
لأول مرة.. مستوطنون يدخلون علنا نصوص صلاة “جبل الهيكل” إلى الأقصى
مايو 2, 2026غزة تواجه خطر العطش مع اقتراب الصيف
مايو 4, 2026
د. محمد الصغير
رئيس هيئة أنصار النبي ﷺ
لم يأتِ وعيد بحرب من الله ورسوله إلا على جريمة الربا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 279]. وعدّها رسول الله ﷺ في السبع المهلكات التي هي أكبر الكبائر؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “اجتنِبوا السَّبعَ الموبقاتِ”، قيلَ: يا رسولَ اللهِ وما هنَّ؟ قال ﷺ: “الشِّركُ باللهِ، والسِّحرُ، وقتلُ النَّفسِ الَّتي حرَّمَ اللهُ إلَّا بالحقِّ، وأكلُ مالِ اليَتيمِ، وأكلُ الرِّبا، والتَّوَلِّي يومَ الزَّحفِ، وقَذفُ المُحصَناتِ الغافِلاتِ المؤمِنات”1.
كما لعن رسول الله ﷺ كل مشارك في صفقة الربا، عن جابر بن عبد الله قال: “لَعَنَ رَسولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبا، ومُؤكِلَه، وكاتِبَه، وشاهِدَيه”. وقال: “هُم سَواءٌ”2.
والربا من الجرائم القديمة، وهو من معالم الجاهلية في كل صورة من صورها قديمًا وحديثا، عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: “إنَّ دماءَكم وأموالَكم عليكم حرامٌ كحُرْمَةِ يومِكم هذا، في شهرِكم هذا، في بلدِكم هذا، ألا إنَّ كلَّ شيٍء من أمرِ الجاهليةِ تحتَ قدمي موضوعٌ، ودماءُ الجاهليةِ موضوعةٌ، وأولُ دمٍ أضعُه من دمائِنا دمُ ربيعةَ بن الحارثِ بنِ عبدِ المطلبِ، وربا الجاهليةِ موضوعٌ، وأولُ ربًا أضعُ من رِبَانَا ربا العباسِ بنِ عبدِ المطلبِ، فإنَّهُ موضوعٌ كلُّه”3.
وفي العصر الحديث ظهرت صورة جديدة من صور الربا هي ربا المصارف والبنوك، وأصبحت عصب الاقتصاد عند الأفراد والحكومات، وتخفيفاً لوقع مصطلح الربا على النفوس، أطلقوا على الربا البنكي مصطلح “الفوائد البنكية”، ومع فشو هذه الظاهرة للعلن، واحتياج الناس لبيان حكم الشرع فيها، صدرت أول فتوى مجمعية في هذا الشأن من الأزهر الشريف، خلال اجتماع مجمع البحوث الإسلامية برئاسة شيخ الأزهر الإمام حسن مأمون، وشارك فيه ممثلون عن خمس وثلاثين دولة إسلامية، وكان فيهم من الرموز المعروفة الشيخ محمد أبو زهرة، فرج السنهوري، علي الخفيف، محمد البهي، وغيرهم، وكانت فتوى المجتمعين:
“إن فوائد البنوك هي الربا، وعلى البلاد الإسلامية السعي في إقامة بدائل عن هذه البنوك”.
ثم انعقد بعده مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي فاعتمد ما قرره مجمع البحوث، وكذلك فعل المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، وفي عام 1976 عقد المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي، وحضره في مكة المكرمة أكثر من ثلاثمائة عالم في الشريعة والاقتصاد والمحاسبة، وقرروا بالإجماع أن الفوائد هي الربا الحرام، وكان من الحضور فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله، وعلّق بقوله: “إن علماء الاقتصاد كانوا أشد حماسة لتحريم الفوائد من علماء الشريعة، ومن كبار علماء الاقتصاد شارك د. محمد عبد الله المغربي أستاذ المالية بجامعة القاهرة، د. عيسى عبده إبراهيم، و د. محمود أبو السعود.
