
العدد الخمسون
يوليو 2, 2026
كيف يستعيد العلماء مكانتهم في الحياة؟!
يوليو 2, 2026بقلم: د. محمد الصغير – رئيس الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ
كل الأمم لها أعيادها ومناسباتها الخاصة، لكن بعض الأيام التاريخية تتخطى أعمار الأمم، لتصبح أحداثاً متجددة على مدار التاريخ، ويعد العاشر من شهر محرم في التقويم الإسلامي من أشهر وأقدم الأيام التي بقيت محفوظة في ذاكرة التاريخ.
عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ رسول الله ﷺ قَدِمَ المدِينةَ فوجد اليهود صيامًا يومَ عاشُوراءَ، فقال لهم رسول الله ﷺ: “ما هذا اليومُ الذي تَصُومُونَهُ؟” فقالوا: هذا يومٌ عظيمٌ، أَنْجَى اللهُ فيه مُوسى وقومهُ، وغَرَّقَ فرعون وقومهُ، فصامهُ موسى شُكْرًا، فنحنُ نصومُهُ. فقال رسول الله ﷺ: “فنحنُ أحقُّ وأولى بموسى منكم”. فصامه رسول الله ﷺ، وأَمر بصيامهِ1.
كان اليهود قبل انحرافهم يشكرون الله بعبادة الصيام على نعمة نجاة موسى وهلاك فرعون، وهي نعمة مركبة تستوجب الحمد، ولما رآهم رسول الله ﷺ في المدينة على ما ورثوه من آبائهم على هذه العبادة، صام رسول الله ﷺ عاشوراء وأمر بصيامه، تحقيقاً لأخوّة النبوة مع موسى عليه السلام، حيث كلاهما من لبِنات بيت النبوة، وتَجمَّع ميراث النبوات السابقة في صاحب النبوة الخاتمة، بعدما غيّر أهل الكتاب وبدّلوا ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 68]. وقال رسول الله ﷺ: “لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع”2، ليرسخ في نفوس أتباعه قاعدة التميز عن مشابهة المغضوب عليهم أو الضالين.
نجى الله موسى وفق قانونه في أوليائه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَیۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ [الروم: ٤٧].
وأهلك فرعون ليجعل منه عبرة وآية: ﴿فَٱلۡیَوۡمَ نُنَجِّیكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَایَةً﴾ [يونس: ٩٢].
تمثل نموذج الكفر والطغيان في صورته الكاملة في فرعون موسى، لأن الفرعون هو لقب حكام مصر، كما يقال هرقل الروم وكسرى فارس.
واستطاع فرعون في هذه النسخة أن يضع قواعد “الفرعنة” وأصبحت مصطلحاً ووصفاً عاماً يُطلق على كثيرين في أمم أخرى، ومن هذه القواعد قوله:
- ﴿مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَیۡرِی﴾ [القصص: ٣٨].
- ﴿مَاۤ أُرِیكُمۡ إِلَّا مَاۤ أَرَىٰ وَمَاۤ أَهۡدِیكُمۡ إِلَّا سَبِیلَ ٱلرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩].
- ﴿أَلَیۡسَ لِی مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِی مِن تَحۡتِیۤ﴾ [الزخرف: ٥١].
هذه الآيات مقياس لفرعنة الفراعين وتجبر المتكبرين، وتستطيع أن تتعرف من خلالها على مراحل الفرعون في طوره المبكر، وأعجبها الثالثة حيث قال الحافظ ابن كثير في تفسيرها: “ما حكَم أحد مصر إلا دخل نفسه شيء من حكمها !”
ظهر طمس الله على قلب فرعون وفؤاده، فلم يستشعر أنه ربّى موسى في بيته، وهو مَن كان يقتل أطفال بني إسرائيل حتى لا يخرج منهم من يقوّض مُلكه حسبما استقر في نفسه، ولم يفتح عينه أو بصيرته ساعة رأى عصا موسى وهي تأكل حيات السحرة، وتسليم السحرة وإقرارهم بأن ما فعله موسى ليس من قبيل السحر وإنما هو تأييد من رب العالمين، ﴿فَأَلۡقَوۡا۟ حِبَالَهُمۡ وَعِصِیَّهُمۡ وَقَالُوا۟ بِعِزَّةِ فِرۡعَوۡنَ إِنَّا لَنَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبُونَ * فَأَلۡقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِیَ تَلۡقَفُ مَا یَأۡفِكُونَ * فَأُلۡقِیَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ * قَالُوۤا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ * قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِی عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَ فَلَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَۚ لَأُقَطِّعَنَّ أَیۡدِیَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ أَجۡمَعِينَ﴾ [الشعراء: ٤٤-٤٩].
حتى جاء المشهد الأخير وقال أصحاب موسى: ﴿إنّا لَمُدرَكُون﴾، وضرب موسى بعصاه البحر فانفلق فكان كل فِرق كالطود العظيم ومع ذلك: ﴿فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِیَهُم مِّنَ ٱلۡیَمِّ مَا غَشِیَهُمۡ﴾ [طه: ٧٨].
