
هدم مدرسة إسلامية بأوتار براديش في الهند
يونيو 13, 2026
بيان إلى المسلمين المخلصين
يونيو 13, 2026بقلم: د. سليمان الأحمر الأنصاري – سفير هيئة أنصار النبي ﷺ في الجزائر
الإعداد لإدارة الأزمة
وذلك بمراقبة الأمور المحيطة بدقة، والإعداد الجيد بسرية وحذر، قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: 60].
وهنا أهمية الاستعانة بالمؤمنين، قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾ [النساء: 144].
ومن الضروري هنا وحدة الصف، إذ قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4].
ففي قصة نوح عليه السلام كانت المشكلة هي امتناع الناس من الدخول في دين الله. وكانت مظاهرها هي سخرية الكافرين الشديدة من الفئة المؤمنة، وعناد في وجه الدعوة، ورفض السماع من النبي ﷺ مهما تعرض لهم صباحاً أو مساءً، والإصرار على العناد والاستكبار، ليكونوا فتنة وضلالاً لمن آمن حقاً!
وأما أسلوب التعامل فبدأ بالإنذار والنصح والتوعية والتذكير والتعليم والتنبيه، ورغم طول المدة التي لبث فيها نوح -عليه السلام- داعياً قومه إلا أنه لم ييأس، ولم يتراجع، ولم يتكاسل عن تبليغ دعوة ربه بكافة الوسائل الممكنة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاء لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [نوح: 1-4].
وبلغ بهم الأمر أن وضعوا أصابعهم في آذانهم كي لا يسمعوه، واستغشوا ثيابهم كي لا يروه. قال الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ [نوح: 5-10].
أخبره الله تعالى بأنه لن يؤمن منهم إلا من قد آمن، فدعا عليهم كي لا يكونوا فتنة للمؤمنين المستضعفين.
وهنا واجهت المؤمنين أزمة كبرى وهي العقاب الرباني الذي سيغرق الأرض بمن عليها. وحين تكون الفتنة عامة، لا تتوقف الأسباب، وإنما يستوجب على المؤمنين بذل الجهد لينقذوا أنفسهم متوكلين على الله أن يذللها لهم. فالله تعالى لن يخصص لهم جبلاً للنجاة، وإنما يجب أن يتعلم المؤمنون صناعة الفُلك التي تنقذهم من هلاك محتم. لا بد من وجود المؤمن المبدع المتحرك الذي يملك مفاتيح القيادة ليستمطر عدالة الله المطلقة لتسود الأرض.
الاعتماد على العلم والمعرفة والعلماء
في قصة ذي القرنين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ [الكهف: 84]. نجد هنا أن ذا القرنين كان مطلوب منه أن يقوم ببعض الأعمال المعينة، ونجد أنه حتى يتمكن من القيام بذلك فإن الله سبحانه وتعالى أتاح له كل المعلومات التي تساعده في إتمام مهامه. من غير الحكمة أن نكلف أحداً بأمر ثم نخفي عنه معلومات أو ملفات يحتاج إليها في إنجاز مهامه، نحن حينئذ نريد فشله أو فشل المهمة ولا نريد نجاحه أو نجاح المهمة. لذلك فإن الله سبحانه وتعالى يوضح لنا في بقية الآية: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾، بمعنى أنه أعطاه كل ما يحتاج إليه للوصول إلى غرضه من أسباب العلم والقدرة والتصرف.
وليستفد المسلم من التجارب السابقة لأي منظمة أو دولة من دول العالم لحل الأزمات، ومطابقتها للكتاب والسنة اللذان لم يتركا أمرًا من أمور الحياة في الدنيا والآخرة إلَّا جمعاه. قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ [المائدة: 3].
ويجب ألا يكتفي القائم بالعمل بأخذ أسباب العلم والمعرفة فحسب، وإنما عليه أن يُسخر هذا العلم وتلك المعرفة، ويستفيد منهما في إنجاز العمل المنوط به. إن الله تعالى أوضح في القرآن الكريم أن ذا القرنين لم يعطَ المعرفة فحسب، وإنما أتبع ذلك بضرورة العمل بهذا العلم، والأخذ بتلك المعرفة، لأداء العمل المكلف به. من أجل ذلك فإنه من المهم جدًا أن نعمل بحكمة “وضع الرجل المناسب في المكان المناسب”.
