
إضراب الأسرى عن الماء
يونيو 15, 2026
مستوطنون يحرقون مركبات بالضفة ويحاولون إحراق مسجد برام الله
يونيو 15, 2026أجراها: محمد سعود الأعظمي – سفير هيئة أنصار النبي ﷺ في الهند
- لا بد من يقظةٍ دائمة ودفاعٍ واعٍ عن الدين وتاريخ الإسلام
- كتبتُ نحو مائة كتاب أبرزها (الوفاء بأسماء النساء) في ثلاثةٍ وأربعين مجلدًا
- قيمة الإنسان بما يحمل من علمٍ ومعرفة لا بما يحمل من ألقابٍ وأوراق
- في تاريخنا آلاف من النساءٍ العالِمات لهنّ شيوخ وتلاميذ وروايات وأسفار ومجالس علم
- تاريخنا أوسع وأغنى مما نتصور وفيه من الكنوز ما ينتظر مَن يَكشف عنه
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد:
فتتشرف مجلة أنصار النبي في هذا العدد أن تستضيف أحد أبرز العلماء والباحثين في العالم الإسلامي المعاصر، العالم الجليل الدكتور محمد أكرم الندوي، الذي جمع بين العمق التراثي والوعي الفكري، وبين أصالة التكوين في مدرسة ندوة العلماء وانفتاح الدراسات العليا في بريطانيا.
وقد جاءت هذه المقابلة لفتح نافذة معرفية جديدة أمام القارئ، تسلط الضوء على التجربة العلمية الفريدة للدكتور الندوي، ورؤيته لواقع المسلمين في الهند، وعلاقة مسلمي المهجر بوطنهم، وموقع العلم في مسيرة الإصلاح، إضافة إلى نصائحه الثمينة لشباب الأمة وطلاب العلم. نترككم مع هذه المقابلة التي نثق أنها ستثري القارئ، وستضيف إلى وعيه الكثير.
مجلة أنصار النبي: نبدأ من البدايات.. كيف تصفون نشأتكم الأولى في الهند، وما أثر تلك البيئة في تكوينكم العلمي؟
الندوي: إذا أردتُ أن أستعيد ذكرى النشأة الأولى، فإنما أستعيدها في شيء من الهدوء الممزوج بالحنين، وفي شيء من التأمل الذي يردّ الحوادث إلى أصولها الأولى، ويكشف عن خيوطها الدقيقة التي نسجت ما بعدُ من حياةٍ علميةٍ وفكرية.
وُلدتُ في ذي الحجة سنة 1382 من الهجرة في قرية جمدهان، مديرية جونفور شمالي الهند، ونشأت في بيئةٍ قرويةٍ هادئةٍ، لم تكن تعرف من زخرف الحياة إلا أقله، ولا من أسباب الحضارة إلا أيسرها، ولكنها كانت -على فقرها المادي- غنيةً بصلاحها، عامرةً بما فيها من طمأنينةٍ وصفاء. نشأتُ تحت رعاية أبوين كريمين، وجَدٍّ وجَدّةٍ غلبت عليهما نزعة الخير، فكان لذلك أثرٌ عميق في تكوين نفسي منذ الصغر؛ إذ تعلّمت في تلك البيئة الأولى معنى الانضباط، وحبّ السكينة، والركون إلى البساطة.
بدأتُ تعليمي في كتّاب القرية، حيث أخذتُ قراءة القرآن الكريم، وشيئًا من الفقه، ومبادئ الخط والحساب، وتعلّمتُ كذلك اللغة الأردية والهندية. ولم يكن هذا التعليم منظمًا على نحوٍ حديث، ولكنه كان -على بدائيته- يغرس في النفس أصول المعرفة، ويهيئها لتقبّل ما يأتي بعدها. ثم كان لجدي فضلٌ لا يُنكر، حين ألحقني -وأنا ابن تسع سنين- بمدرسة (ضياء العلوم) في ماني كلان من جونفور، وهناك بدأتُ أخرج من ضيق القرية إلى شيءٍ أوسع من آفاق العلم؛ فدرستُ اللغة الفارسية سنتين، ثم العربية سنة، وكأنما كنتُ أنتقل من عالمٍ إلى عالم، ومن ذوقٍ إلى ذوق.
