
الاحتلال يوسع اقتحاماته ويصعد اعتداءاته بالضفة الغربية
يوليو 4, 2026
طه ياسين
مدير تحرير مجلة إشراقات
كانت الرمال الممتدة على شاطئ البحر على موعدٍ مع واحدة من أعظم لحظات التاريخ؛ لحظةٍ تضيق فيها الأرض بأهلها، وتُغلق فيها منافذ النجاة في ظاهر الأمر، ثم تُفتح فيها أبوابُ الفرج فجأةً على نحوٍ يعجز الخيال عن تصوّره.
فقد وقف بنو إسرائيل يومها بين بحرٍ هائج وجيشٍ جرّار، وأحاط بهم الخوف من كل جانب، حتى لم يجدوا ما يعبّر عن حالهم سوى قولهم: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. كانت كلمةً تختصر ما يعتري النفوس عند اشتداد الكرب، حين تضيق بها الحيلة وتخذلها الأسباب. غير أنّ موسى عليه السلام كان يستمدُّ يقينَه من مصدرٍ آخر، فخرجت من قلبه المطمئن تلك الكلمة التي ظلّت تبعث الحياة في الأرواح جيلاً بعد جيل: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 61-62].
وما هي إلا لحظات حتى تجلّت قدرة الله، فانفلق البحر طريقاً للنجاة، وغرق الطاغية الذي ملأ الأرض استكباراً وجبروتاً، وبقيت القصة كلّها درساً خالداً في أنّ اليأس قبيحٌ، وأنّ القلوب التي تحسن التعلّق بالله ترى من أبواب الفرج ما لا تراه العيون المتعلقة بالأسباب وحدها. ومن أجل ذلك شُرع صيام عاشوراء؛ ليبقى هذا اليوم موسماً متجدّداً للشكر، وتذكيراً دائماً بأنّ الله لا يخذل أولياءَه، وأنّ عاقبة الظلم إلى زوال مهما طال أمده واستعلى سلطانه.
وإذا كان عاشوراء قد أشرق بذكرى النجاة، فإنّ صفحاته سجّلت ذكرى أخرى اختلط فيها الدم بالدموع. ففي مثل هذا اليوم ارتقت روح الحسين بن علي رضي الله عنهما إلى بارئها، بعد أن سطّر بدمه صفحةً من أنصع صفحات الثبات على المبدأ. ولم تكن كربلاء مجرّد حادثةٍ عابرة في سجلّ التاريخ، بل تحوّلت إلى رمزٍ خالدٍ للصراع بين الكرامة والاستبداد، وبين الحق الذي يثبت على أصوله والباطل الذي يحاول فرض نفسه بقوة السيف والسلطان.
ولعلّ أعظم ما يلفت النظر في سيرة الحسين رضي الله عنه أنّه لم يكن طالب سلطانٍ ولا ساعياً وراء مَغنم، وإنما كان صاحب مبدأٍ رأى أنّ السكوت عنه خذلانٌ للأمة وتضييعٌ للأمانة. فاختار الطريق الأصعب، ومضى إليه وهو يدرك ما قد يكتنفه من أخطار، ليعلّم الأجيال أنّ للحق ثمناً، وأنّ الكرامة لا تُصان بالأماني، وإنما تُصان بالمواقف التي يُمتحن فيها الرجال.
ومن هنا كانت محبةُ الحسين رضي الله عنه أعمقَ من أن تُختزل في عاطفةٍ عابرة أو ذكرى موسمية. إنها وفاءٌ لوصية رسول الله ﷺ في أهل بيته، واقتداءٌ بما حمله الحسين من معاني الصدق والشجاعة والثبات. ومن أحبّ رجلاً حقّاً حمل شيئاً من أخلاقه، واقتفى أثره في مواقفه، وسعى إلى تجسيد المبادئ التي عاش من أجلها.