الاعتراف بوجود أزمة من خلال التخطيط الاستباقي
إن سبب الأزمة يعود إلى الفرد ذاته أو الكيان الاجتماعي الذي ينتمي إليه، وفي ذلك يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: 53]، وقوله عز مِن قائل: “فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8].
وهنا ضرورة استمرار العمل الصالح أثناء الأزمة، قدر الإمكان، والثقة الكبيرة في قدرة الله عز وجل؛ فعن أنس بن مالك الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: “إنْ قامَتِ الساعةُ وفي يدِ أحدِكمْ فَسِيلةٌ، فإنِ استطاعَ أنْ لا تقومَ حتى يَغرِسَها فلْيغرِسْهَا”.
يركز الإسلام على التخطيط الاستباقي، بوضع الخطط الاستباقية؛ في مرحلة ما قبل الأزمة. إنه من الأفضل دائمًا أن تتصور، كأفراد أو كدولة، أنه يمكن أن نخطط لتوقع أي أزمة؛ فنرسم السيناريوهات اللازمة التي نعتقد أنها ستسهم بطريقة أو بأخرى في التصدي لهذه الأزمة عند وقوعها، ويمكن أن نضع أكثر من سيناريو محتمل حتى إذا لم ينفع أحدهما نفع الآخر، وهكذا.
وفي نموذج قرآني آخر يذكر الله عز وجل في القرآن العظيم قصة النبي يوسف عليه السلام الذي كان في قوم غير مؤمنين. نجد ذلك واضحًا في سيرة يوسف عليه السلام، عندما عُرضت عليه رؤيا الملك في سبع بقرات سمان، وأخرى عجاف، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات. وهي قصة مذكورة في سورة يوسف. هكذا تكلم يوسف عليه السلام: ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: 47-49].
فالأزمة كانت توقعه اليقيني المحقق المدعوم بالغيب لندرة الماء مدة سبع سنوات كاملة عجاف وذلك بانخفاض منسوب النيل.
كان محور الرؤيا الأساس هو الأزمة الغذائية التي كانت ستعصف بالبلاد، وذلك بعد سبع سنوات من تلك اللحظة التي كان يتحدث فيها. ستستمر تلك الأزمة سبع سنوات. طلب منهم أن يستفيدوا من سنوات الرخاء والوفرة، السنوات السابقة للأزمة، في زراعة المحاصيل التي تُعرف بالمحاصيل الاستراتيجية، تلك التي يعتمد عليها الإنسان في غذائه، مثل القمح، والأرز، والذرة، وغيرها، بالإضافة إلى الشعير، والمنتجات العلفية التي تستخدم في تغذية المواشي. فهذه هي المحاصيل والمنتجات التي تُحفظ في سنابلها، أما بقية المنتجات الزراعية مثل الطماطم، والخيار، وما شابه ذلك فليست ذات سنابل، لذلك فإنها لا تُحفظ إلا بإجراء العديد من الصناعات التحويلية عليها.
وحتى لا يطغى مبدأ نصف الكأس الفارغ على المشهد، أرسل يوسف عليه السلام رسالة طمأنة لشعبه، وهي أنه بعد كل تلك السنوات العجاف ستمطر السماء، وستنبت الأرض، وستعود سنوات الرخاء من جديد. يمكن أن نقرأ ذلك في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: 47-49].
إن القوم حكموا فيهم العالم الأمين الصادق، فصدقوه، ورضخوا لتفسيره، وائتمروا بأمره في وضع الحل المنطقي؛ وبذلك مرت الأزمة بخير وسلام على الرغم من الضيق؛ فالغرس يأكلون بعضه، ويحفظون بعضه تحسباً لتلك السنوات العجاف، لا احتكاراً للسلعة. إن كل ما يتعلق بحياة الناس هو مسئولية الدولة بالتخزين، والحفظ، والتوزيع العادل، والبحث عن صاحب الكفاية، والأمانة، لإدارة الأزمة حتى تمر. والعالم الأمين لا يفرض على المحتاجين هويته أو عقيدته كي يطعم المحتاج.