ولم أقف عند هذا الحد، بل انتقلتُ إلى معهد (مولانا آزاد) التعليمي بأسرهتة من جونفور، حيث قضيت ثلاث سنواتٍ كانت -على قصرها- حافلةً بالمشقة والجدّ. ولم تكن الكتب متيسّرة، بل كانت نادرةً عزيزة، لا تملك منها خزانة المدرسة إلا نسخةً أو نسختين؛ فاضطررنا إلى استنساخها بأيدينا، نكتبها ثم نقرؤها. وقد كتبتُ بخطي -على تواضعه- كتابًا في قواعد اللغة العربية، وأبياتًا مختارة من ديوان أبي العتاهية، وكان لزهدياته أثرٌ عميق في نفسي، صحبني طويلًا، ووجّه وجداني وجهةً خاصةً نحو التأمل والزهد.
على أن أعجب ما أذكره من تلك المرحلة، أن حبّ العلم قد نشأ في قلبي نشأةً غريبة؛ إذ نشأتُ في بيئةٍ لم تكن تُعنى بالعلم عنايةً تُذكر، وكان أكثر من حولي يميلون إلى الفلاحة والعمل في المزارع، بينما كنتُ أنا عاكفًا على الكتب، لا أجد لذّةً تعدل لذّة القراءة. كنتُ أقضي يومي في المدرسة، ومسائي في أداء الواجبات ومطالعة الكتب، ولم أكن أستريح إلا يوم الجمعة، على حين كان زملائي يفرحون بالعطلة، وكنتُ أنا أضيق بها؛ لأنها تصرفني عن لذّتي الكبرى.
ولم تكن وسائل الحياة ميسّرة؛ فلم تكن في القرية كهرباء، فكنا نستضيء بالمصابيح التي توقد بالنفط، وكنتُ أجلس ليلًا -في أيام الصيف- خارج البيت، وبين يديّ مصباحٌ خافت، أقرأ وأكتب، غير عابئٍ بمن يمرّ بي من الناس. وقد كان بعضهم يقف ليسألني أن أترجم له ما أقرأ، فأفعل ذلك على كرهٍ خفي؛ إذ كنتُ أرى في ذلك صرفًا لوقتي عما هو أنفع لي.
وقد لقيتُ -في سبيل هذا الميل إلى العلم- شيئًا من العنت؛ فبعض أعمامي كانوا يرونني كسلانًا، لأنني لا أشاركهم أعمال الزراعة، وبعض جيراني كان يظن أنني آثرتُ السهل على الصعب، غير أنني كنتُ على يقينٍ بأن للعلم مشقته التي لا تقلّ عن مشقة العمل في الأرض، بل تزيد عليها في بعض الوجوه.
ومنذ تلك السنّ المبكرة، تعلّمتُ أن أجتنب الجدل والخصومة، وأن أوثر الاشتغال بالعلم على التنافس الذي يورث الضغائن؛ فكنتُ إذا نازعني أحدٌ في تفوقٍ أو فضلٍ، تركتُ له ما يدّعي، وانصرفتُ إلى درسي، مؤثرًا هدوء النفس وصفاءها على لذّة الغلبة والانتصار.
وهكذا أستطيع أن أقول إن تلك البيئة -على فقرها وقلة حيلتها- قد أسهمت إسهامًا عظيمًا في تكويني العلمي؛ إذ غرست في نفسي حبّ العلم، وعلّمتني الصبر على طلبه، وربّتني على الزهد في مظاهر الحياة، والإقبال على ما ينفع ويُبقي. وكانت هذه الخلال هي الأساس الذي قمتُ عليه فيما بعد، وما كان لما تلاها من مراحل أن يستقيم لولاها.
مجلة أنصار النبي: كيف كانت تجربتكم في مدرسة ندوة العلماء؟
الندوي: تجربتي في مدرسة ندوة العلماء، تمثل -في نظري- طورًا ناضجًا من أطوار حياتي العلمية، انتقلتُ فيه من مجرد التلقي إلى شيءٍ من التكوين، ومن التلمذة الخالصة إلى ملامح الاستقلال الفكري.
التحقتُ بدار العلوم لندوة العلماء سنة ثمانٍ وتسعين وثلاثمائةٍ وألف، في السنة الثانية من الدراسات العالية، وقد دخلتُها وأنا أحمل في نفسي شعورًا مزدوجًا: شوقًا إلى العلم لا يكاد يُحدّ، وحياءً شديدًا من أن أُثقِل على أبي، الذي كان يتكفّل بالنفقة عليّ وعلى البيت جميعًا. ولذلك كنتُ أقتصد في مطالبي، فلا أسأل إلا عن الضروري الذي تستقيم به حياتي الدراسية، مكتفيًا بالقليل، راضيًا به، حريصًا على ألا يكون طلبي للعلم سببًا في إرهاق من أُحب.
