
ما كان يلبسه النبي ﷺ من أنواع اللباس
يوليو 11, 2026
الجيش السوداني والمقاومة الشعبية يصدان التمرد في النيل الأزرق
يوليو 11, 2026
بقلم: أمين الحسيني .. رئيس الهيئة العربية العليا لفلسطين*
وبعد يومين من نزولي فيه، قامت طائرات الحلفاء بغارة ليلية على برلين، فأيقظني الموظف الألماني المسؤول، وهبط بي إلى مخبأ القصر، وقد أنشئ على عمق عشرات الأمتار في جوف الأرض، فألفيته عبارة عن بيت كامل يحتوي على أحسن الرياش، وعلى غرف للنوم مزودة بالأسرة والفرش الوثيرة وقاعات للطعام والاستقبال والتدخين، وغير ذلك من وسائل الراحة والتدفئة، وعلى قاعات أخرى للمستشفى والعمليات الجراحية وآلات التصوير بأشعة رونتجن وغير ذلك.
وقد مكثت ضيفاً في قصر شلوس بيلفو نحو أسبوعين زارني خلالها عدد كبير من رجال وزارة الخارجية الألمانية وغيرهم من كبراء العرب والمسلمين والشرقيين من نزلاء ألمانيا في ذلك الحين
عندما وصلت إلى برلين كان وزير الخارجية الهر “فون ريبنتروب” غائباً عنها في صحبة الفوهرر في المقر العام في بروسيا الشرقية، فلما عاد ريبنتروب استقبلني في ٢٠ نوفمبر ١٩٤١، في مقر وزارة الخارجية في ويلهلم شتراسه مقابلة استغرقت ساعة ونصف ساعة، كان ريبنتروب خلالها بادي الابتهاج شديد الترحيب، واستهل حديثه معي بقوله: “لقد كنا نسمع منذ عهد بعيد بكفاحكم، وكنا دائماً نعجب بكم، وننظر إلى مغامراتكم، كما ننظر إلى أساطير التاريخ”.
ولما دار البحث حول القضية الفلسطينية، قال ريبنتروب إن هذه القضية على جانب عظيم من الأهمية، فهي قضية عالمية خطيرة ذات أثر كبير على أمن العالم ومستقبله، وتجب معالجتها بكل عناية وحلها بالعدل الذي لا يقيم الإنكليز أي وزن له، فإن هذه البلاد فلسطين عربية محضة، ولا يجوز أن يكون حل مشكلتها إلا على هذا الأساس مهما كانت الظروف.
ثم حدثني الوزير عن الموعد الذي حدد لي لمقابلة الزعيم هتلر، وبحث معي في المطالب والأهداف التي نرمي إليها، من أجل تحرير فلسطين والأقطار العربية كلها، فشرحت له تصميم الأمة العربية على الخلاص من الاستعمار والصهيونية ونيل استقلالها وتحقيق سيادتها ووحدتها، وأعربت له عن الأمل في أن تساعد ألمانيا وحلفاؤها الأمة العربية على بلوغ أهدافها وتحقيق مطالبها، وفي عقد معاهدة، تعترف فيها ألمانيا وحلفاؤها، باستقلال جميع الأقطار العربية، والقضاء على النفوذ الاستعماري فيها، ومحق الوطن اليهودي في فلسطين.
ثم أوضحت له أن التصريح السابق الذي أذاعته الحكومة الألمانية عام ١٩٤٠، وسمعناه في بغداد ليس كافياً، وأننا بالاشتراك مع رئيس الوزارة العراقية الكيلانية أرسلنا إليكم كتاباً في ذلك الحين مع السيد كمال حداد، وطلبنا منكم أن تصدر الحكومة الألمانية تصريحاً أشد قوة ووضوحاً، لأن الأمة العربية التي خدعها الإنكليز في الحرب الماضية، ونقضوا العهود التي قطعوها لها، وفسروها كما شاءت أهواؤهم الاستعمارية، تريد في هذه المرة عهوداً صريحة صادقة منكم، وقد وصلنا على أثر ذلك كتاب من نائبكم الهر فون وايسزيكر، مؤرخ في ٣ إبريل عام ١٩٤١، يحتوي على عبارات أصرح تدل على حسن نياتكم، ولكننا بالاشتراك مع رئيس الوزارة العراقية الكيلانية، لم نر ذلك الكتاب وافياً بما تتطلبه الأمة العربية، (وقد أوردت نص هذا الكتاب فيما سبق).
فقال الوزير: “إننا عازمون عزماً أكيداً على الاعتراف باستقلال البلاد العربية والمساعدة على تحقيق أهدافها بدون أي تردد، ولكن الفوهرر لا يرى من المصلحة الإدلاء بتصريحات قد تؤثر على مجرى الحرب، وتثير بعض الأمم التي لا نرى من المصلحة إثارتها في الظروف الحاضرة”، ولما سألته عن تلك الأمم التي يعنيها قال: “تركيا مثلاً التي تدعي ببعض مطالب في الأراضي المجاورة لها من سوريا”، فقلت له أن من الأفضل لتركيا أن تجاور دولة صديقة ليست لها مطامع، من أن تجاور دولة قوية كفرنسا، وفي إمكاننا أن نرسل إلى تركيا من يطمئنها، ويسعى إلى التفاهم معها على هذا الموضوع، فقال: “يمكنكم أن تصارحوا الفوهرر بجميع آرائكم هذه وإني أؤكد لكم أنه ونحن جميعاً متجاوبون معكم في الأسس، ومتعاونون في تحقيق أهدافكم”.
