
من الحسابات المادية إلى الإيمان بالوحدانية
مايو 18, 2026
رحلتي من التيه إلى نور الإسلام
مايو 18, 2026
روز مالينا
مسلمة جديدة من دولة هايتي
اسمي روز بلغتُ الثانية والثلاثين من عمري قبل أشهر قليلة، وأعيش في مدينة “كاب هايتيان” بجمهورية هايتي، حيث تختلط رائحة القرنفل والياسمين بنسيم المحيط الأطلسي الذي يحيط بنا من كل جانب. أنا امرأة بسيطة، لم أحصل على شهادات جامعية كبرى، بل اكتفيت بالتعليم المتوسط الذي منحني القدرة على القراءة والكتابة وفهم مبادئ الحياة الأساسية.
لم أكن يوماً موظفة في مكتب، بل كانت مملكتي الصغيرة هي منزلي المتواضع المطل على أزقة المدينة الضيقة، حيث أقضي يومي في العناية بأسرتي وترتيب تفاصيل حياتنا الهادئة. كانت حياتي تسير في إيقاع رتيب؛ أهتم بالزينة، وأتابع أخبار الجيران، وأغرق في تفاصيل الدنيا الصغيرة، ظناً مني أن السعادة تكمن في اقتناء ثوب جديد أو في جلسة سمر طويلة تحت ضوء القمر. كنتُ أعيش حالة من “الخواء الروحي” المقنع بالانشغال باليوميات، ولم أكن أشعر بوجود رب يراقبني أو غاية كبرى خلقتُ من أجلها، فقد كنتُ بعيدة كل البعد عن أي تفكير ديني جاد، حتى جاء ذلك اليوم الذي رأيتُ فيه تحولاً جذرياً في أعز صديقاتي، “سيرا”.
كانت سيرا تشبهني في كل شيء؛ في بساطتها، وتعليمها، وحتى في اهتماماتها السطحية، لكنني فجأة لاحظتُ عليها تغيراً لا يمكن تفسيره بالكلمات. بدأتُ أرى في عينيها سكينة لم أعهدها، وفي حديثها عمقاً لم أتعوده. لم تعد تشاركني السخرية من الآخرين، ولم تعد تهتم بزينة الدنيا كما كانت. وعندما سألتها بفضول عن سر هذا التبدل المفاجئ، أخبرتني وهي تبتسم وبهدوء غريب: “يا روز، لقد وجدتُ الطريق أخيراً.. لقد أسلمت”.
صدمتني الكلمة، فنحن نعيش في مجتمع قليل منه مَن يعرف الإسلام، ولم نكن ندرك جوهره الحقيقي. أخبرتني “سيرا” أنها كانت تعاني من ضيق شديد في صدرها، حتى قادها البحث قدراً في الإنترنت إلى صفحة تسمى “مشروع بصيرة”. حكت لي كيف أنها تابعت منشوراتهم، وكيف دخلت في حوارات عميقة معهم، وكيف أنهم أجابوا على تساؤلاتها التي لم تجرؤ يوماً على طرحها، حتى نطق قلبها بالشهادة قبل لسانها.
في البداية، كنتُ أنظر إلى سيرا بشيء من الريبة، لكن حالها كان يغريني بالاقتراب. بدأت سيرا تشاركني بعض المقاطع والرسائل التي كانت تصلها من معلمتها في “مشروع بصيرة”. كنتُ أجلس معها في شرفة منزلها، وهي تقرأ لي كلماتهم بأسلوبها البسيط: “يا أختاه، إن الجمال الحقيقي ليس في الثياب التي تبلَى، بل في الروح التي تتصل بخالقها ويملأها الرضا بما قسمه الله لها.. إن السكينة التي تبحثين عنها في صخب الحياة أو في القرب من الناس، هي موجودة في سجدة خالصة لله”.
بدأتُ أشعر أن هذه الكلمات تخاطب فطرتي التي كتمتها لسنوات. لم يكن الأمر معقداً يحتاج لشهادات عليا لفهمه، بل كان بسيطاً كبساطة قلبي. سيرا كانت “الجسر” الذي نقل لي نور “بصيرة” دون أن أدخل أنا في حوار مباشر معهم في البداية. كانت تنقل لي كيف أن الإسلام يحترم المرأة، وكيف يمنحها قيمة تتجاوز مظهرها الخارجي، وكيف أن الله قريب منا يسمع دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء.