ولقد عكفتُ على دروسي عكوفًا شديدًا؛ فكنتُ أسبق زملائي إلى مجلس الأستاذ، وأحرص على القرب منه، لا رغبةً في تميّزٍ ظاهري، بل طلبًا للفهم الدقيق، واستيثاقًا من دقائق العلم. وكنتُ أنافسهم في قراءة النصوص، وأقيّد تقريرات الشيوخ، ثم لا أكتفي بذلك، بل أعود إلى الشروح، فأراجعها، وأزيد عليها، كأنما كنتُ أُنشئ لنفسي علمًا خاصًا داخل العلم المقرر.
وكان من عادتي -التي لازمتني في تلك المرحلة- أن أقرأ كتابين من خارج المقررات: أحدهما بالأردية، والآخر بالعربية، فكان ذلك يفتح لي آفاقًا جديدة، ويُنمّي فيّ ملكة المطالعة، حتى أصبحت القراءة عادةً لا أستطيع عنها فكاكًا. ولم أكن أجد صعوبةً تُذكر في العلوم والفنون، بل كنتُ أقبل عليها جميعًا بمحبةٍ ورغبة، وإن كان الحديث والفقه قد استأثرا بنصيبٍ أوفر من عنايتي في أواخر أيامي بدار العلوم.
وقد انتهت هذه المرحلة بحصولي على شهادة (العالِمية) سنة إحدى وأربعمائةٍ وألف، ثم شهادة (الفضيلة) في الحديث الشريف سنة ثلاثٍ وأربعمائةٍ وألف، ولم تكن هذه الشهادات -في نفسي- غايةً تُطلب، بقدر ما كانت ثمرةً طبيعيةً لجهدٍ متصل، وسهرٍ طويل، وصبرٍ على مشقة العلم.
وأستطيع أن أقول إنني عشتُ في دار العلوم حياةً خاصة، لا أعرف فيها لذّةً إلا لذّة العلم، منصرفًا عن اللهو واللعب، كأنما كنتُ أُجسّد معنى الزهد الذي قرأته في شعر أبي العتاهية. ولم يكن لي من الأصدقاء إلا قليل، أأنس إليهم دون أن أُفرط في صحبهم، وكنتُ أشعر -في كثيرٍ من الأحيان- بشيءٍ من الوحشة بيني وبين سائر الطلبة، فأؤثر العزلة التي تتيح لي صفاء الذهن، وتمام الانصراف إلى القراءة والبحث.
غير أن هذه العزلة لم تدُم على حالها؛ فما إن انتهيتُ من دراستي حتى تغيّرتُ، وصرتُ أكثر انفتاحًا على الناس، أُحسن الاتصال بهم، وأجد في ذلك متعةً لا تقلّ عن متعتي بالعلم، دون أن أنحرف عن طريقي في محبته والاستزادة منه.
وقد كان لدار العلوم فضلٌ آخر لا يقلّ شأنًا، وهو أنها درّبتني على الترجمة بين العربية والأردية والإنكليزية، فنشرتُ بعض هذه الترجمات في مجلاتٍ وصحفٍ مختلفة، وكتبتُ مقالاتٍ ورسائل، لم تُغنني مالًا، ولكنها أغنتني ثقةً بنفسي، وقرّبتني من شيوخي، حتى نلتُ عطفهم وتقديمهم.
ثم كان من فضل هذه المؤسسة عليّ أن اختارتني -على غير المألوف- للتدريس فيها عقب تخرّجي سنة أربعٍ وأربعمائةٍ وألف، فانتقلتُ من حياة الطالب إلى حياة الأستاذ، وكان هذا الانتقال عسيرًا في بدايته، حتى استطعتُ أن أُقنع نفسي بأنني لم أعد ذلك الطالب الذي يتلقى، بل أصبحتُ مسؤولًا عن العطاء والتوجيه.
ودرّستُ فيها علوم العربية، والحديث، والفقه، والتفسير، وسعيتُ إلى أن أجعل الدرس حيًّا نابضًا، أُزاوج فيه بين الجدّ والفكاهة، وبين القديم وروح العصر، وأعمل على تنشيط عقول الطلاب، لا بإلقاء العلم عليهم إلقاءً، بل بإشراكهم فيه. وكنتُ مولعًا بالجمع بين الدين والأدب، أرى في ذلك سبيلًا إلى تكوين عقلٍ متوازنٍ، وذوقٍ رفيع.