ولقد أعجبني ريبنتروب في صراحته وبعده عن التكلف، ورقته ولطفه، ولقد شعرت برغبته الأكيدة في التعاون مع العرب وتحقيق أهدافهم، كما أعجبني منه أدبه وحسن استماعه.
موازنة القوى وحديث “فون وايسزيكر”
وقد جرت لي بعد هذه المقابلة أحاديث كثيرة في هذه المسألة، مع عدد من كبار رجال السياسة الألمان، أذكر منها الحديث الآتي لما اشتمل عليه من عبرة وتذكرة.
فقد قابلت الهر فون وايسزيكر نائب وزير الخارجية الألمانية، وحدثته في هذا الشأن، وكانت على حائط غرفته خريطة مفصلة، فأشرت إلى الأقطار العربية واسترعيت نظره إلى اتساع رقعة هذه الأقطار، الممتدة من شاطئ المحيط الأطلنطي إلى حدود إيران، وعلى كثرة عدد سكانها، وما توافر لها من ثروة طبيعية، وموقع جغرافي ممتاز، يضاف إلى ذلك شعور العرب الودي نحو ألمانيا، ورغبتهم في انتصارها على أعدائهم المستعمرين واليهود.
فأجاب فون وايسزيكر قائلاً: “لا ريب في أن هذه الأقطار العربية عظيمة جداً، ولكن عندما توازن بين قوى الأمم، لا تنظر إلى اتساع الرقعة ووفرة العدد فحسب، ولكنها قبل أي اعتبار، ولاسيما في زمن الحروب، إنها تهتم بعدد الفرق العسكرية المسلحة لدى كل جانب، إن لدى تركيا اليوم نحو ثلاثين فرقة جاهزة، ويمكنها أن تزيدها عندما يدق النفير العام إلى خمسين، بينما لا تملك جميع الدول العربية أكثر من سبع فرق نظامية”.
“أما ما تملكه الأقطار العربية من طاقة وموارد، فهي عظيمة جداً حقيقة، ولكنها ويا للأسف مسخرة لصالح الأعداء، بما فيها من مؤن ومواصلات وثروات وأيد عاملة ومواقع إستراتيجية، رغم أنوف أهلها، الذين نعرف أن عواطفهم وميولهم معنا، ولكن جهودهم وثروتهم يستغلها الأعداء، ولا يتعاون معنا من العرب إلا أنتم” (يقصد المقيمين في ألمانيا).
فلما قال كلامه هذا خطرت على بالي كلمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لمن قال له إن قلوبنا معك يا أمير المؤمنين، فأجابه: “حقاً إن قلوبكم معي ولكن سيوفكم مع معاوية”. ولو عرف وايسزيكر هذه القصة لأوردها…
وقد حز في نفسي قول هذا الرجل، إن الاعتبار في موازنة القوى بين الأمم، إنما يكون لعدد الفرق العسكرية، قبل أن يكون لوفرة العدد أو سعة الرقعة، ورأيت أن أورد هذا الحديث لما فيه من عبرة بالغة للأمة العربية، التي لا ينقصها وفرة العدد، ولا سعة الأرض، ولا الثروة العظيمة، ولا المواقع الجغرافية وإنما تنقصها العزيمة والتنظيم واستغلال تلك الثروة والطاقة، وإنشاء الجيوش المحاربة والمصانع الحربية، ونحوها من وسائل القوة والمنعة.
وقد قدر لي بعد ذلك أن أنقل حديث فون وايسزيكر، بشأن الحساب الصحيح الذي تقيم له الأمم الواعية وزناً – وهو عدد الفرق المحاربة وقيمتها الحربية – إلى كثير من رجال الأمة العربية المسؤولين، لأسترعي أنظارهم إلى أن كثرة عدد العرب وسعة بلادهم لا قيمة لها، إلا بنسبة ما تملك من قوى عسكرية محاربة حقاً.
المقابلة التاريخية مع أدولف هتلر (٢١ نوفمبر ١٩٤١)
كانت مقابلتي لأدولف هتلر، فوهرر ألمانيا، وزعيم الرايخ الثالث، في الساعة الرابعة والنصف بعد ظهر يوم الجمعة ٢١ نوفمبر ١٩٤١م، ولم أكن أتوقع أن يكون استقبالي في دار المستشارية الشهيرة استقبالاً رسمياً، بل كنت أتوقع مقابلة خاصة مع الفوهرر، ولكنني لم أكد أصل إلى الساحة الواسعة أمام دار المستشارية، وأترجل من السيارة أمام مدخل الدار الفخم، حتى فوجئت بعزف الموسيقى العسكرية، وبحرس شرف مؤلف من نحو مائتي جندي ألماني مصطفين في الساحة وطلب إلي مرافقي من رجال وزارة الخارجية أن أستعرض الحرس، ففعلت، ثم دخلنا دار المستشارية، وسرنا في أروقتها الطويلة بأبهائها الفخمة، إلى أن انتهينا إلى قاعة الاستقبال الكبرى، كان هناك رئيس تشريفات رئاسة الدولة، فاستقبلني، وبعد نحو دقيقة أدخلني إلى غرفة الفوهرر الخاصة.