احتواء الأزمة بالصبر والطاعة والتعاون
ابتداء، لا بد من التعرف على حقيقة الأزمة وتحديد معالمها، وتشخيص أسبابها بدقة، ودراسة العوامل المحيطة بها المغذية لاستمرارها، من أجل تحديد فهم عميق ومتكامل عنها. وتبرز هنا ضرورة الشورى لتحديد الخيارات المتاحة واختيار أنسبها بعد توحيد الرأي، يقول الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾[آل عمران: 159].
ومن المطلوب الصبر والتعاون بين الأفراد داخل الجماعة للعمل على حل الأزمات، قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2]، إذ يمثل التعاون قاعدة اجتماعية أساساً لحفظ أنظمة مجموعات الكائنات الحية المختلفة.
إن الدين الإسلامي دين قائم على التوحيد ويجمع بين دفتيه القرآن الكريم والسنة النبوية كل الأشكال الروحية التي من شأنها أن تجعل الإنسان قادراً على مواجهة الرهبة والخوف الذي قد تتسبب فيه الأزمات.
إن الإسلام يبين للإنسان منهاجه في الحياة، ويبين له أسباب وجوده على هذه الأرض في نص قرآني وآخر نبوي. وفيه ما يكفي من الدلائل والمحتويات القادرة دون شك على طمأنة النفوس واحتضانها كما يجب وبما يجب، إذ يقول تعالى في آيات محكمات: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 51]، وقد جاء في تفسيرها: ﴿قُلْ لن يصيبنا﴾ خيرٌ ولا شرٌّ ﴿إلاَّ﴾ وهو مقدَّرٌ مكتوبٌ علينا ﴿هو مولانا﴾ ناصرنا ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ وإليه فليفوِّض المؤمنون أمورهم على الرِّضا بتدبيره.
قال البغوي: ﴿قُلْ﴾ لهمْ يَا مُحَمَّدُ ﴿لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾، أَيْ: عَلَيْنَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، ﴿هُوَ مَوْلانا﴾، نَاصِرُنَا وَحَافِظُنَا.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: “هُوَ أَوْلَى بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا فِي الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾”.
فعلى المؤمن في هذه المواقف أن يكون على ثقة وإيمان تام بالله وبقضائه وقدره، ومن ثم عليه الأخذ بالأسباب والسعي والحيطة والحذر، باتباع وسائل السلامة والإرشادات الواردة عند أهل التخصص، والقائمين على شؤون الحياة الاجتماعية والإنسانية من علماء وخبراء، وتجاوز الاستهتار فالإنسان لا يملك ولا يستطيع فعل شيء إلا بقدر الله. يقول الله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34].
هذا منهجنا في الدين المتكامل الذي لم يترك لنا شيئاً في شؤون دنيانا إلا وتحدث فيه، بل تحدث عن مستقبلنا وعما لا نستطيع معرفته.
ومن الأزمات التي واجهها النبي ﷺ في فجر الرسالة أن الفئة المؤمنة القليلة كانت مهددة بالهلاك، ومن ثم هلاك الدعوة، أو صد المقبلين عليها خوفاً.
انحصرت حلول الأزمة في مغادرة مكان الكفر، والهروب إلى بلد أفضل تستطيع فيه تلك الفئة إنقاذ نفسها حفاظاً على الدين الذي تحمله. ولم يكن قرار الهجرة سهلاً بالنسبة لأهل مكة الذين استقرت بهم الحياة في مدن وبلدان، بخلاف العرب الرحل الذين اعتادوا الترحال من مكان إلى مكان. والتحدي هو أن الدين أغلى من التراب والأرض والوطن.
ولم يأت قرار الهجرة جزافاً لأي مكان تهواه أنفسهم، وإنما يتخير القائد المكان المناسب لهم حتى لا يخرجوا من تهلكة إلى تهلكة أكبر، وإنما درس الرسول القائد الخريطة العالمية فوقع اختياره، بعون من الله، على الحبشة لأن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، فحقق ذلك مطلبهم؛ العدل والحماية.
تسوية الأزمة بالثبات والتآخي
تبدأ هذه التسوية بالاستعانة، بعد الله عز وجل، بالقائد القوي الأمين، وذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]. ومن ذلك نصرة الحق، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40].
ومنه التوكل على الله سبحانه وتعالى، وهو قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159].
ومنه الثبات وذكر الله كثيراً، وذلك قوله سبحانه: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح: 5-6]. وعليه، فلا بد من الأمل، مقروناً بالعزم والعمل، مع استنهاض الهمم.