وقد تعلّمتُ في أثناء تدريسي درسًا مهمًّا، حين كنتُ ألين في كل شيء، لا أردّ طلبًا، ولا أرفض حاجة، حتى أثقلني ذلك، فعلّمني مدير الدار أن أقول (لا) كما أقول (نعم)، فاستقامت لي بعد ذلك شخصيةٌ تجمع بين اللين والحزم.
وأخيرًا، فإنني لا أُبالغ إذا قلتُ إن دار العلوم كانت عالمي الخاص، أعيش فيها حياةً مكتفيةً بذاتها، لا أكاد أرى ما وراء جدرانها، وقد قضيتُ فيها أسعد أيامي، بين شيوخٍ أحببتهم، وتلاميذ قربتُ منهم، في حياةٍ يسيرةٍ هادئة، ملؤها العلم، ومادتها المحبة.
ثم مضت تلك الأيام، كما تمضي كل الأيام، وبقي أثرها في نفسي عميقًا لا يُمحى، لأنها لم تكن مجرد مرحلةٍ من مراحل الدراسة، بل كانت مدرسةً للحياة، أسهمت في تكوين عقلي، وتهذيب خلقي، وتحديد طريقي الذي سرتُ عليه بعد ذلك.
مجلة أنصار النبي: ماذا أضافت إليكم لندن في مسيرتكم العلمية؟
الندوي: أما لندن -وما يتصل بها من بيئة أكسفورد العلمية- فقد كانت في حياتي منعطفًا حاسمًا، لا يقل أثرًا عن ذلك المنعطف الأول الذي عرفتُه في (ندوة العلماء)، بل لعلي أقول: إنها نقلتني من طور التكوين إلى طور الامتحان، ومن الاطمئنان إلى ما يشبه القلق المنتج، الذي يوقظ العقل ويشحذ الهمة.
ابتُعثتُ في شهر يناير سنة 1991م إلى أكسفورد زميلًا باحثًا في مركز الدراسات الإسلامية، بإشارةٍ كريمةٍ من شيخي أبي الحسن الندوي، فنزلتُ هذه الدار الغريبة، وأنا أحمل زادي القديم من العلم، وأحمل معه حنينًا لا يفارقني إلى دار العلوم الأولى، كأنما كان القلب موزعًا بين موطنين: موطنٍ يسكنه، وموطنٍ يسكن فيه.
وقد عشتُ في هذه البيئة الجديدة حياةً متقلبة، تتنازعها حالتان: غربةٌ موحشة، تكاد تصرفني عن لذة كل شيء، وانكشافٌ معرفيٌّ رحب، يفتح أمامي آفاقًا لم أكن أعرفها من قبل، فأجد في نفسي سكونًا ورضًا. كنتُ أحضر المحاضرات والندوات، وأقرأ كتب الفلاسفة المحدثين، وأتصفح بحوث المستشرقين، فإذا بي أُلقى في معتركٍ فكريٍّ واسع، لا مكان فيه للركون أو الغفلة، بل لا بد فيه من يقظةٍ دائمة، ودفاعٍ واعٍ عن الدين، وعن القرآن والسنة، وعن سيرة النبي ﷺ وتاريخ الإسلام.
وهنا أحسستُ بأن العلم الذي تلقيتُه لم يكن غايةً في ذاته، بل كان عدةً لهذا الامتحان؛ إذ رأيتُني مثقلًا بمسؤولية البيان والذبّ، لا في صورةٍ انفعالية، بل في صورةٍ علميةٍ رصينة، تُخاطب العقول بلغتها، وتوازن بين الحجة والحجة.
ولم تخلُ هذه التجربة من امتحانٍ نفسيٍّ دقيق؛ فقد ظننتُ في أول أمري أن الشهادات الجامعية الحديثة هي وحدها المعترف بها في هذا العالم، فداخلني شيءٌ من الحرج، كأنما كنتُ أقف بين قومٍ أُوتوا نورًا لم أُؤته. غير أن هذا الشعور لم يلبث أن زال، حين تكشّف لي -من خلال التجربة والمعاشرة- أن قيمة الإنسان إنما تكون بما يحمل من علمٍ ومعرفة، لا بما يحمل من ألقابٍ وأوراق. وسرعان ما أدرك زملائي ما عندي من رسوخٍ في العربية والفارسية، ومن إحاطةٍ بالعلوم الإسلامية، فازداد تقديرهم، وعجبتُ من عنايتهم باللباب دون القشور، فخفّ في نفسي الالتفات إلى المظاهر، وقوي فيها الاعتداد بالجوهر.