استقبلني هتلر استقبالاً حاراً، بوجه طلق وعينين معبرتين، وبسرور ظاهر، ودعاني إلى الجلوس تجاهه، وكان يحيط به عدد من كبار رجال حاشيته، وفي مقدمتهم ترجمانه الدكتور شميدت، كان هتلر يتكلم بالألمانية، وكان الدكتور شميدت يترجم لي كلامه إلى اللغة الفرنسية.
استهل هتلر حديثه مرحباً وقائلاً: “إنني سعيد لسلامتكم ولوجودكم في بلاد المحور، ولقد تلقيت بسرور عظيم خبر نجاتك من أيدي عدونا المشترك، وبعد تلك الرحلة الخطيرة الطويلة من طهران إلى برلين، ولقد كنت في قلق عليك، واعتبرت نجاتك نصراً وبشرى، وإني مطلع على تاريخ حياتك، ومقدر لكفاحك في سبيل وطنك وأمتك، ولقدومك لإبداء رغبة الأمة العربية في التعاون معنا، في الكفاح ضد الأعداء المشتركين، كما إنني مقدر كل التقدير، لكفاح عرب فلسطين، ذلك الكفاح الشعبي العظيم، الذي قاموا به ضد الإمبراطورية البريطانية واليهودية العالمية، دون نصير، إلا إيمانهم بحقهم ودفاعاً عن وطنهم!”
ثم سكت هتلر، ليفسح لي مجال الحديث، فشكرته على ترحيبه وشعوره الطيب وكلماته اللطيفة، وعلى الحفاوة البالغة التي لقيتها منذ وصولي إلى برلين، ثم تطرقت إلى ذكر أواصر الود القديمة الوثيقة بين ألمانيا والأقطار الإسلامية والعربية، منذ عهد السلطان عبد الحميد، وأن ألمانيا في ماضي تاريخها، لم يسبق لها أن اعتدت على أي قطر من الأقطار العربية أو الإسلامية، كما أنها اليوم تكافح أعداءنا المشتركين اليهودية العالمية، والدول الاستعمارية، التي تضطهد العرب، وهذه أوثق رابطة تربطنا بكم، وهنا ذكرت له الآمال التي تعلقها الأقطار العربية على ألمانيا، وأنها تتمنى لها النصر لتحقيق تلك الآمال، وشرحت له جهود الأمة العربية للخلاص من الاستعمار والصهيونية، وما تتطلبه وتسعى إليه من تحقيق مثلها العليا، وما عاناه العرب من بغي الدول الاستعمارية وفي مقدمتها إنكلترا، التي خدعتهم في الحرب الماضية، ونكثت عهودها لهم، ثم احتلت بلادهم، ولم تكتف بذلك، بل منحت اليهود وعداً بإنشاء وطن قومي لهم في فلسطين، ليجعلوا منها مركزاً لمطامعهم، ورأس جسر لزحفهم وتوسعهم، ومحطة وثوب لهم على الأقطار العربية المجاورة.
ثم بسطت له قضية فلسطين، وجهاد شعبها العربي، وتصميمه على إلغاء الوطن القومي اليهودي ومحو آثاره، ثم تطرقت إلى قضايا الأمة العربية، من استقلال وسيادة ووحدة وطلبت عقد معاهدة رسمية صريحة، بين العرب وألمانيا ودول المحور، تشتمل على هذه المطالب الأساسية، وإعلان تصريح رسمي بذلك في الإذاعة، لتطمئن الأمة العربية إلى مستقبلها، وتقبل بهذه الطمأنينة على التعاون معكم في مكافحة الأعداء المشتركين.
كان الفوهرر حسن الاستماع شديد الانتباه لحديثني، فلما انتهيت منه، أجاب عليه بهذه العبارات التي أوردها نقلاً عن مذكراتي التي سجلتها في ذلك الحين فور خروجي من المقابلة، قال:
“إن خطط كفاحي واضحة، وهي أولاً أني أكافح اليهود بدون هوادة، ويدخل في هذا الكفاح ما يقال له الوطن القومي اليهودي بفلسطين، لأن اليهود إنما يريدون أن يؤسسوا دولة مركزية لأجل مقاصدهم التدميرية، ونشاطهم الهدام إزاء دول العالم وشعوبه.
وإنه من الواضح أن اليهود لم يقوموا بعمل إنشائي في فلسطين، فإن ادعاءهم هذا كذب وإن كل الأعمال الإنشائية التي أقيمت في فلسطين، يرجع فضلها إلى العرب لا إلى اليهود.إنني مصمم على أن أجد حلاً للمشكلة اليهودية، خطوة فخطوة، وبدون انقطاع، وإنني سأوجه الدعوة اللازمة إلى جميع البلاد الأوروبية، ثم إلى البلاد التي هي خارج أوروبا، في هذا الشأن.
وإن مهمتي الأساسية، ورسالتي الأولى في الحياة هي تصفية قضية اليهودية العالمية، فإن اليهودية العالمية، بمنظماتها الواسعة، ونياتها السيئة نحو العالم تشكل خطراً هائلاً يهدد الإنسانية جمعاء”.
وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد دخلت الحرب حينئذ ضد ألمانيا فقال:
“أليس من الغريب أن يتعاون الخصمان المتناقضان في المبادئ والأهداف، أقصى اليمين (أمريكا) مع أقصى اليسار (روسيا)! إنه تناقض مبين، ولكن اليهودية العالمية استطاعت بوسائلها الشيطانية أن تجمع بين النقيضين، الرأسمالية والاشتراكية المتطرفة، وتقرنهما بحبل واحد وتسوقهما معاً لخدمة أهدافها، وتحقيق أغراضها في مقاومتنا، لكن هذا لا يمكن أن يستمر طويلاً، لأنه غير طبيعي”.
واستطرد هتلر قائلاً:
“إننا الآن في صراع الحياة أو الموت، وأن هذا الصراع سوف لا يفصل بين الوطنية الاشتراكية واليهودية فحسب، بل إن قيادة هذا الكفاح الناجحة، ستأتي بالمساعدة الصحيحة الإيجابية للعرب الذين هم واقفون فقط، لأن التطمين العاطفي لا فائدة فيه مطلقاً، ولكن الضمانات التي تدعمها قوة ظافرة، فقط هي التي يكون لها قيمة حقيقية، ففي الحرب العراقية، مثلاً كان عطف الشعب الألماني بأجمعه نحو العراق، وكان من قصدنا أن نقدم المساعدة للعراق، ولكن الظروف منعتنا من إمداده بالمساعدة الحقيقية، إن الشعب الألماني رأى في القائمين بحركة العراق زملاء لآلامه لأن الشعب الألماني عانى كما عانوا، وإن كل المساعدات التي قدمناها للعراق لم تكن كافية لمساعدته ضد القوة البريطانية.
إنني في هذا الصراع، الذي سيفصل في مصير العرب، لا أستطيع إلا أن أتكلم كرجل ذي عقيدة، وكزعيم عسكري وكجندي وكل من وجد نفسه منسجماً في هذا الكفاح العظيم، وساهم في مساعدته ونجاحه فإنه يخدم القضية العربية، وكل تأويل خلاف ذلك الآن، يعني إضعاف الوضعية العسكرية، ولا يمكن أن يفيد القضية العربية، ولذلك يجب أن نحسن تمييز الخطوات التي تفيدنا، إزاء اليهودية العالمية وإنكلترا وسائر خصومنا، من الخطوات التي تضرنا، فإذا انتصرنا في هذه الحرب فإن ساعة تحقيق أماني العرب تكون قد حانت أيضاً.
إن الموقف الآن هو كما يأتي: إننا نقوم بكفاح جبار في سبيل افتتاح الطرق إلى شمالي القوقاز، والصعوبات في هذا ناشئة عن وسائل النقل بسبب الخطوط الحديدية المدمرة والطرق، وكذلك بسبب الشتاء والثلوج، فإذا استعجل في هذا الظرف بإعطاء تصريح يتضمن سوريا، فإن العناصر الموالية لديغول في فرنسا ستقوى، وهذا سيكون سبباً لانحلال فرنسا، وهؤلاء الناس أي (الفرنسيون) سيعتقدون أن موقفهم مع بريطانيا سيكون أكثر ملاءمة لهم والفصل في قضية سوريا، سيتخذونه مثلاً يطبق على الإمبراطورية الفرنسية، وسيقوى موقف ديغول في المستعمرات، فإذا أعطي تصريح الآن فستنشأ مصاعب في غرب أوروبا، وستكون سبباً في مشاغلة بعض قوى الدفاع، وسبباً لمنعنا من دفع جميع القوى إلى الشرق.
سأقول لكم الآن شيئاً أرجو أن يبقى مكتوماً لديكم:
- أولاً: سأستمر في كفاحي إلى أن تدمر اليهودية الدولية تماماً.
- ثانياً: وفي أثناء هذا الكفاح، وعندما تصبح فرق الدبابات الألمانية، وأسراب الجو، واقفة في منحدرات جنوبي القوقاز، يكون قد حان الوقت الملائم لإذاعة التصريح الرسمي، لأن ساعة تحرير العرب تكون قد دقت، إن ألمانيا ليس لها في البلاد العربية أية مطامع، إلا القضاء على القوى التي تحمي اليهودية العالمية.
- ثالثاً: إنني سعيد لنجاتكم، ولأنكم الآن عند دول المحور، وستأتي الساعة الملائمة التي توجهون فيها القوى العربية، لتحرير العرب، وحينئذ لا أبالي برد الفعل الذي يحدثه التصريح الرسمي في الشعوب الأخرى.
- رابعاً: في رأيي أنه في تقدمنا هذا، يكون قد بدأ انهيار عالم الدولة البريطانية.إن الطريق من (روستوف) إلى إيران فالعراق هو أقصر من الطريق من برلين إلى روستوف، وأننا نأمل أن نقتحم هذا الباب في السنة القادمة، إنني أقدر تشوق العرب إلى هذا التصريح، ولكن أحب أن تحيطوا علماً، بأني لم أعط قط أي تصريح رسمي، منذ تسلمي مقاليد الحكم في ألمانيا، إلا ما بعد خمس سنوات، عندما أصبحنا من القوة بدرجة نستطيع معها أن ندعم تصريحاتنا بقوة السلاح.”
