
الاحتلال يعتقل فلسطينيين ويحرق المستوطنون أراضي الزيتون
يونيو 27, 2026
من الإلحاد إلى الإسلام!
يونيو 27, 2026
أدريانو ماريو- أحد المسلمين الجدد من دولة أنجولا
أبلغ من العمر أربعة وثلاثين عاماً، وأعيش في قلب العاصمة الأنجولية “لواندا”، حيث تزدحم الشوارع بضجيج الحياة وتختلط أبنية الاستعمار القديم بناطحات السحاب الحديثة. أعمل معلماً لمادة الرياضيات للمرحلة الابتدائية، وهي مهنة جعلت من عقلي آلة منطقية لا تؤمن إلا بالأرقام، والمعادلات، والنتائج الملموسة. بالنسبة لي، كان العالم aعبارة عن “1+1=2″، وكل ما لا يمكن إثباته بالحسابات والمعادلات المنطقية، هو مجرد وهم أو أساطير لا تستحق عناء التفكير.
كنتُ أعيش حياة هادئة مع زوجتي “إيزابيل”، أو هكذا كنتُ أظن، حتى جاء ذلك المساء الذي قلب موازين حياتي رأساً على عقب، حين اكتشفتُ بمحض الصدفة أنها قد اعتنقت الإسلام سرّاً دون علمي! لم يكن اكتشافاً سهلاً، بل كان صدمة زلزلت كياني المادي؛ وجدتُها في ركن هادئ من البيت، تغطي رأسها بوشاح بسيط، وتؤدي حركات لم أفهمها وقتها، لكنني أدركتُ فوراً أنها صلاة المسلمين. في تلك اللحظة، شعرتُ بنار الغضب تشتعل في صدري؛ كيف تجرؤ شريكة حياتي على اتخاذ قرار كهذا خلف ظهري؟ كيف تترك معتقدات آبائنا لتتبع ديناً كنتُ أراه غريباً عن مجتمعنا في أنجولا؟
بدأت المشاكل تعصف ببيتنا الهادئ، وتحول “أدريانو ماريو” المنطقي الهادئ إلى رجل فظ وعنيف في كلماته. كنتُ أتعمد مضايقتها، وأسخر من حجابها وصلاتها، وأحاول استفزازها بكل الوسائل الممكنة لترجع عن قرارها. كنتُ أقول لها بتهكم المعلم الذي لا يخطئ: “أيتها الحمقاء، هل تظنين أن هذه الحركات ستغير من واقع حياتنا شيئاً؟ نحن نعيش في عالم تحكمه المادة، فما نفع هذه الصلوات الغريبة؟”
لكن، ويا للعجب، كانت ردة فعلها هي ما بدأ يحطم جدران كبريائي؛ فكلما ازددتُ فظاظة، ازدادت هي لطفاً، وكلما رفعتُ صوتي بالصراخ، انخفض صوتها بالسكينة والدعاء. بدأتُ ألاحظ تحولاً مذهلاً في سلوكها؛ أصبحت أكثر صبراً، وأكثر اعتناءً بي وببيتنا، وكأن هذا الدين الجديد قد صقل روحها وجعلها أرق وأجمل في تعاملها. كانت تتحمل إساءتي بابتسامة صامتة، وتعدّ لي طعامي بلمسة حب لم أعهدها، وتهتم بكل تفاصيل راحتي رغم قسوتي عليها. هذا الصمود الهادئ بدأ يثير في نفسي تساؤلات لم تجد لها “معادلاتي” حلاً؛ ما هو هذا الشيء الذي يمنح الإنسان كل هذه القوة على الصبر؟ وما الذي يجعل امرأة رقيقة تقف في وجه عاصفة غضبي بكل هذا الثبات واليقين؟
مع مرور الوقت، بدأ قلبي يرقُ رغماً عني. بدأتُ أراقبها من بعيد وهي تقرأ في كتاب صغير، ورأيتُ دموعها وهي تسجد في جوف الليل، وشعرتُ أن هناك “قوة خفية” تسكن هذا البيت لا أستطيع رصدها بمجاهري أو قياسها بمساطري.