ومن جهةٍ أخرى، رأيتُ طائفةً من شباب المسلمين قد انسلخوا عن أزيائهم وثقافاتهم، يحاولون أن يذوبوا في بيئةٍ ليست منهم، ولا هم منها في كل شيء، فكان ذلك باعثًا لي على مزيدٍ من التمسك بديني وهويتي، لا تعصبًا أعمى، بل وعيًا بأن الأصالة لا تنافي الانفتاح، وأن الثبات على الأصول هو الذي يتيح للإنسان أن يتحاور مع غيره وهو ثابت القدم. فوثّقتُ صلتي بالمساجد، وصادقتُ الصالحين، وشاركتُ في أعمال الدعوة، كأنما كنتُ أستعيد توازني بين عالمين.
ثم انفتحت أمامي في هذه البلاد ميادين العمل العلمي والدعوي؛ فنشطتُ في التعليم والإصلاح، وأسهمتُ -مع بعض إخواني- في دعم مشاريع علمية، كان من أبرزها تأسيس (كلية كمبريدج الإسلامية) سنة 2013م، لتكون جسرًا بين التراث الإسلامي الأصيل والدراسة الأكاديمية الحديثة، كما شهدتُ قيام (معهد السلام) الذي أنشأته ابنتي سمية سنة 2006م، على منهجٍ يجمع بين الأصالة والتيسير.
ولقد امتدت صلتي بمركز الدراسات الإسلامية نحو خمسةٍ وعشرين عامًا، كانت -على طولها- كأنها درسٌ متصل، أتعلم فيه كل يومٍ شيئًا جديدًا، وأعيد فيه النظر فيما تعلمتُه من قبل، حتى خرجتُ من هذه التجربة وقد امتلأتُ يقينًا بأن العلم الحقّ لا يعرف حدودًا جغرافية، وأنه قادرٌ على أن يجمع بين البيئات المختلفة، إذا صُحب بالإخلاص، وقُرن بالبصيرة.
مجلة أنصار النبي: مؤلفاتكم، وخاصة حول المحدثات من النساء، لاقت صدى واسعًا. ما الدافع وراء هذا الاتجاه؟
الندوي: إن مؤلفاتي في علوم القرآن، والحديث، والفقه، واللغة، وأدب الرحلات، باللغات العربية والإنكليزية والأردية، تبلغ -فيما أحسب- نحو مائة كتاب، منها هذا الكتاب (الوفاء بأسماء النساء) الذي امتد في ثلاثةٍ وأربعين مجلدًا، فكان -من حيث الجهد والزمن- أوسعها نطاقًا، وأثقلها حملًا، وأعمقها أثرًا في نفسي.
ولستُ أرى هذا التعدد في مجالات التأليف ترفًا علميًّا، ولا تنقّلًا بين فنونٍ متباعدة، بل أراه استجابةً طبيعيةً لحاجةٍ شعرتُ بها منذ وقتٍ مبكر، وهي أن التراث الإسلامي -في اتساعه وغناه- لا يُحاط به من بابٍ واحد، ولا يُفهم فهمًا صحيحًا إلا إذا أُخذ من أطرافه المختلفة، وتآزرت فيه علومه، وتكاملت مسالكه. ومن هنا كتبتُ في التحقيق، والسير، والفقه، والحديث، والرحلات، وجعلتُ لغاتي المختلفة وسائل متعددة لغايةٍ واحدة، هي خدمة هذا التراث، وإيصاله إلى آفاقٍ أرحب.
أما اتجاهي إلى التأليف في المحدِّثات من النساء، فلم يكن وليد خاطرٍ عابر، ولا استجابةً لدعوةٍ معاصرة، وإنما نشأ -كما تنشأ الأفكار الراسخة- من معاناةٍ طويلةٍ مع النصوص، ومخالطةٍ دقيقةٍ لكتب التراجم، ومعايشةٍ واعيةٍ لعالم الإسناد والرجال. فقد كنتُ كلما قرأتُ في كتب الطبقات، والمشيخات، والأثبات، ومعاجم الشيوخ، وقفتُ على أسماء نساءٍ عالمات، لهنّ شيوخ وتلاميذ، وروايات وأسفار، ومجالس علم، فإذا بي أجد أمامي عالمًا قائمًا بذاته، ولكنه مبعثرٌ في بطون الكتب، لا يجمعه جامع، ولا يُعرض عرضًا يكشف عن حقيقته.