فلما أدركت أن هتلر لا يرغب الآن في إعلان التصريح الرسمي الذي طلبته منه، بالاعتراف باستقلال الأمة العربية وسيادتها ووحدتها، وأنه يرى إرجاء ذلك إلى ما بعد انتهائه من فتح القوقاز، واطمئنانه إلى موقف ألمانيا العسكري، اقترحت عليه عقد اتفاق أو معاهدة سرية بين ألمانيا والعرب، بدلاً من التصريح العلني فقال:
“إن اتفاقاً أو معاهدة سرية يعرف بها أشخاص عديدون لا تبقى سراً مكتوماً، ولا تلبث أن تعرف، لقد أصدرت في حياتي قليلاً من التصريحات..على عكس الإنكليز الذين أصدروا تصريحات وقطعوا عهوداً كثيرة، ولم يفوا بها، ولكني إذا أصدرت تصريحاً أو عهداً ما، فإني أفي به، لقد قلت مرة للمارشال فنلندا، بأني سأساعد وطنه إذا هاجمه العدو مرة أخرى، وهذه الكلمة كانت أكثر تأثيراً من أي تصريح خطي.
والخلاصة إنني أريد أن أصرح لكم بما يأتي: عندما نصبح في جنوبي القوقاز، يكون قد حان وقت تحرير العرب، وفي إمكانكم أن تعتمدوا على كلمتي هذه.”
كان هتلر يتكلم بقوة وحماسة مع تؤدة ورزانة، وكان في حديثه واضح النبرات فصيح الألفاظ، ويشدد على مخارج بعض الكلمات كما يفعل القارئ أو الخطيب العربي، عند لفظه حروف القلقلة، وحينئذ يدنو من محدثه متجهاً إليه، محدقاً بعينيه، محركاً يديه وعضلات وجهه، فيشعر المستمع له أنه يعبر عما يعتقده من صميم قلبه.
استمرت مقابلتي لهتلر ساعة وخمساً وثلاثين دقيقة، فلما ودعته وخرجت، كان يساورني القلق، لأنه لا يرى إصدار تصريح وقطع عهد رسمي للعرب في الظروف الحاضرة، خشية أن يحدث ذلك رد فعل في بعض الأقطار الأخرى، التي لا تريد ألمانيا إثارتها الآن، بينما كنا في حاجة إلى ما يطمئن الأمة العربية، ويحفزها إلى التعاون مع هذه الجبهة، لذلك لم أشعر بالارتياح إلى هذه النقطة من حديثه، وإن كنت مطمئناً إلى خطته الأساسية، من حيث تصميمه على الكفاح المستمر ضد الصهيونية العالمية وأنصارها المستعمرين.
وقد كان هتلر مؤمناً بمبادئه، مندفعاً في خطته، ولم يكن منافقاً كبعض من عرفنا من ساسة الإنكليز الذين كانوا يتظاهرون بالتدله في حب الأمة العربية أو أية أمة يريدون اصطيادها، بل كان صريحاً في خطبه السياسية وأحاديثه الخاصة، بأنه لا يهمه إلا صالح الرايخ الألماني، وإنه لا يحب ولا يبغض ولا يبالي بشيء، إلا في سبيل الشعب الألماني، فهو لا يرى في هذا الموقف أن يستجيب إلى مطالبنا بإعلان تصريح وقطع عهد رسمي، لأن ذلك ضار بصالح الشعب الألماني، إذ يحدث رداً في بعض الدول كفرنسا وتركيا.
محاولات تذليل العقبات الدبلوماسية
ولذلك لم نمر بداً من المبادرة إلى بحث هذه المشكلة ومعالجة هذه العقبة الكأداء مع المختصين من رجال وزارتي الخارجية الألمانية والإيطالية وعلمنا أن مندوب ألمانيا السامي في فرنسا الهر “أبیتز” – وهو المسؤول عن العلاقات الألمانية الفرنسية – من أشد العناصر المعارضة لإعطاء العهد والتصريح اللذين نطالب بهما، فانتهزنا فرصة قدومه إلى برلين، ودعوناه إلى العشاء مع بعض المختصين بالشؤون العربية والشرقية من رجال الخارجية الألمانية الذين هيأوا لنا هذه الفرصة، وجرى خلال هذه الدعوة حديث طويل، بذلنا خلاله قصارى الجهد في إقناعه بأن صالح ألمانيا يتطلب ألا تقتصر على إرضاء الأمم المعادية فحسب بل الأولى من ذلك استرضاء الشعوب الصديقة كالعرب، وقد شعرنا حين انصرافه من تلك السهرة الطويلة في منزلنا في “كورمه لانكه” أن حديثنا ترك أثراً حسناً في نفسه وأنه خفف من غلوائه.
وفي تلك الفترة وصل برلين السيد رشيد عالي الكيلاني، فتعاونا على العمل في هذا الشأن، وبذلنا قصارى جهودنا في سبيله، فقدمنا إلى حكومات المحور مشروعات عديدة للتصريح والمعاهدة بين دول المحور والعرب منها مشروع مؤرخ في ٥ رمضان سنة ١٣٦٠ (سبتمبر ١٩٤١) ثم شفعناه بمشروع آخر أدخلنا عليه بعض التعديلات، بعد بحث طويل مع المختصين من رجال وزارة الخارجية.
نص المشروع المقترح على دول المحور لإصدار تصريح رسمي أو معاهدة
تعلن دولتا ألمانيا وإيطاليا، بصفة رسمي عن سياستهما تجاه الأقطار العربية على النحو التالي:
- تعترف ألمانيا وإيطاليا باستقلال الدول العربية التي ظفرت باستقلالها فعلاً وهي: مصر، العراق، العربية السعودية، اليمن.