ولهذا فإنّ كربلاء لم تُورث الأمة درس الثبات فحسب، بل ورّثتها كذلك درساً آخر لا يقلّ أهمية؛ وهو أنّ الشعارات لا تكفي وحدها لصناعة المواقف. فقد خرج الخذلان يومئذٍ من حيث ظُنّت النصرة، وجاء الغدر من حيث رُفعت رايات التأييد، فبقيت الحادثة شاهدةً على أنّ الرجال يُعرفون عند الشدائد، وأنّ الأفعال أصدق أنباءً من الأقوال، وأنّ الدعوى مهما علت لا تكتسب قيمتها إلا من الوفاء لها ساعة الامتحان.
وإذا كانت هذه المعاني جديرةً بالتأمل في كل زمان، فإنّها تبدو أكثر إلحاحاً في زمن تتكاثر فيه صور الظلم وتتعدد وجوه الاستضعاف. فمدرسة الحسين رضي الله عنه لا تدعو إلى الانتصار لطائفةٍ على أخرى، ولا إلى استدعاء الأحقاد من بطون التاريخ، وإنما تدعو إلى الانتصار للمظلوم حيث كان، والوقوف في وجه الجور أيّاً كان مصدره، والانحياز إلى الحق مهما كلّف ذلك من تضحيات. فالعدل لا يتجزأ، والكرامة لا تعرف ازدواجية المعايير، والمبادئ العظيمة تفقد معناها حين تُستخدم انتقائياً وفق الأهواء والمصالح.
ومع ذلك كلّه، فإنّ من أكبر الخسارات أن تتحوّل الذكريات المؤلمة إلى معابر تعبر منها الخصومات إلى الحاضر، أو إلى وقودٍ يُغذّي الفرقة بين المسلمين. فما من أمةٍ نالت عزّها بالتنازع، ولا ارتقت حضارتها بتوارث الأحقاد، ولا استطاعت مواجهة أعدائها وهي تستنزف قواها في صراعاتها الداخلية. ولذلك ظلّ اجتماع الكلمة وتآلف القلوب من أعظم المقاصد التي جاء هذا الدين لترسيخها بعد توحيد الله تعالى وعبادته.
وما يزال المتربّصون بالأمة يدركون هذه الحقيقة أكثر مما يدركها كثير من أبنائها؛ فيرقبون مواطن الشقاق فيها، ويجدون في خلافاتها ما يعجزون عن تحقيقه بغيرها. ومن هنا كان الواجب أن تُقرأ أحداث التاريخ بعين البصيرة لا بعين العصبية، وأن تُستخرج منها العِبَر التي تجمع ولا تفرّق، وتبني ولا تهدم، وتداوي الجراح بدل أن تُبقيها مفتوحة على نزيفٍ لا ينتهي.
لقد مضى الذين قتلوا الحسين رضي الله عنه إلى ما قدّموا، وطُويت صحائفهم، أما الأمة فواجبها أن تستبقي من كربلاء نورَها لا نارها، وعِبرتها لا عثرتها، وأن تجعل من تضحيات الشهداء مناراتٍ تهدي الطريق إلى مستقبلٍ أصلب عوداً وأجمع كلمةً. فذلك أوفى للحسين، وأقرب إلى مقاصد الإسلام، وأجدر بأن يثمر وعياً ينهض بالأمة بدلاً من أن يبقيها أسيرة جراح الماضي.
وإذا كان البحر قد شهد نجاة موسى عليه السلام وقومه، فإنّ كربلاء شهدت شهادة الحسين رضي الله عنه وثباته. وبين المشهدين تمتدّ رسالة واحدة لا تتبدل: أن الحق قد يُبتلى لكنه لا يموت، وأن المؤمن قد يحزن لكنه لا ييأس، وأن الأمة لا تحفظ مستقبلها إلا إذا حفظت وحدتها، واستمسكت بمبادئها، وجعلت من تاريخها مصدراً للعبرة لا منبعاً للفرقة والخصام. وهكذا يبقى عاشوراء موعداً تتجدّد فيه معاني الشكر والصبر والثبات، وتتعانق فيه العِبرة والدمعة، ليخرج المؤمن منه أكثر يقيناً بربّه، وأشدّ تمسكاً بمبادئه، وأرحب صدراً لإخوانه.