وبقيت المعركة حامية الوطيس من خلال بعض المنتسبين إلى العلم الشرعي، أو من يعملون في دوائر الإفتاء الحكومي، الذين استزلهم الشيطان فقالوا بجواز التعامل مع البنوك الربوية، وأخذ الغلة الناتجة عن ذلك، وحاولوا بين الفينة والأخرى أن يثيروا شبهة، أو يحرفوا نصاً ليوافق هواهم وما يملَى عليهم، ومن ذلك قولهم: “إن حرمة الربا خاصة بالنقدَين”. وقد ذكر القيرواني في (اختصار المدونة) ردّ الإمام مالك على ذلك بقوله: “لو أن الناس تعارفوا على الجلود كنقد وضربوا عليها السِّكة، فإنها تأخذ أحكام الذهب والفضة.”
وإن النقود الورقية تقوم الآن مقام الذهب والفضة في دفع المهر والدية، وبها يكون الفقر والغِنى .
وتوسعت الآن دائرة الربا حتى تحقق في زماننا قول النبي ﷺ: “يأتي على الناس زمان، لا يبقى أحد إلا أكل الربا، فمن لم يأكل الربا أصابه دخانه”4.
ومع هذه الصورة القاتمة والدخان المنتشر، استطاعت إمارة أفغانستان الإسلامية الخروج من دائرة الربا، والتخلص من الصور الربوية في كل المعاملات المصرفية الخاصة بالأفراد والمؤسسات، واحتاج هذا قرابة ثلاث سنوات من العمل والجهد لفك هذا القيد، لأن الاحتلال الاقتصادي أكثر تشعباً وانتشاراً من الاحتلال العسكري، لكن إرادة التحرر واصطبار الأفغان جعلهم ينتصرون في كلا الميدانين في ظل الحصار الدولي المفروض عليهم، والمقايضة في سبيل الاعتراف، ولكن تعليمات أمير المؤمنين سماحة الشيخ هبة الله آخوند زاده كانت واضحة وصارمة: “نحن قوم يهمنا اعتراف الله بنا ورضاه عنا، وعلينا أن نسعى بكل جد للتخلص من كل ما يخالف الشريعة الإسلامية”.
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96].
جعل الأفغان هذه الآية نصب أعينهم، وعلقوا آمالهم على من بيده ملكوت كل شيء وهو على كل شيء قدير، وبدأت بالفعل تتجلى عليهم بركات الله وفيوضات نعمه، حيث ظهرت عندهم آبار النفط وحقول المعادن الثمينة، وذكر تقرير (بلومبرج) الاقتصادي أن العملة الأفغانية من أكثر العملات العالمية تحسناً في الفترة الماضية، حيث نقص سعر صرف العملة الأفغانية إلى النصف في مقابل اليورو والدولار، مقارنة بما كان عليه في وقت الاحتلال الأمريكي الذي ما زال يحتفظ بتسعة مليار دولار من أموال الأفغان في بنوكه، ويماطل في ردها لأصحابها.
وحجة العاجز أن الأفغان منعوا الربا لأنهم في حصار، وليس لهم علاقات اقتصادية عالمية، والرد على ذلك أن الإمارة الإسلامية لو كانت تصدر عن المصلحة النفعية، ولا تدور في فلك الشريعة الإسلامية، لسمحت بزراعة الأفيون والمخدرات التي احتلت فيها المرتبة الأولى عالمياً في ظل الاحتلال، لكن من المعلوم أن حكومة طالبان الأولى في الفترة من 1996 إلى 2001 منعت زراعة المخدرات، ومع سيطرة الاحتلال الأمريكي أعاد زراعتها، وأغرق البلاد بالحبوب المخدرة أيضاً، فنتج عن ذلك أربعة ملايين مدمن تقوم حكومة الإمارة الإسلامية على علاجهم وإعادة تأهيلهم، كما منعت زراعة المخدرات مرة أخرى، وقضت عليها تماماً، وصدر تقرير يشهد بذلك من لجان الأمم المتحدة.
ما فعلته أفغانستان من منع التعامل بالربا، وتعميم نظام المعاملات الشرعية، يقيم الحجة على باقي البلاد الإسلامية، التي ربطت عملتها ومصيرها بحبل الدولار، الذي يتحكم فيه تاجر جشع، ويدير مقوده دلال عقارات ومقاول منتجعات، يرى كل شيء من منظور المادة، ويتقلب مزاجه معها هبوطاً وصعوداً، وقصدت المقارنة بينه وبين الأفغان، لأنهم القوة التي هزمتهم، وبضدها تتميز الأشياء.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 متفق عليه.
2 رواه مسلم.
3 رواه مسلم.
4 رواه الحاكم وصححه.