- تعترف ألمانيا وإيطاليا باستقلال الأقطار العربية الموضوعة في الوقت الحاضر تحت الانتداب البريطاني كفلسطين والأردن، أو هي رازحة تحت الحكم البريطاني كالسودان والكويت والبحرين وقطر ودبي والشارقة وأبو ظبي وغيرها من إمارات الخليج ومسقط وحضرموت والمحميات في جنوب اليمن.
- تعلن ألمانيا وإيطاليا أنهما لا تعارضان أي عمل تقوم به سوريا ولبنان في سبيل الحصول على استقلالهما الكامل.
- تعلن ألمانيا وإيطاليا بطلان جميع التحفظات البريطانية فيما يتعلق باستقلال مصر والسودان.
- لا تثير ألمانيا وإيطاليا أية اعتراضات في سبيل استقلال الدول العربية استقلالاً تاماً، كالاعتراضات التي يهيئها نظام الوصاية الذي ابتدعته عصبة الأمم والدول الاستعمارية كوسيلة لإخفاء مطامعها الاستعمارية.
- تعترف ألمانيا وإيطاليا بحق الدول العربية في تحقيق وحدتها القومية وفقاً لمصالحها ورغباتها، وتتعهد دول المحور ألا تثير أية اعتراضات في سبيل الدول العربية في جهودها لتنفيذ أية خطة تستهدف تحقيق الوحدة العربية.
- تعترف ألمانيا وإيطاليا بعدم شرعية الوطن القومي اليهودي في فلسطين وبأن لفلسطين وغيرها من الأقطار العربية الحق في حل المشكلة اليهودية في فلسطين وفي البلاد العربية الأخرى بما يتفق ومصلحة العرب.
- ليس لألمانيا وإيطاليا في الأقطار العربية أي مأرب أكثر من أن ترى الأمة العربية جمعاء تتمتع بالحرية والاستقرار والرفاهية، وتؤدي دورها التاريخي في هذا العالم، وأن يكون تعاونها الاقتصادي مع دولتي المحور على أساس مصالح الفريقين، وعلى قدم المساواة، وهما تطالبان الدول العربية باحترام الحالة الراهنة (استاتوكو) في فلسطين وغيرها فيما يتعلق بالشؤون الروحية وضمان الحرية في ممارسة الشعائر الدينية.
الحصول على التعهد الرسمي (٢٨ إبريل ١٩٤٢)
وكان يسبق هذه المشروعات محادثات ومناقشات طويلة، وأخيراً استطعنا بعد نحو ستة أشهر، وفي ٢٨ إبريل ١٩٤٢، أن نحصل بعد موافقة هتلر، على تعهد رسمي من كل من ألمانيا وإيطاليا موقعاً عليه من فون ريبنتروب وزير الخارجية الألمانية والكونت شيانو، وزير الخارجية الإيطالية.
وهذه الترجمة الحرفية لكتاب فون ريبنتروب من اللغة الألمانية إلى اللغة العربية:
التصريح الرسمي من وزير الخارجية الألمانية باستقلال البلاد العربية وإلغاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين
برلين ٢٨ إبريل سنة ١٩٤٢.
وزارة الخارجية – إلى صاحب السماحة السيد محمد أمين الحسيني مفتي فلسطين الأكبر.
صاحب السماحة جواباً على كتابكم الذي أرسلتموه إلي هذا اليوم، بالاشتراك مع سيادة رئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني، وتأكيداً لمحادثاتي معكم، فإني أتشرف بإبلاغكم ما يأتي:
إن الحكومة الألمانية، تقدر كل التقدير، ثقة الأمة العربية في دول المحور وأهدافها، واستعدادها للمشاركة في الكفاح ضد العدو المشترك، حتى يتحقق النصر النهائي، كما أنها تدرك تماماً ما أوضحتموه من الأهداف القومية للأقطار العربية في الشرق الأدنى، التي تقاسي الآلام تحت نير الاضطهاد البريطاني في الوقت الحاضر.
ولذلك فإني أتشرف بأن أؤكد لكم، باتفاق تام مع الحكومة الإيطالية، إن استقلال وحرية البلاد العربية المضطهدة الآن تحت الحكم البريطاني، هما هدف من أهداف الحكومة الألمانية.
وبناء على ذلك فإن ألمانيا مستعدة لتقديم كل ما تستطيعه من مساعدة للأقطار العربية في الشرق الأدنى الرازحة تحت نير الاضطهاد البريطاني، وأن تعترف بسيادتها واستقلالها، وتوافق على وحدتها، إذا كانت مرغوباً فيها ممن يعنيهم الأمر، وعلى القضاء على الوطن القومي اليهودي في فلسطين.
وعلى كل حال، فمن المتفق عليه أن يظل نص هذا الكتاب ومحتوياته سراً مكتوماً، إلى أن يتقرر خلاف ذلك، بتفاهم من الجانبين.
وتفضلوا سماحتكم بقبول أبلغ احترامي الأكيد.
ريبنتروب
وقد تسلمت كتاباً آخر مماثلاً لهذا النص من الحكومة الإيطالية موقعاً من الكونت شيانو وزير الخارجية.