ذات ليلة، بينما كنتُ وحدي في منزلي، شعرتُ برغبة عارمة في معرفة المزيد عن الإسلام. دخلتُ إلى صفحة “مشروع بصيرة” التي حدثتني عنها سيرا. قضيتُ ساعات أقرأ قصص العائدين إلى الإسلام ” المهتدين الجدد”، وأتأمل في الصور التي تعرض إعجاز الله في خلقه. شعرتُ وكأن غشاوة كانت على عيني قد بدأت تتلاشى. لم أكن أحتاج لمشارط طبية أو معادلات كيميائية لأدرك وجود الله؛ فبساطة روحي كانت كافية لتشعر بعظمة الخالق في حبة الرمل، وفي موج المحيط، وفي دقة خلق جسدي. تأثرتُ جداً بمنشور يتحدث عن “التوبة”، وكيف أن الله يفرح بعودة عبده إليه أكثر من فرحة الأم بلقاء طفلها المفقود. انهمرت دموعي بغزارة، وشعرتُ بخجل شديد من تلك السنوات التي ضاعت في الغفلة.
في الصباح الباكر، ذهبتُ إلى منزل سيرا بلهفة لم أعرفها من قبل. وجدتُها كعادتها بوجهها المشرق. قلتُ لها ونبرة صوتي ترتجف: “يا سيرا، لقد قرأتُ ما يكتبه هؤلاء الدعاة في “بصيرة”.. لقد شعرتُ أن قلبي يحترق شوقاً لهذا الأمان الذي تعيشينه. لقد مللتُ من حياتي الفارغة، وأريد أن أكون معكِ على هذا الطريق”. عانقتني سيرا بحرارة وقالت لي: “لقد كنتُ أدعو لكِ في كل صلاة يا روز.. إن الله ينتظركِ”. وفي تلك اللحظة، وسط غرفتها البسيطة، وبحضور سيرا التي كانت هي المرآة التي عكست لي نور بصيرة، رفعتُ يدي ونطقتُ بالكلمات التي غيرت مجرى قدري: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله”.
يا له من شعور! شعرتُ بخفة غريبة، وبفرحة لا تشبه فرحة الثياب والزينة التي كنتُ أركض خلفها. علمتني “سيرا” كيف أتوضأ، وكيف أصلي أول ركعتين في حياتي. كانت السجدة الأولى هي اللحظة التي التقيتُ فيها بنفسي الحقيقية لأول مرة. لم أعد روز مالينا التائهة في هموم المنزل والغيرة والمظاهر؛ بل أصبحتُ روز التي عرفت غاية وجودها.
أنا الآن امرأة في الثلاثينيات، ما زلتُ أعيش حياتي البسيطة في بلدي هايتي، وما زلتُ ربة منزل أهتم بأسرتي، لكن شتان بين روز الأمس وروز اليوم. اليوم، أقوم بأعمالي المنزلية وأنا أُسَبّح الله، أربي أبنائي على حب الخالق الذي عرفتُه من خلال صديقتي الوفية ومن خلال ذلك النور الذي بثه “مشروع بصيرة” في القلوب. لم أحصل على تعليم عالٍ، لكنني اليوم أشعر أنني أملك حكمة العالم كله، لأنني عرفتُ الله.
شكراً لصديقتي سيرا، وشكراً لـ “مشروع بصيرة” الذي لم تقتصر بركته على من يحاورهم مباشرة، بل امتد نوره ليصيب قلوباً بسيطة مثلي، كانت تنتظر خلف الأبواب المغلقة من يطرق عليها برفق ويقول لها: “عودي إلى فطرتك السليمة .. عودي إلى الإسلام”.
لقد أورقت حياتي حقاً، وأصبحتُ أرى الجمال في كل شيء، لأنني رأيتُ خَلق الله في كل شيء. الآن فقط، أستطيع أن أقول إنني أعيش حقاً!
الحمد لله.. الحمد لله.