وفي ليلة من ليالي “لواندا” الساكنة، حين غلبني الفضول وانهزم أمامي كبريائي، ذهبتُ إليها وجلستُ بجانبها، ونظرتُ في عينيها اللتين تشعان بسلام غريب، وسألتها بصوت خافت كسر صمت الشهور: “إيزابيل، أخبريني بصدق.. كيف حدث هذا؟ من أين جئتِ بهذا اليقين؟ ومن الذي علمكِ هذا الدين وأنتِ لا تغادرين البيت إلا قليلاً؟”.
نظرت إليّ بعينين دامعتين من الفرح، وقالت لي بهدوء: “لقد وجدتُ ضالتي يا أدريانو في مكان لم أكن أتوقعه.. لقد أسلمتُ عن طريق مشروع يدعو إلى الإسلام على الإنترنت يسمى “مشروع بصيرة”. أخبرتني كيف قادها إعلان بسيط على منصة “فيسبوك” إلى هؤلاء القائمين على المشروع، وكيف أنهم حاوروها بالعقل والمنطق الذي أحبه، وأجابوا على كل شكوكها برفق ومحبة، حتى لم يجد قلبها مفراً من الإيمان.
في تلك اللحظة، شعرتُ برغبة وفضول في أن أعرف ما عرفت زوجتي، وأن ألمس هذا السلام الذي لمسته. وبمساعدة إيزابيل، بحثتُ عن صفحة “مشروع بصيرة” على فيسبوك، وتصفحت منشوراتهم الدعوية التى تدعو إلى الإسلام بالحوار الجميل. شعرتُ أن هذا الكلام موجه لي شخصياً كمعلم رياضيات يبحث عن المقدمات والنتائج.
تواصلتُ معهم، وسرعان ما بدأتُ حواراً طويلاً ومسهباً مع أحد المحاورين المتخصصين. لم يكن حواراً عادياً، بل كان رحلة فكرية شاقة وممتعة في آن واحد. بدأتُ بطرح أسئلتي المادية الصارمة: “كيف أؤمن بإله لا أراه؟ وكيف ينسجم الإيمان مع قوانين العلم والمنطق؟ ولماذا الإسلام تحديداً؟”. كان (المحاور) يتمتع بصبر جميل، وبذكاء يشبه ذكاء الرياضيين؛ لم يرفض أسئلتي، بل رحب بها وبدأ يفككها معي واحداً تلو الآخر.
قال لي (المحاور) كلمات لم أنسها: “يا أدريانو، أنت كمعلم رياضيات تعلم أن القوانين التي تحكم الأرقام هي قوانين ثابتة لا تخلق نفسها بنفسها. إذا رأيت معادلة معقدة ومنظمة على اللوح، فهل يعقل أن تقول إن ذرات الغبار هي التي رسمتها؟ إن هذا الكون هو أعظم معادلة رياضية في الوجود، وتناسقه المذهل هو “البرهان”القاطع على وجود الخالق. نحن لا نرى الخالق بأعيننا المادية المحدودة، لكننا نرى “آثاره” في كل خلية وفي كل مجرة، تماماً كما تؤمن أنت بوجود الجاذبية أو الوعي دون أن تلمسهما”.
هذا الكلام بدأ يلامس أوتار العقل عندي؛ لقد كانت المقارنة بين “النظام الكوني” و”المعادلة الرياضية” هي المفتاح الذي فتح مغاليق فكري. تحدثنا لساعات طويلة عن كمال الشريعة، وعن عظمة النبي محمد ﷺ، وعن كيف أن الإسلام هو الدين الذي يجمع بين إشباع العقل وطمأنينة الروح.