وأصبحت ظاهرة الفرعنة صورة متكررة كلما ظهر نبي أو خرج رجل من المصلحين، وفي نسخة النبوة الأخيرة كان في مواجهتها فرعون مكة وأجهل رجالها، حتى غيّر رسول الله ﷺ كنيته من أبي الحكم إلى أبي جهل، وكانت جهالته وعمايته هي مصدر التصدي المبكر لدعوة الإسلام والمؤمنين بها، فلقيت سُمية زوج ياسر ربَّها كأول شهيدة في الإسلام على يد أبي جهل عمرو بن هشام، التي تقول بعض الروايات إنه طعنها في مكان عفتها، لأنها جابهته بالحق وصكت وجهه به، واستمر التنكيل ببقية أسرتها حتى بشرهم رسول الله ﷺ بقوله: “صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة”3.
وحاول أبو جهل منع رسول اللهﷺ من الصلاة عند الكعبة:
﴿أَرَءَیۡتَ ٱلَّذِی یَنۡهَىٰ * عَبۡدًا إِذَا صَلَّىٰ * أَرَءَیۡتَ إِن كَانَ عَلَى ٱلۡهُدَىٰ * أَوۡ أَمَرَ بِٱلتَّقۡوَىٰ﴾ [العلق: ٩ – ١٢].
وعندما هم بجريمته رجع يرجف ويقول: “إن بيني وبينه لَخندقاً من نار”4.
ولما كان يوم الفرقان والتقى الجمعان في يوم من أعظم أيام الله في غزوة بدر، أصر أبو جهل على قتال المسلمين بعد نجاة القافلة، فانتصر عليهم جيش المؤمنين، ولما هدأت الحرب وبرد الوطيس سأل رسول الله ﷺ عن مصير أبي جهل، قائد معسكر الكفر وحامل لواء القطعية، فذهب عبد الله بن مسعود ليتحقق من الأمر فوجده ينازع فقضى عليه، وعاد ليبشر رسول الله ﷺ فالتفت رسول الله ﷺ إلى عمار بن ياسر قائلاً: “إن الله قتل قاتل أمك”5، ثم قال: “هذا فرعون هذه الأمة”6.
وفي الحالتين ربط رسول الله ﷺ أمته بالتاريخ، وربط بين أيامه وأحداثه، فاعتبر قدوم عاشوراء كل عام نعمة تتجدد فيه جملة من النعم، من ظهور الحق ونجاة المؤمنين وهلاك الكافرين، وبعد نصر بدر أعلن رسول الله ﷺ عن هلاك فرعون أمته، وأن الله اقتص منه لأم عمار في الدنيا قبل الآخرة.
إذا تملك اليأس من النفس بلغ الإنسان درجة القنوط، واستبعد زمان الفرج، وكأن سنن الله في نجاة المؤمنين وهلاك الظالمين، كانت قاصرة على الأسلاف السابقين، وهذه مردّه إلى ضعف الإيمان وقلة اليقين، والجهل بدراسة التاريخ وأيام الغابرين، فإن سنن الله باقية لا تحابي ولا تتخلف:
وَلَا بُدَّ مِنْ يَوْمٍ تَرَى فِيهِ ** تُرَدُّ لِأَهْلِهَا فِيهِ المَظَالِمْ
فَيَوْمٌ أَبْيَضُ لِكُلِّ مَظْلُومٍ ** وَيَوْمٌ أَسْوَدُ لِكُلِّ ظَالِمْ
وكان فضيلة الشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله يذكّر الناس بهذا المعنى ويقول: “اسألوا التاريخ عن جمال”، ثم يذكر عدداً من رموز الاستبداد والطغيان، ويختم بسؤال: “أين هم الآن”؟
وفي عاشوراء هذا العام 1448ه رأى الناس كيف يكون انتقام الله من الظالمين بعد نجاة المؤمنين، حيث مَثَلَ أمام العدالة “مفتي البراميل” و”شيخ بشار”، وصاحب التصديقات على الإعدامات: أحمد حسون، الذي كان لسان الطاغوت وصوته، وقلمه الذي يوقّع به على قتل ثوار سوريا الأبرياء، وإذا كان لكل مستبد كتيبة من “المَداخلة” الذين باعوا دينهم برضاه، فإن “مداخلة العرب” مجتمعين عيال على “حسّون”، ولا يصلون إلى حافة نعله.
جعلت حكومة سوريا الجديدة اللباس المخطط باب بهجة لعموم الأمة، كلما أدخلوا “مخططاً” جديدًا إلى أقفاص العدالة، ونأمل أن تنتقل هذه العدوى قريباً لتشمل كل الحُمُر المستنفرة، فهل يتعظ زملاء “حسّون” وأشباهه من الذين ما زالوا على كرسي الإفتاء، أو أبواق المستبد الذين يسبّحون بظلمه، ويزيّنون له سوء عمله من دعاة السلاطين وأبواق الشياطين؟
ولعل عاشوراء القادم يكون يوم “جمعة”.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 رواه البخاري ومسلم.
2 أخرجه مسلم.
3 أخرجه أحمد وغيره، واللفظ للطبراني، وقال الهيثمي: “ورجاله ثقات”.
4 أخرجه مسلم.
5 الطبقات، لابن سعد.
6 أخرجه أحمد.





