
بالهجرة وإقامة الدولة تجسد الإسلام في المجتمع
يونيو 18, 2026
مستوطنو الاحتلال يحرقون مسجدين غرب الضفة المحتلة
يونيو 18, 2026بقلم: الشيخ علي بن عمر بادحدح – فك الله أسره
عندما قبل المسلمون الأوائل دعوة سيد الخلق محمد ﷺ ودخلوا في الإسلام، وأيقنوا بالإيمان واجهوا عداء قريش وأذاها وصلفها وعنادها، فأي شيء كان منهم لنرى كيف كان أثر الدين في حياة المؤمنين وما مكانته عند المسلمين؟!
كلنا يعلم تلك الرمضاء المحرقة في بطحاء مكة من وهج الشمس وهي تسطع على بلال تحت الصخر يُعذب ويُضطهد ويُؤذى أشد الإيذاء وهو يهتف: “أحد أحد”، لا يقبل أن يُعطي الدنية في دينه، ولا أن يغير معتقده، ولا أن يساوم على إيمانه.
وصهيب وما أدراك ما صهيب! وخباب وما أدراك ما خباب! بقي أثر السياط على ظهره إلى يوم وفاته بعد عقود من الزمان، كان يُجلد حتى يختلط لحمه بجلده بدمه، حتى بلغ به الأمر مبلغاً، فجاء يشكو إلى النبي ﷺ: “ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟” فيثبت الإيمان ﷺ، ويرد الأمر إلى ضرورة القوة في الدين والثبات عليه حيث يقول: “إنه كان فيمن كان قبلكم مَن يوضع المنشار في مفرق رأسه فيُنشر حتى يُفلق إلى نصفين لا يصده ذلك عن دينه، وإنه كان فيمن كان قبلكم من يُمشط بأمشاط من حديد ما بين لحمه وعظمه لا يصده ذلك عن دينه، والله لَيسيرنّ الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون”.
فنزل الإيمان راسخاً في القلوب، وسرى الإسلام مع الدماء في العروق، فثبت ذلك الإيمان، حتى جاءت الهجرة من بعد، ليست فراراً من المواجهة، ولا خروجاً من الثبات على الدين، ولكنها تأكيد لأولوية الدين في حياة المسلمين.
جاءت هجرة الحبشة الأولى والثانية، ولسنا بصدد سرد السيرة، ولكننا نشير إلى الومضات التي تبين أنه لا دنية في الدين.
لما جاء عمرو بن العاص -وكان إذ ذاك رسول قريش- ليرد المهاجرين إلى مكة، وجاء إلى النجاشي بما جاءه من الهدايا والتحف، فطلب النجاشي العادل الطرف الآخر ليستمع بعد أن أساء عمرو القول وشوه السمعة وبث الفتنة وأشاع الخلاف، فجاء جعفر بن أبي طالب مع بقية أصحابه المهاجرين، فأي صورة كانوا يمثلون؟ كانوا يمثلون صورة إيمان وإسلام مجتمِعِين متوحِدِين، ليس بينهم افتراق آراء، ولا تباين أهواء، ولا تعارض مصالح، جمعوا كلمتهم، واختاروا محدثهم، وأيقنوا بأنه لابد من أن يكون لهم موقفهم، فماذا قال جعفر رضي الله عنه؟ إنه كان يريد أن يحافظ على مصلحة المسلمين، وأن يبقي على وجودهم، وأن يوفر أمنهم، وأن ييسر رغد عيشهم، لكنه لا يمكن بحال من الأحوال هو ومن معه أن يكون ذلك كله على حساب إيمانهم، أو على حساب إسلامهم. فجعل حديثه إعلاناً بمساوئ الجاهلية وإظهاراً لمحاسن الإسلام.