سألتُه بفضول المعلم: “لماذا صبرت زوجتي على قسوتي كل هذه الشهور؟”، فأجابني بيقين: “لأن الإسلام علمها أن “الإحسان” هو أعلى مراتب الإيمان، وأن الصبر على الأذى في سبيل الله هو أعظم دعوة صامتة. لقد رأت فيك روحاً تائهة تبحث عن الحقيقة، فقررت أن تكون هي المرآة التي تعكس لك نور الإسلام بأخلاقها قبل كلماتها”.
شعرتُ بخجل شديد؛ كيف كنتُ بهذا الجهل وهذه الغلظة أمام كل هذا الجمال؟ ومع اقتراب الفجر فوق سماء “لواندا”، وبعد حوارات ومناقشات أزالت كل الغبار عن بصيرتي، شعرتُ أن “المعادلة المستحيلة” قد حُلت أخيراً. لم تعد الحياة “واحداً زائد واحد يساوي اثنين” فقط، بل أصبحت “لا إله إلا الله” هي الحقيقة المطلقة التي تبدأ منها كل الحقائق الأخرى.
كتبتُ لـ (المحاور) ودموع الفرح تتساقط من عيني: “يا أخي، لقد انتصر اليقين على الشك. أنا أدريانو ماريو، معلم الرياضيات الذي كان يظن نفسه ذكياً، أدرك الآن أن أشد أنواع الجهل هو إنكار الحق الواضح. لقد رأيتُ الإسلام في صبر زوجتي، وسمعتُه في منطق حواركم، ولم يعد لقلبي ملجأ إلا الخضوع لخالق هذا الكون العظيم. كيف أنضم إلى عالم الإسلام؟”.
جاءت البشارة التي تهز الأركان: “يا أدريانو، الإسلام هو دين الفطرة والمنطق، وأنت الآن على بداية الطريق الصحيح. انطق بالشهادتين، واعلم أن كل ما مضى من قسوة وجهل قد غفره الله لك وبدله حسنات، لأنك عدت إليه بصدق”. وفي تلك اللحظة، وبجانب زوجتي الصابرة “إيزابيل” التي كانت تراقبني بصمت ودعاء، رفعتُ وجهي إلى السماء ونطقتُ بالكلمات التي أعادت قلبي إلى فطرته: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله”.
يا له من شعور مهيب! كأنني كنتُ أحل مسألة رياضية استعصت عليّ طوال عمري، وفجأة ظهر الحل بكل بساطة ووضوح. شعرتُ بحمل ثقيل ينزاح عن صدري، وبسكينة غمرت روحي لم يمنحني إياها علم ولا أرقام. التفتُ إلى زوجتي، وبكيتُ طالباً منها العفو، وشكرتها لأنها لم تتخلّ عني في تيهي. لقد أصبحت حياتنا الآن معادلة كاملة الأركان: حبٌ في الله، وصبرٌ على طاعته، ويقينٌ بلقائه.
لم أعد أدريانو ماريو الذي يقدس المادة الصماء، بل أصبحتُ أدريانو الذي يرى إبداع الخالق في كل رقم أعلمه لتلاميذي، وفي كل نبضة قلب في صدري.
أنا الآن أدريانو ماريو، المعلم الأنجولي المسلم. لقد كان صمت زوجتي أبلغ من كل الدروس، وكان “مشروع بصيرة” بمثابة المختبر الذي أثبت لي حقيقة الوجود. لم يغير الإسلام وظيفتي كمعلم رياضيات، بل جعلني معلماً أفضل، أرى الجمال خلف الأرقام، وأرى الحكمة خلف القوانين. شكراً لزوجتي، وشكراً لـ “مشروع بصيرة” الذي فتح عينيّ على حقيقة كانت أمامي ولم أكن أراها. لقد ولدتُ من جديد في سن الرابعة والثلاثين، والآن فقط.. أستطيع أن أقول إن حساباتي أصبحت صحيحة، وأنني عدت إلى موطني الحقيقي، إلى فطرتي التي فيها سعادتي في الدنيا وعند لقاء ربي.