بداية منذ اليوم الأول لهجرة النبي ﷺ إلى المدينة، توالت الأزمات على المجتمع الوليد؛ فكانت الأزمة الأولى هي إتاحة مكان السكن، وإطعام أهل مكة المهاجرين الذين تركوا خلفهم بيوتهم وأموالهم وأهليهم وتجاراتهم.
وكانت إدارة تلك الأزمة أن آخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار، وكانت نفوس الأنصار حاضرة للبذل والعطاء بلا منّ ولا أذى بل بحب وصفاء وسخاء يعز مثيله. وفي الوقت نفس تعفف المهاجرون عن قبول الأموال دون مقابل.
العمل الجماعي وتكوين فرق العمل
العمل الجماعي وتكوين فرق العمل ضروريان. ولنأخذ مثالنا من الرجل الصالح الموحِد ذي القرنين؛ بسبب الفطنة القيادية التي وهبها الله سبحانه وتعالى له، فإنه لم يستفرد ببناء السد وحده أو بالتعاون مع الأفراد الذين جاءوا معه، وإنما فضّل أن يسهم أهل القرية في بناء ذلك السد المطلوب. قال الله تعالى على لسانه: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً * فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً﴾ [الكهف: 93-97].
ربما كان ذلك ليحقق سببين هما:
الأول: مبدأ يُعبر عنه عادة بعبارة “لا تطعمني سمكةً لكن علمني كيف أصطاد”، أي إنك إن أطعمتني سمكةً أكلتها اليوم، ولكني سأبقى جائعًا فيما بعد، أما إن علمتني كيف أصطاد السمك فإنك ستمكنني من أسباب الرزق.
والمبدأ الثاني: أن يستشعر أهل القرية، أن هذه قريتهم وأنهم أولى بالمحافظة عليها، وصد أي هجوم ومن أي طرف كان. وقد كان من الممكن أن يبقى معهم شطراً من الزمن، ويصد عنهم هجمات أعدائهم، إلا أنه فضّل أن يقوموا كلهم جميعًا ببناء هذا السد، حتى إذا غادرهم فإنه يكون قد منحهم أسباب القوة المتمثلة في كيفية تكوين فرق العمل. ومنحهم أسباب القوة ببناء السد، وثبت قدرتهم على المحافظة على قريتهم بما يمكنهم من البقاء والاستمرار.
إن فكرة تشكيل الفرق واستخدامها في إدارة الأزمات والوصول إلى النتائج، من أذكى الأفكار والتوجهات التي يمكن أن يستخدمها القادة الأذكياء في أفضل الإنجازات وأدومها. وهذا ما نجده في قول الله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: 95]، فذو القرنين قام بتوظيف الأمثل للطاقات البشرية، فلقد وظف طاقات القوم فيما يحسنون وطلب منهم العون بالقوة التي يملكونها، وليس بالمال أو العلم فحسب.
تحلي القائد عند الأزمة بكثير من الصبر
تتضح أهمية الصبر من موقف النبي ﷺ في حل أزمة الحصار الاقتصادي عليه وعلى الذين آمنوا معه قبل الهجرة.
لما عجزت قريش عن قتل النبي ﷺ أجمعوا على منابذته ومن معه من المسلمين، فكتبوا كتاباً تعاقدوا فيه على ألا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، ولا يدعوا سببًا من أسباب الرزق يصل إليهم، ولا يقبلوا منهم صلحًا، ولا تأخذهم بهم رأفة، حتى يُسَلِّم بنو المطلب رسول الله ﷺ إليهم ليقتلوه. وعلقوا الكتاب في جوف الكعبة.
واشتد البلاء برسول الله ﷺ والذين آمنوا معه حتى كانوا يأكلون الحنط وورق الشجر. وكان التجار يغالون في أسعار السلع عليهم، وكان الأطفال يتضاغون من الجوع، ولم تترك سلعة تصل إليهم.
وبعد ثلاث سنوات أجمع بنو قصي على نقض ما تعاهدوا عليه، فأرسل الله على صحيفتهم الأرَضة فأتت على معظم ما فيها من ميثاق وعهد، ولم يسلم من ذلك إلا الكلمات التي ذُكر فيها اسم الله عز وجل.
فكان جزاء هذا الصبر والجلَد أن الله قد مكنهم من منابع الثروة، والاستيلاء على عروش الملوك، وفتح بلاد الفرس والروم.
وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 5].
الاستفادة من الأزمة بالشورى والتخطيط والتنفيذ والمتابعة
التجارب المتراكمة دروس للفرد والجماعة حتى لا يقع في الأخطاء نفسها، ولذلك يشدد النبي ﷺ على أهمية أن “لا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِن جُحْرٍ واحِدٍ مَرَّتَيْنِ”، وإن مر بذات الأزمة أكثر من مرة.
والاستغفار حصن الأمان الأساس لتجنب الأزمات مستقبلاً، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: 32-33]، مع أهمية الحذر والمراقبة المستمرة للخصوم.
ومن نماذج فن إدارة النبي ﷺ للأزمات ما واجهته المدينة في غزوة الخندق حين حاصرت مدينةَ رسول الله ﷺ قريشٌ بجحافلها المتحالفة مع مشركي قبائل العرب.
وتجلى دور الرسول القائد ﷺ في استشارة جنوده في كل صغيرة وكبيرة ما لم يكن في الأمر نص. وأشار سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر الخندق حول المدينة للحول دون دخول المشركين الحرب بشكل مباشر، ثم تقسيم المسلمين إلى عدة فرق لأداء مهمة الحفر. سمع الرسول القائد لسلمان.
لقد أكد القرآن الكريم ضرورة سؤال أهل العلم والمعرفة والاختصاص، والرجوع إليهم والاستفسار، والاعتماد على تقييمهم، وقدرتهم على الاستنباط والتحليل، للخروج من الأزمات. قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أو الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلا﴾ [النساء: 83]، فهؤلاء هم الذين يجب أن يتصدروا الموقف عند الأزمات العظام.
دعمًا للشورى أمر فتحركت قوة الجهاز الاستخباراتي لدولة المسلمين حتى يقدم معلومات كاملة عن جيش الكفار، والمسافة التي تفصلهم عن المدينة، والزمن اللازم لوصولهم، ومن ثم المدة التي يجب أن ينتهي فيها حفر الخندق.
اتخذ الرسول القائد ﷺ قرار حفر الخندق، فحُفر قبل وصول جيوش الكفار، فانهزموا وعادوا دون قتال بعد مدة من الحصار الشديد.
عمومًا، هذه بعض الأمور المهمة والمنهجية الإسلامية في إدارة الأزمات الدولية من غير زيف ولا ليّ أعناق.
خاتمة
القرآن الكريم ذاخر بكثير من الدروس في إدارة الأزمات الداخلية والخارجية الدولية التي تحتاج إلى استنباط.
وتزخر كتب السيرة بالمواقف المبدعة في إدارة الأزمات الدولية في حياة النبي ﷺ. وفي سير الخلفاء الراشدين، ومَن خلفهم مِن قادة الأمة الأبطال دروس كثيرة في إدارة الأزمات الدولية التي بنت أعظم حضارة في التاريخ استمرت على الرغم من اندثار غيرها من الحضارات.
إن حضارة الإسلام المتجددة تملك في رحمها القيام بعد كل كبوة لتكون الوحيدة المؤهلة لقيادة العالم، وريادته، وضمان بقائه، بعدلها ورحمتها، وركونها لشريعة سماوية لم تتغير ولم تتبدل إذ لم تستطع يد إنسان أن تعبث بها. ولقد أصبح لزاماً على الأمة في هذا العصر الذي تغمر فيه العالمَ الفوضى، أن تنهض وتنتفض ويظهر معدنها الذي غلب عليه الران؛ نظراً لتفريطه عن دينه الذي فيه عزته. ولم يعد هناك خيار أمام المسلمين اليوم إلا أن يعودوا إلى مكمن عزتهم، أو ينتهوا للأبد في زمن لا يعرف الرحمة ولا العدل.
وإجمالاً فإن ما تعرض له المسلمون من الأزمات الكثير على كل المستويات والمجالات ولكنهم منذ العهد النبوي الذي أقام فيه النبي ﷺ بالوحي وبالبصيرة النبوية تغلب عليها واستلهاماً من سيرته وإدارته تأسى أصحابه فواصلوا رغم الأزمات الحفاظ على دولة الإسلام ووسعوا رقعتها ودانت لهم الشعوب من عرب وعجم يدخلون في دين الله أفواجا.