فقال رغم حرصه على أسلوب يحفظ به للمسلمين مصالحهم: “أيها الملك” فلم ينكر مُلكه ولم يغفل عن أن يعطيه قدره الذي فيه حق من جهة وفيه مراعاة مصلحة من جهة أخرى “كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منَّا” وأفاض في وصف النبي ﷺ “نعلم نسبه وشرفه وعلو قدره وحسن خلقه، فأمرَنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار” وعدَّد من محاسن الإسلام ما عدد، ثم انظر إلى لغة السياسة الإسلامية الإيمانية: قال: “فلما قهرونا” أي: كفار قريش “وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على مَن سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نُظلم عندك”
فهل في هذا نفاق سياسي؟! وهل في هذا دنية دينية؟! إنها حنكة مع إظهار الإسلام وإعلان دعوته وإظهار محاسنه، ومع الوقوف على المبدأ الحق دون ذوبان ولا تنصل من حقائقه ومبادئه، وكان في ذلك موقف حكيم، دفع عنهم الأذى ولم يوقعهم في حرج من إيمانهم وإسلامهم، فهل اكتفت الجاهلية ومبعوثها الداهية عمرو بن العاص -رضي الله عنه- الذي كان على شركه إذ ذاك؟
قال: “والله لآتينهم الغداة بما يبيد خضراءهم”. وغدا على النجاشي ليقول فتنة وتأليباً وتشويقاً واستعداء، فقال: “إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً”. فهو يعلم عن النصرانية أنها تقول: عيسى هو الله، أو ابن الله، أو الروح القدس! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، وجاءت هذه المعضلة والطامة المشكلة والمعجزة المحيرة المربكة لوجودهم وأمنهم وعيشهم ورغدهم ودينهم وعقيدتهم.
فقال النجاشي: “ما تقولون في عيسى؟”
فأي شيء يقول جعفر؟ وأي بيان يظهر المسلمون؟ هل يبدّلون أو يغيرون؟ هل يحافظون على دينهم أم على حياتهم يحافظون؟ قالها كلمات واضحة:
“نقول فيه الذي جاء به نبينا، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول”.
لا دنية في الدين، لا مساومة في العقيدة، لا تغيير في الإيمان والإسلام، أي شيء جرى لهم؟! أي مصيبة حلت بهم؟! أي نكبة نزلت عليهم؟! لم يحصل من ذلك شيء؛ لأن من كان مع الله كان الله معه.
قال النجاشي: “والله ما عدا ما قلتم فيه عودي هذا”. فنخرت البطارقة، قال: “وإن نخرتم”. ثم قال لهم: “أنتم شيوم بأرضي”. أي: أنتم سالمون لا يَعتدي عليكم أحد؛ لأنكم أهل مبدأ وأهل يقين وأهل عزة وأهل وضوح، لا أهل ذوبان وذلة وترخص والتماس عرَض من الدنيا بضياع الدين، نسأل الله عز وجل السلامة.
تضحية النبي ﷺ وأصحابه في الهجرة
جاءت الهجرة الكبرى، وجاء الإذن الرباني من الله جل وعلا للمصطفى ﷺ بعد أن تهيأت الأسباب، وبعد أن أدى الجهد منه ومن أصحابه رضوان الله عليهم، فأي شيء كانت الهجرة؟! وأي درس كان أعظم فيها؟ إنه التضحية بكل شيء من أجل الدين..
فكلنا يعلم هجرة أبي سلمة ومعه أم سلمة ومعهما ابنهما سلمة، يمضي تاركاً وراءه دنياه، ومخلفاً وراءه حياته الأولى ومراتع صباه وذكريات شبابه، يمضي إلى الله وإلى رسول الله وإلى مرضاة الله وإلى طاعة الله وإلى التزام دين الله وإلى إعلاء راية الله، فيأتي أهل زوجته فيقولون له: “هذه نفسك قد غلبتنا عليها، أما ابنتنا فلا تمض معك”. فأخذوا زوجته، فجاء بنو أسد أهله بعد أن مضى فقالوا: “هذه زوجُه ابنتكم أخذتموها، أما ابننا فنأخذه”. فأُخذ الابن في جهة والأم في جهة، والأب يرى زوجته تؤسَر وابنه يُقهر، فهل يصده ذلك عن المضي إلى مرضاة الله؟ وهل يضعف يقينه بالله؟ وهل يستسلم لظروفه وما تجري به في هذه الحياة؟
كلا، بل يمضي إلى الله مهاجراً، ثم تمت له هجرته، وألحق الله به زوجه وابنه من بعد.
وصهيب وما أدراك ما صهيب؟! ترك غنيمة الحياة الدنيا كلها، وثمرة جهده وتجارته وصناعته، يخرج مهاجراً فيحيطون به قائلين: “جئتنا صعلوكاً لا مال لك وتخرج من بين أيدينا تاجراً ثرياً؟” فقال لهم: “أرأيتم لو أعطيتكم مالي أكنتم تاركيّ؟!” قالوا: “نعم”. قال: “فإنه في مكان كذا وكذا”. فتركوه وذهبوا بماله كله، بدنياه كلها، بأيامه ولياليه وجهده وشقاء عمره، فهل حزن لذلك؟ وهل مضى كسيفَ البال؟ أو رجع مشدوداً إلى المال؟
مضى إلى الله عز وجل، فاستقبله سيد الخلق ﷺ وهو يقول: “بخٍ بخٍ! ذاك مال رابح”، وتتنزل الآيات: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:207]، بيعة وصفقة رابحة.
