
صراع الرؤى بين الاستخلاف والنفعية
يوليو 10, 2026
ما كان يلبسه النبي ﷺ من أنواع اللباس
يوليو 11, 2026بقلم: د. محمد الناهي .. سفير الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ في اليمن
في مشهد نبوي مهيب، يقف صاحب المقام الأسمى، الرحمة المهداة ﷺ، أمام جنازة رجل من المسلمين.. الموت جلل، والموقف شفاعة، لكن النبي ﷺ يحبس خطواته الشريفة، ويلتفت إلى الصحابة ليقول كلمة زلزلت النفوس: “صلوا على صاحبكم فإن عليه دَيناً”.
لم يكن الرجل كافراً، ولا مرتداً، بل كان مسلماً استدان مالاً بطريقة شرعية، ربما ليطعم أهله أو يسد خلته، لكن الموت عاجله قبل الوفاء. ومع ذلك، رفض النبي ﷺ الصلاة عليه -مع إذنه للصحابة بذلك- حتى تقدم أبو قتادة رضي الله عنه ضامناً وملتزماً، فقال: “هو عليّ يا رسول الله”، فقال ﷺ: “بالوفاء؟” قال: “بالوفاء”، فعندها فقط صلَّى عليه.
إن هذا الموقف النبوي لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل كان تقنيناً لأعظم قاعدة حقوقية عرفتها البشرية: “حقوق العباد مبنية على المشاحة (أي المطالبة والضيق)، وحقوق الله مبنية على المسامحة”.
المفارقة الصادمة: دين شرعي.. أم نهب ممنهج؟
إذا كان هذا التغليظ النبوي، وهذا الصد الشديد قد وقع في حق رجل أخذ أموال الناس بالمعروف وعجز عن الرد، فماذا نقول في حق “مسؤول” أو “متنفذ” عاش طول عمره يأكل أموال الناس جهاراً نهاراً؟
كيف بمن نهب الملكيات العامة، واختلس خزائن الأمة، وحرم الأجراء عرقهم، وتسبب بفساده في جوع آلاف الأسر، ومرض الأطفال، وضياع الأجيال؟
العجيب في زماننا، أن السنن انعكست، والمفاهيم انتكست؛ فبينما يموت المسؤول الذي عاث في الأرض فساداً، نرى الجماهير تتسابق للصلاة عليه، وتزدحم المساجد بالباكين “دفاعاً عن المصالح” أو “مجاملة للإعلام”، وتنطلق الألسنة بالترحم والاستغفار لمن لم يرحم شعبه يوماً!
أليس هذا مَحقاً لمقاصد الشريعة؟ أليس هذا خذلاناً للمظلومين الذين غُصبت حقوقهم في الدنيا، ليجدوا أن الفاسد يُشيَّع بمواكب الاستغفار الشعبي؟
فتوى الواقع: لا صلاة حتى تبرأ الذمة
إن الإمساك عن الصلاة على هؤلاء ليس “تكفيراً” لهم -فأمر عقيدتهم إلى الله- ولكنه “تعزير شرعي”، وسلاح ردعي تملكه الأمة حين تغلبها الظروف. فالصلاة على الميت هي طلب شفاعة ورحمة، وكيف نطلب الرحمة لرجل كان سوط عذاب على رقاب الناس وأموالهم؟
لو كان للفقه الحر النابع من مقاصد الشرع صوت مسموع اليوم، لكان الواجب أن يفتى بالآتي: “لا يُصلَّى على مسؤول عُرف بأكل حقوق الناس، ولا يُستغفر له علناً، حتى تبرأ ذمته مالياً، أو يَشهد له الشعب أو أصحاب الحقوق بأنهم قد سامحوه”.
إن هذا الموقف الصارم هو الوسيلة الوحيدة الباقية في أيدي الشعوب لإعادة الهيبة لأموال الفقراء. فلو علم كل مسؤول، أو تاجر نصاب، أو آكل لعرق الأجراء، أن موته سيكون “فضيحة شرعية”، وأن جنازته ستكون مهجورة، وأن ألسنة الخلق ستمسك عن الترحم عليه؛ لفكّر ألف مرة قبل أن يمد يده إلى حرام.
رسالة إلى الجماهير: كفوا أيديكم وألسنتكم
يا أيها الناس: إن دين الله ليس مسرحاً للمجاملات السياسية أو الاجتماعية. حين تصطفون للصلاة على من هدم حياة البشر بنصبه وفساده، فأنتم تشاركون في إهانة المظلوم وتمييع الجريمة.
فلتكن لدينا الشجاعة أن نقول للظالم بعد موته كما قلنا له في حياته. اعتزلوا جنازات الظلمة وآكلي أموال الباطل، واجعلوا “عدم الصلاة عليهم” صيحة احتجاج فقهية توقظ الضمائر الميتة.
لقد مات صاحب الدَين البسيط فلم يصلِ عليه النبي ﷺ حتى سدد دينه.. فما بالكم بمن يموت وفي رقبته مليارات من أموال أمة كاملة؟
فاتقوا الله، وأقيموا الوزن بالقسط، ولا تصلوا على مَن خان الدين وأكل قوت المساكين.