ومن إمعان النظر في نص هذا العهد الذي قطع لنا من قبل دولتي المحور يظهر أنهما كانتا تتحاشيان ذكر أي شيء عن قضايا المغرب العربي والشمال الأفريقي قاطبة بدليل أنهما قصرتا العهد على البلاد العربية في الشرق الأدنى، خشية غضب الدول الأوروبية التي أنشبت مخالب استعمارها في شمال أفريقيا، وفي مقدمتها فرنسا وإسبانيا، كما أن لإيطاليا نفسها مطامع خاصة في تونس زيادة على احتلالها القطر الليبي.
ولكن جميع ذلك لم يمنعنا من الاهتمام الجدي بقضية المغرب العربي منذ بدء وصولنا إلى أوروبا، وبذل أقصى الجهود في سبيلها.
قضية المغرب العربي وأحرار تونس
بعد وصولي إلى برلين بنحو أربعة أسابيع أي في شهر ديسمبر سنة ١٩٤١ زارني الدكتور الشيخ تقي الدين الهلالي واسترعى نظري إلى ضرورة السعي لإنقاذ بطل المغرب الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي من أسر الفرنسيين، ولما كنت أعتبر هذا المجاهد العظيم لا بطل الريف والمغرب فحسب، بل بطل العرب والمسلمين، فقد بادرت بتقديم مذكرة إلى وزارة الخارجية الألمانية بينت فيها ما للأمير الخطابي من مكانة رفيعة في قلوب العرب والمسلمين، وما يكون لإطلاق سراحه من أثر جميل في نفوسهم ورجوت من الحكومة الألمانية المبادرة بإطلاق سراحه والتعاون معه في هذه الحرب وأوضحت ما ينتظر أن يكون للتعاون معه من نتائج كبيرة.
ولكني لم أكد أكتب هذه مذكرة وأشرع في مباحثة المختصين من رجال الخارجية الألمانية، حتى لمست معارضة شديدة في ذلك خشية إغضاب الفرنسيين ولاسيما جماعة حكومة فيشي، وكذلك الحكومة الإسبانية التي كانت أول دولة قاومها الأمير عبد الكريم، وكان الألمان حينئذ يخطبون ود إسبانيا، ويبذلون قصارى جهدهم في استرضائها، ولذلك أبلغونا أنهم لا يستطيعون إثارة هذا الموضوع في الحالة الحاضرة، كما طلبوا إلي إرجاء البحث في موضوع إطلاق سراح أحرار تونس السادة: الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف والشيخ يوسف الرويسي والدكتور تامر ورشدي إدريس وحسين التريكي ورفاقهم الذين كانوا معتقلين في سجون فرنسا، إلى فترة أخرى، ولم تكن الفترة أقل من سنة من ذلك التاريخ، سمحوا لنا بعدها بالبحث في موضوعهم فقدمنا مذكرات بشأنهم وأطلقوا بعد ذلك سراحهم.
أما القضية المغربية فقد سنحت الفرصة لإثارتها في أوائل عام ١٩٤٢، بمناسبة ما بلغ الدوائر السياسية الألمانية من إشاعات وإرهاصات عن تحفز القوات الأمريكية لاحتلال البلاد المغربية، وقد وصلتني رسائل عديدة من بعض زعماء المغرب الأقصى في هذا الشأن، وقد ذكر أحدهم في رسالته أنباء في غاية الخطورة عن الاستعدادات الخفية التي تبذل في المغرب، للاحتلال الأمريكي، وزاد على ذلك تحديد اليوم الذي سيتم فيه نزول القوات الأمريكية على شواطئ المغرب وهو يوم ٨ نوفمبر عام ١٩٤٢، فكتبت بذلك مذكرة إلى وزارة الخارجية الألمانية شرحت فيها الأنباء كما وصلت إلي، وحذرتها من المفاجأة المتوقعة، ولكن وزارة الخارجية على ما يظهر لم تأبه بذلك، وظنت أن هذه الأنباء إنما هي إشاعات لا أساس لها، ومضى على ذلك بعض الوقت فسافرت إلى روما.
ولم ينقض على ذلك وقت طويل حتى وقع الاحتلال الأمريكي في اليوم المحدد الذي ذكرته، وإذا بكبير من رجال الخارجية الألمانية يطير إلى روما ويزورني في بيتي ويعلمني أنه جاء خصيصاً من برلين لمقابلتي، ويسألني كيف استطعت معرفة اليوم الذي وقع فيه الاحتلال الأمريكي، فقلت له: إنما اطلعت على ذلك من الرسالة التي وصلتني من المغرب، كما جاء في مذكرتي إلى وزارة الخارجية، وشعرت من ذلك الحين أن الألمان بدأوا يهتمون بمذكراتي عن الشمال الأفريقي، فانتهزت الفرصة وطلبت إليهم أن تعمل دول المحور على التعاون مع المغرب العربي كله، أي (المغرب الأقصى والجزائر وتونس)، على صد الحملة الأمريكية التي صحبتها رائحة الصهيونية واليهودية العالمية التي بادر زعماؤها، وفي مقدمتهم الدكتور وايزمن بإظهار الفرح والاستبشار باحتلال هذه البلاد، وصرح وايزمن بأن الجزائر التي يقيم فيها نحو مائة وأربعين ألفاً من اليهود، إنها هي الجسر الموصل بين نيويورك والقدس.وكان محافظ نيويورك اليهودي الشهير “لاغوارديا” قد رافق الحملة الأمريكية مديراً للتموين.
