد الاتفاق!
ولكن الأحبار الظامئين إلى دماء المسلمين، أعلنوا بطلان هذا الاتفاق، وطلبوا أن تسلم المدينة دون قيد ولا شرط، فشاء ضعف الملوك أن ينقضوا العهد المقطوع؛ وسرعان ما أطلق النصارى العنان لقسوتهم في معاملة هؤلاء المنكودين؛ فقتل من المسلمين زهاء ستين ألفاً، وسُبِيَ مثل هذا القدر، وهدمت الدور بعد أن خلت المدينة من سكانها، وعندئذ أبدى الأحبار رضاهم، ورتلوا أناشيد الشكر!
وانساق النصارى بعد أخذ أبده إلى اللهو والإغراق، حتى استنفدت المؤن بسرعة، وشعرو بنقص شديد في الحاجات الضرورية؛ ثم دبت إليهم الأمراض وأهلكت منهم ألوفاً، فاضطر الجيش أن يعود أدراجه إلى قلعة رباح، دون أن يتابع نصره بعد.
ثم تقرر تخليداً لهذه الموقعة المظفرة أن يحتفل في السادس عشر من يوليه كل عام في طليطلة، ثم في قشتالة كلها فيما بعد، بإقامة حفل عظيم للشكر يسمى “بظفر الصليب”، وأرسلت إلى البابا طائفة من الهدايا النفيسة منها خيمة حريرية، وطبق كبير من الذهب، وعلم محلى بالذهب، وعرضت هذه الهدايا في كنيسة القديس بطرس تذكاراً للنصر.