وعبد الله بن جحش وزوجه وأخوه عبد بن جحش -وكان أعمى ضريراً لا يرى، وكان شاعراً- وأهله كلهم خرجوا جميعاً، لم يبقَ منهم أحد، خلفوا وراءهم الديار، وقطعوا العلائق، وانبتوا عن الأرض ليسموا إلى ما هو أعظم وأعلى، وهو شأن الدين والإيمان واليقين.
مر عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب وأبو جهل فرأى عتبة هذه الديار وقد خلت من أهلها، والريح تخفق فيها يباباً، نظر إلى من تركوا الدنيا، إلى من تركوا الديار، نظر متأملاً متعجباً، ونظر كذلك بفطرة إنسانية حزيناً ثم قال:
وكل دار وإن طالت سلامتها ** يوماً ستدركها النكباء والحُوبُ
فقال أبو جهل للعباس: “ذاك ما فعل ابن أخيك، فرَّق جماعتنا وشتت شملنا”. وذلك هو حال الطغاة المجرمين، يفعلون الجريمة، ثم ينسبون الإجرام والإرهاب إلى المظلومين ويتهمونهم به، كما نرى في واقعنا اليوم.
أما أبو بكر -وما أدراك ما أبو بكر!- فقد جعل وقته وعمره وماله وثروته وأهله وبنيه وداره وأرضه وروحه ونفسه جعلها كلها تضحية في الهجرة، فقد حبس نفسه لصحبة النبي ﷺ أربعة أشهر، هيأ ماله، وعلف راحلتيه، وترك زوجه وأبناءه، وترك داره وأخذ كل ماله ومضى مخاطراً بروحه ونفسه بين يدي رسول الله ﷺ، حتى جاء الموقف العظيم، ووقف المشركون على فم الغار، وإذا بـأبي بكر شفقة ورحمة يقول: “يا رسول الله! لو نظر أحدهم موضع قدمه لرآنا”. فينطق اليقين والثبات والإيمان على لسان سيد الخلق ﷺ: “ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟” وتتنزل الآيات تصف هذه المواقف العظيمة: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة:40].
فمن يحزن والله معه؟
ومن يضعف والله يعينه؟
ومن يذل والله يعزه؟
ومن يخاف والله يؤمنه؟
ذلك درس التضحية العظمى في هذه الهجرة، تضحية لأجل الدين تقول لنا: إن الأولوية في حياة المسلمين التضحية لأجل الدين.
كان محمد ﷺ في مكة سيد ساداتها وشريف أشرافها، وذا الذروة العليا في أنسابها، وقد جاءته قريش وقالوا له: إن كنت تريد مالاً جمعنا لك مالاً حتى تكون أكثرنا مالاً.
عرضوا عليه دنياهم كلها فركلها برجله، واستعلى عليها بإيمانه ويقينه وإسلامه عليه الصلاة والسلام، فلم تكن حياة المسلمين رغبة في الدنيا ولا سكوناً إليها ولا طلباً للسلامة، ولو كان ذلك كذلك لعاشوا مسالمين هانئين موادعين، وحسبهم في ذلك أن ينكفئوا إلى دورهم، أو أن يؤدوا شعائرهم، لكنه الإيمان والإسلام أولى الأولويات في حياة المسلمين.
ليست الهجرة انتقال موظف من بلد قريب إلى بلد ناءٍ، ولا ارتحال طالب قوت من أرض مجدبة إلى أرض مخصبة، لكن الهجرة أمر آخر، إنها إكراه رجل آمن في سربه ممتد الجذور في مكانه على إهدار مصالحه وأمواله والنجاة بشخصه فحسب، وإشعار بأنه مستباح منهوب قد يهلك في أوائل الطريق أو في نهايتها، لكنه الإيمان الذي يزن الجبال ولا يطيش.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
المقال مقتبس من محاضرة: الهجرة وأزمة الأمة، علي بن عمر بادحدح، موقع إلكتروني: الشبكة الإسلامية.