وذكرت للألمان أن التعاون مع المغرب العربي لا يكون إلا بتحرير المغرب العربي كله، وأطلعتهم على بعض الرسائل التي وردت إلي حينئذ من بعض زعماء تلك البلاد الشقيقة.
وتطورت المحادثات والمذكرات التي قدمتها إلى وزارة الخارجية حتى أصبح لها ملف ضخم، وكان من أهمها مذكرة قدمتها في ١٨ نوفمبر سنة ١٩٤٢ شرحت فيها مطالب عرب المغرب.
ولقد التقيت بالدكتور بروفر كثيراً لبحث هذا الموضوع، واتفقنا على الاجتماع في يوم محدد كل أسبوع ليطلعني على نتائج مخابراته، وبعد ثلاثة أشهر كانت النتائج الآتية كما لخصها لي:
إن حكومة الرايخ الألماني الحاضرة ترحب بالفكرة لأنها تتفق ومبادئها وخططها ومصلحة الرايخ، فالسياسة الألمانية الراهنة لا ترمي إلى الاستعمار خارج أوروبا لأنها في دراستها العميقة لأسباب انهيار الإمبراطوريات الكبرى، أيقنت أنها إنما كانت بسبب ترامي أطرافها، وتباعد أجزائها عن مركزها، مما أدى إلى ضعف قلبها فانهيارها، ولذلك فإن السياسة الألمانية اليوم تستهدف التوسع في داخل أوروبا كبولونيا وأوكرانيا، وبلاد البلطيق وليس في برنامجها قط الاستعمار في أفريقية أو آسية، بعكس الدول الأوروبية الاستعمارية التي ترى شمال أفريقية أقرب مناطق الاستعمار إليها.
ولذلك فإن هذه الدول عارضت بشدة تأليف الدولة المغربية الكبرى المقترحة، ورغم أن ألمانيا ترى في ذلك مصلحة لها، وقوة عسكرية ذات شأن تعضدها في الحرب الحاضرة، فإنها لا ترى من صالحها أن تتحدى جميع هذه الدول، ومنها إيطاليا، وفرنسا وإسبانيا والبرتغال وبلجيكا ولم يذكر إنكلترا لأنها كانت في صفوف الأعداء لأن لهذه الدول مستعمرات ومصالح كثيرة تدعيها في القارة الأفريقية، فهي تخشى من تأليف الدولة المغربية الموحدة أن يؤثر على مصالحها ويهدد استعمارها بالزوال.
ولما ذكرت للدكتور بروفر، أن المغرب العربي مصمم على نيل استقلاله على كل حال، وإنه لا يبالي في سبيل هذه الغاية أن يبذل كل ما في وسعه، وأن يركب أي مركب صعب، وقد تتطور الأمم فيتعاون في سبيل استقلاله مع الشيوعية، أجابني قائلاً:
إن هذه الدول الأوروبية ترى أن الإسلام أشد خطراً عليها من الشيوعية، لأن الشيوعية تمكن معالجتها وصد خطرها برفع مستوى المعيشة في الشعوب وتوزيع العدل الاجتماعي، وغير ذلك من الوسائل، بينما ترى هذه الدول في الإسلام عقيدة زاحفة يخشى خطرها على أوروبا التي نخرت المدنية الفاسدة عظامها، وأضعفت نواحيها الخلقية والروحية والعسكرية، فهم يخشون إذا تألفت هذه الدولة المغربية المتحدة أن يكون لها شأن عظيم، ويتوهمون أنها لا تلبث أن تثب على أوروبا مرة أخرى ويعيد التاريخ نفسه.
لقاءات مع “الاميرال كاناريس”
وقد حدث خلال فترة مشاورة ألمانيا للدول الأوروبية بشأن مشروع الدولة المغربية الموحدة أن زارني الأميرال كاناريس الرئيس العام للمخابرات في الجيش الألماني، في بيتي في برلين، واقترح علي أن نسافر معاً إلى تونس ثم إلى غيرها من أقطار المغرب العربي لمقابلة زعمائها، فقلت له لا أستطيع ذلك إلا بعد أن توافق الحكومة الألمانية على مشروع تأليف الدولة المغربية بصورة رسمية، فنذهب عندئذ معاً للعمل على عقد المعاهدة الألمانية المغربية، كما حدث في تعهدكم الرسمي لنا بشأن الأقطار العربية الشرقية.
وحدث بعد ذلك أن زارني الأميرال كاناريس مرة أخرى ولكنه جاء هذه المرة إلى روما ومعه الجنرال لاهوزن والاميرالاي مايار ريكز، وجنرالان من الجيش الإيطالي، وجلسوا معي جلسة طويلة في فيلا كولونا وحاولوا حملي على توقيع رسالة بالموافقة على إرسال القوات العربية التي دربها الجيشان الألماني والإيطالي إلى تونس للاشتراك في الحرب فلم أوافق على طلبهم رغم الإلحاح والضغط الشديد، وبينت لهم أن دول المحور لم تقطع عهداً للمغرب العربي بالاستقلال، فلا نستطيع أن نخدع إخواننا هناك.أما إرسال هذه القوات إلى الشرق العربي فإني أوافق عليه بعد أن قطعتم لنا عهداً رسمياً باستقلال تلك الأقطار.
ـــــــــــــــــــــــــــــ





