
زوجتي كانت سبباً لهدايتي!
يونيو 27, 2026
رأيت الحجيج فتغيرت حياتي
يونيو 27, 2026
كوامي دانكو – أحد المسلمين الجدد من جمهورية بنين
أقف الآن على أعتاب الخامسة والأربعين من عمر يملؤه الضجيج الصامت. هنا في قلبي مدينة “بورتو نوفو” بجمهورية بنين، حيث الرطوبة المرتفعة ليست مجرد حالة طقس، بل هي عدو لدود يتربص بكل ما هو قديم. مهنتي التي أفنيت فيها زهرة شبابي هي “متخصص في علم الأنسجة الخشبية (Xylology) وترميم المخطوطات الورقية الأثرية”.
يقضي أمثالي ساعات طوال خلف عدسات المجهر الإلكتروني، نتفحص ألياف “السليلوز”، ونحلل كيفية تماسك الأنسجة الوعائية في أخشاب “الأبنوس” و”الساج”. عملي يتطلب دقة جراح؛ فخطأ واحد في تقدير نسبة “التانين” أو نوع “المادة الرابطة” قد يؤدي إلى تفتت مخطوطة صمدت لقرون. كنت أنظر إلى الوجود كآلة عملاقة؛ فالشجرة بالنسبة لي ليست إلا مضخة هيدروليكية تنقل الماء من الجذور إلى الأوراق، والإنسان مجرد تفاعل كيميائي معقد داخل خلايا الدماغ. كنت أسخر من جيراني في أحياء “بنين” وهم يقدمون القرابين للأشجار في طقوس “الفودو”، وأقول لهم بزهو العالم المادي: “هذا خشب صمّ لا يسمع ولا يبصر، مجرد خلايا ميتة يحكمها قانون الفناء!
لكنني، ويا للمفارقة، كنت أرمم المخطوطات وأبث فيها مظهراً زائفاً من الحياة، بينما كانت روحي تعاني من “نخر” داخلي عميق. كنت أعيش صراعاً خفياً؛ فكلما غصت في تفاصيل “النظام” الذي يحكم أصغر خلية خشبية، زاد قلقي. هل يمكن لهذا الإعجاز الهندسي في توزيع المسام اللحائية أن يكون وليد صدفة عمياء؟ هل يمكن لـ “دي إن إيه” الشجرة أن يكتب نفسه بنفسه؟!
في ليلة من ليالي “بورتو نوفو” الخانقة، كان السكون يلف ورشتي إلا من طنين مكيف الهواء المتهالك. كنت أعمل على ترميم وثيقة نادرة قديمة، مكتوبة على ورق مصنوع من ألياف النخيل. كانت الألياف متهالكة لدرجة أن نَفَسي كاد يمزقها. شعرت بعبثية مفرطة تجتاحني؛ لماذا أحاول تخليد ورق سيفنى حتماً؟ ولماذا أصارع الزمن وأنا نفسي مجرد صفحة في كتاب الوجود ستقلبها يد الموت قريباً؟!
فتحت هاتفي لعلني أهرب من هذا الهجوم الفكري! وتصفحت مواقع التواصل الاجتماعي وبسبب اهتماماتي العلمية بالأخشاب والبيئة، قادني “الخوارزمي” الرقمي إلى منشور من صفحة تسمى “مشروع بصيرة لدعوة غير المسلمين”. كان المنشور يعرض صورة معبرة، وتحتها كلمات عن “اسم الله القادر”.. ثار فضولي!
شعرت بفضول وارتباك بداخلي. أنا الذي أعرف تعقيد الأنسجة، لم أسأل نفسي يوماً عن “الصانع” الأول لهذه الأنسجة الحيوية! ضغطت على أيقونة الرسائل، وكتبت بيدي التي تلطخت بأحبار الترميم: “أنا خبير في الأنسجة، وأعلم أن المادة تخضع لقوانين صارمة.. لكن من أين جاء القانون الأول؟ وكيف يمكن لمن يرى فناء المادة كل يوم أن يؤمن بإله لا تدركه المجاهر أو العين المجردة؟!
جاء الرد وبدأ (المحاور) معي رحلة لم أتوقعها. لم يكن حواراً عميقاً، بل كان “تشريحاً” روحياً بمنطق علمي!
قال لي (المحاور): “يا كوامي، أنت في معملك ترى كيف تترتب الخلايا بنظام هندسي بديع لتشكل نسيجاً يحمل أطنان الخشب ضد الجاذبية. هل يمكن لخلية واحدة عمياء أن تقرر مكانها؟ أنت كمتمم للمخطوطات، تعلم أن الحروف المبعثرة لا تشكل كتاباً إلا بوجود”مؤلف” وضع لها سياقاً ومعنى. فكيف بهذا الكون الفسيح البديع؟!