وكان من أثر ذلك أن تساءلتُ -في شيءٍ من الدهشة- كيف خفي هذا الجانب المشرق من تاريخنا العلمي على كثيرٍ من الدارسين؟ وكيف غلبت صورةٌ ناقصة، توحي بأن المرأة كانت بعيدةً عن ميدان العلم، أو مقصورةً على أدوارٍ محدودة؟ ثم لم ألبث أن أدركتُ أن السبب في ذلك ليس قلة المادة، وإنما تفرقها، وغلبة العناية بتاريخ الرجال، حتى كأنها حُجبت -بغير قصد- ما للنساء من نصيبٍ وافر.
ومن هنا نشأ العزم على أن أُفرد هذا الموضوع بعملٍ شامل، لا يكتفي بالإشارة، ولا يرضى بالاختصار، بل يستقصي ويجمع، ويحلل ويُبرز. فكان كتاب (الوفاء بأسماء النساء) الذي اعتكفتُ عليه أكثر من خمس عشرة سنة، أجمع مادته من مصادرها المتنوعة، مطبوعةً ومخطوطة، متنقلًا بين مكتباتٍ في الشام، ومصر، وتركيا، والهند، وأوروبا، حتى اجتمع لي من ذلك تراثٌ واسع، يضم تراجم ما يقرب من عشرة آلاف امرأة، من عهد النبوة إلى العصور المتأخرة.
ولم يكن قصدي من هذا العمل مجرد الجمع والتدوين، بل كان هدفي أن أُقدّم صورةً علميةً متكاملة، تُبرز مكانة المرأة في الحياة العلمية الإسلامية، وتكشف عن أدوارها الحقيقية في نقل الحديث، وفهمه، وتعليمه، والإجازة فيه. وقد دلّت الشواهد -وهي كثيرةٌ متظاهرة- على أن هؤلاء العالمات بلغن من الضبط والإتقان مبلغًا عظيمًا، حتى إن علماء الجرح والتعديل لم يعرفوا فيهنّ ما عرفوه في بعض الرجال من التهم، بل كانت رواياتهن موضع قبولٍ واطمئنان.
ثم إني أردتُ -من خلال هذا الجهد- أن أُقيم الحجة التاريخية على أن الإسلام لم يكتفِ بتكريم المرأة في النصوص، بل أتاح لها في الواقع مجالًا واسعًا للمشاركة العلمية، في إطارٍ يجمع بين الحياء والحشمة من جهة، وبين الفاعلية والتأثير من جهةٍ أخرى. فقد كانت المرأة تُدرّس، وتُفتي، ويقصدها الطلبة، وتُرحل إليها الرحال، وتُسهم في تربية الأجيال، وفي بناء الحياة العلمية والاجتماعية على السواء.
ولم يكن هذا الاتجاه منفصلًا عن سائر مؤلفاتي، بل كان امتدادًا لها؛ فكتبي في تحقيق التراث، كـ(أصول الشاشي)، ونقلي (بستان المحدثين)، وكتابتي في أعلام الفكر الإسلامي، وفي الفقه المعاصر، وفي أدب الرحلات، كل ذلك كان يهدف إلى إحياء التراث، وإعادة تقديمه في صورةٍ علميةٍ دقيقة، تجمع بين الأمانة والتحليل، وبين الوفاء للماضي، والوعي بحاجات الحاضر.
وقد أفدتُ من هذا العمل فوائد جمة، لم تكن كلها علميةً خالصة، بل كان منها ما يتصل بتكوين النفس؛ إذ ازددتُ يقينًا بأن تاريخنا أوسع وأغنى مما نتصور، وأن فيه من الكنوز ما ينتظر من يكشف عنه، وأن الإنصاف العلمي يقتضي أن ننظر إلى هذا التراث نظرًا شاملًا، لا يُغفل جانبًا على حساب جانب.
مجلة أنصار النبي: هذا، ونستكمل الحوار في العدد القادم، إن شاء الله تعالى.





