
ارتفاع إصابات الكوليرا في كردفان وجنوب دارفور
يوليو 9, 2026
بين عرق الشعب وجنازة المسؤول .. صرخة فقهية في زمن المجاملات
يوليو 10, 2026
بقلم: فرج كُندي : سفير الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ في ليبيا
ليست معارك الأمم الكبرى في حقيقتها معارك حدود وجغرافيا وثروات فحسب، بل هي في جوهرها معارك رؤى وتصورات ومفاهيم؛ فالحضارات لا تقوم أولاً على المصانع والأسواق والجيوش، وإنما تقوم على الإجابة عن الأسئلة الكبرى التي تحدد معنى الوجود وغاية الإنسان ووظيفته في هذا الكون. ومن هنا فإن التأمل في واقع العالم المعاصر يكشف أننا لسنا أمام تنافس بين نماذج تنموية مختلفة فحسب، بل أمام صراع بين فلسفتين متعارضتين في فهم الإنسان والحياة والتاريخ.
فمن جهة، تقف الرؤية الإسلامية التي تنطلق من مبدأ الاستخلاف، حيث الإنسان مخلوق مكرم، أودع الله فيه القدرة على المعرفة والعمل، وحمّله مسؤولية عمارة الأرض وفق ميزان العدل والرحمة. ومن جهة أخرى، برزت في قلب الحداثة الغربية رؤية نفعية مادية جعلت الإنسان مركز الكون، ثم انتهت تدريجياً إلى اختزاله في كائن اقتصادي تحكمه المصالح والرغبات وآليات السوق.
لقد وضع القرآن الكريم الأساس الفلسفي للرؤية الإسلامية منذ اللحظة الأولى حين أعلن حقيقة الإنسان في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]. فالإنسان في التصور القرآني ليس طارئاً على الكون، ولا نتاجاً أعمى لصراع المادة، وإنما هو خليفة مؤتمن، يحمل رسالة ومسؤولية. ولذلك فإن وجوده لا يُقاس بحجم استهلاكه ولا بمقدار ثروته، وإنما بمقدار قيامه بواجب الاستخلاف وتحقيقه للعدل والخير في الأرض.
ومن هنا يتضح الفارق الجوهري بين الرؤيتين؛ فبينما تنظر الفلسفات النفعية الحديثة إلى الإنسان بوصفه وحدة إنتاج واستهلاك، تنظر الرؤية الإسلامية إليه باعتباره كائناً أخلاقياً وروحياً قبل أن يكون كائناً اقتصادياً، ولذلك جاء التكريم الإلهي للإنسان عاماً وشاملاً، لا يرتبط بلون أو جنس أو قوة أو ثروة، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].
إن هذه الآية تؤسس لمبدأ بالغ الأهمية في الفلسفة الإسلامية، وهو أن الكرامة الإنسانية سابقة على الدولة والقانون والسوق والعقد الاجتماعي؛ فهي ليست منحة من سلطة سياسية ولا نتيجة اتفاق بشري، بل حق أصيل نابع من إرادة الله تعالى.
أما في الرؤية النفعية التي تشكلت داخل المركزية الأوروبية الحديثة، فقد أصبحت القيمة مرتبطة بالمنفعة، وأصبح النجاح يقاس بما يحققه الإنسان من تراكم مادي وقوة اقتصادية، ومع مرور الزمن تحولت المجتمعات إلى ساحات تنافس اقتصادي محض، وأصبحت العلاقات الإنسانية نفسها خاضعة لمنطق الربح والخسارة.
وهنا ظهرت أزمة الإنسان المعاصر؛ فكلما ازدادت قدرته على السيطرة على الطبيعة، تراجعت قدرته على فهم نفسه، وكلما تضاعفت إمكاناته المادية، ازداد شعوره بالاغتراب والقلق وفقدان المعنى.
ولعل السبب في ذلك أن الحضارة الحديثة نجحت في الإجابة عن سؤال: كيف ننتج؟ لكنها أخفقت في الإجابة عن سؤال: لماذا ننتج؟ ونجحت في مضاعفة وسائل الحياة، لكنها لم تنجح دائماً في تحديد غاياتها.
أما القرآن الكريم فقد ربط بين العمران والأخلاق ربطاً لا ينفصم، وجعل مهمة الإنسان في الأرض قائمة على التوازن لا على الاستغلال، فقال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]؛ فالعمارة هنا ليست استنزافاً للإنسان أو للطبيعة، وإنما هي بناء وإصلاح وإحياء. ولذلك كان الفساد في المنظور الإسلامي نقيضاً للعمران مهما حمل من شعارات التقدم والازدهار قال تعالى: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 77].
ومن أخطر ما أنتجته الفلسفات المادية الحديثة فصل الأخلاق عن السياسة والاقتصاد، حتى أصبحت المصلحة في كثير من الأحيان معياراً أعلى من العدالة، وأصبحت القوة قادرة على إعادة تعريف الحق وفق مصالحها.
أما الإسلام فقد أقام العمران كله على العدل، وجعل إقامة العدل غاية الرسالات السماوية، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25].
فالعدل في الرؤية الإسلامية ليس قيمة أخلاقية ثانوية، بل هو أساس الاجتماع البشري وأصل الاستقرار الحضاري، ومن هنا نفهم لماذا رفض الإسلام مبدأ أن “الغاية تبرر الوسيلة”؛ بل نبل الغاية وطهر الوسيلة؛ فالقوة في التصور الإسلامي مقيدة بالأخلاق، والسياسة مقيدة بالقيم، والاقتصاد مقيد بالمسؤولية الاجتماعية.
وقد عبّر النبي ﷺ عن هذا المعنى حين قال: “إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق”؛ فغاية الرسالة ليست بناء القوة المجردة، وإنما بناء الإنسان الذي يوجه القوة نحو الخير، ولهذا فإن الأزمة الحقيقية للعالم المعاصر ليست أزمة موارد ولا أزمة معرفة، بل أزمة قيم تضبط المعرفة وتوجه الموارد وتحدد غايات القوة.
إن الحضارة التي تفقد مرجعيتها الأخلاقية قد تنجح في إنتاج الرفاه، لكنها تعجز عن إنتاج السكينة، وقد تنجح في مضاعفة الثروة، لكنها تعجز عن تحقيق الطمأنينة، وقد تملك أسباب السيطرة على العالم، لكنها تفقد القدرة على السيطرة على شهواتها وأطماعها.
ومن هنا فإن مشروع الاستئناف الحضاري الإسلامي لا يقوم على رفض منجزات العصر ولا على معاداة العلم والتكنولوجيا، وإنما يقوم على إعادة وصل المادة بالروح، والعقل بالوحي، والقوة بالأخلاق، والعمران بالعدالة.
إن المعركة الحقيقية في عالم اليوم ليست بين متقدم ومتخلف، ولا بين شرق وغرب، وإنما بين رؤيتين للإنسان، رؤية تجعله مستهلكاً في سوق المصالح، ورؤية تجعله خليفة لله في الأرض يحمل رسالة العمران والعدل والشهادة على الناس. وهنا يكمن جوهر الفارق بين حضارة تسأل: ماذا نملك؟ وحضارة تسأل أولاً: لماذا نملك؟ وبين مشروع يجعل الإنسان خادماً للمادة، ومشروع يجعل المادة في خدمة الإنسان.
وهذا هو التحدي الحضاري الأكبر الذي يواجه أمتنا اليوم، وهو في الوقت نفسه مفتاح نهضتها القادمة.