قلت له بصوت مخلوط بالحيرة والشك: “ولكن، إذا كان هناك مصمم كامل، فلماذا أرى العيوب؟ لماذا تخوننا الأرض بالزلازل، وتخوننا الخلايا بالسرطان، ويخوننا الورق بالتآكل؟”
أجابني (المحاور) : “يا كوامي، أنت ترمم المخطوطات ‘لأنها’ قابلة للتلف، وقيمتك كخبير تظهر في فعل الترميم هذا. الله خلق الدنيا ناقصة لتمتحن صبرك وعقلك، ولتدرك أن الكمال ليس هنا. الدنيا هي “دار اختبار”، والآخرة هي دار الخلود حيث الكمال بلا نقصان. ثم أخبرني، ألا ترى في “التشوه” نفسه دليلاً على وجود “القاعدة”؟! لولا وجود النظام لما سميت الخلل خللاً. الإسلام لا يطلب منك إنكار العلم، بل يطلب منك أن تفهم أن العلم هو ” وصف” لكيفية عمل الكون، بينما الدين هو الذي يفسر لك الغاية من وجوده ليطمأن قلبك ويهدأ عقلك.
كان الحوار بيينا ممتعاً وامتد لساعات، وتجاوزنا منتصف الليل. كنت أشعر مع كل كلمة أن طبقة من “الغبار” تتلاشى عن قلبي لتكشف عن معدني الحقيقي.
سألته عن النبي محمد ﷺ، وعن القرآن. شرح لي بأسلوب منطقي كيف أن القرآن هو “هو كلام الله” الذي يصل بي إلى التوحيد والإيمان به، وأنه بمثابة “دليل التشغيل” الذي يخبرنا بكيفية إدارة النفس البشرية المعقدة دون أن تحترق تروسها قبل أن تصل إلى بر الآمان عند خالقها!
في تمام الساعة الثالثة فجراً، توقفت عن الكتابة. نظرت إلى المجهر أمامي، ثم نظرت إلى يدي. شعرت برهبة عظيمة. هذه اليد التي تمسك الإزميل، من الذي نسق بين عصبها وعضلاتها؟ من الذي منحني “الوعي” لأدرك أنني أدرك؟ شعرت أنني كنت أعمى البصيرة رغم حدة بصري المادي.
كتبت لـ (المحاور): “أشعر أنني كنت أحاول ترميم الورق، بينما أنا من يحتاج إلى إعادة بناء من الجذور. قلبي متعب من التيه، فكيف أدخل في هذا النظام البديع الذي يجمع بين العقل والروح؟”
جاء رد المحاور ليفتح لي باباً إلى الراحة والطمأنينة: “الأمر بسيط يا كوامي.. انطق بالشهادتين، وأسلم للخالق الواحد الذي أبدعك من عدم. سيتولى هو سبحانه ترميم ما أفسدته سنوات الشك في قلبك”.
وفي تلك اللحظة الفارقة، رفعت سبابتي -التي لطالما تلطخت بأحبار المخطوطات- ونطقت بيقين: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله”.
شعرت بسعادة وانشرح صدري، كأن تياراً من النور قد اخترق مسامي. لم أعد ذلك “كوامي” الملحد الذي يقدس المادة الصماء. شعرت أنني جزء من هذا الكون المسبح، أنني غصن صغير استقام أخيراً في شجرة التوحيد العظيمة.
توضأت بماء بارد، وكان لكل قطرة ماء إحساس مختلف؛ كأنها لا تغسل جلدي فحسب، بل تمحو خطايا سنوات التيه والغرور العلمي. صليت ركعتين، ولأول مرة في حياتي، لم أكن أحاول تحليل حركة عضلاتي ميكانيكياً، بل كنت أشعر بقلبي وهو يسجد قبل جبهتي.
حين طلعت الشمس فوق مياه “بحيرة نوكويه” وانعكست خيوطها على أوراق الأشجار المبللة، خرجت إلى حديقتي. لمست جذع شجرة “مانجو” قديمة، ولم أشعر بها كنسيج خشبي ميت هذه المرة. شعرت بها ككائن حي يسبح الخالق بلغة الصمت التي لا يفهمها إلا من فُتحت بصيرته.
أنا الآن “كوامي” المسلم. ما زلت أرمم المخطوطات، لكنني أتعامل مع كل حرف كأنه آية تذكرني بعظمة الذي علم بالقلم. كل الامتنان والحب والتقدير لـ”مشروع بصيرة” الذي لم يكن مجرد صفحة افتراضية على وسائل التواصل الاجتماعية، بل كان “المشرط” الذي استأصل ورم الشك من عقلي، و”المادة اللاصقة” التي أعادت ربط روحي بخالقها للأبد.
الآن اكتملت ملامح الخريطة، وأصبحت الألياف متماسكة جداً.. نعم، الآن فقط بدأت حياتي الحقيقية، الآن فقط.. أورقت شجرة روحي.
يارب ثبتني .. يارب ثبتني.





