
لا تقولوا للشهداء أموات فيضيع إيمانكم (3)
ديسمبر 6, 2025
بين الجبال… وجدت الإسلام
ديسمبر 8, 2025الشيخ حسن الخطيب
عضو رابطة علماء فلسطين
إن التدافع سنة من سنن الله تعالى في الأرض، والصراع بين الحق والباطل قائم إلى قيام الساعة، يستمر أو يتوقف بحسب قوة أهل الحق وضعفهم، إذا أنزوى الحق وساد الباطل وانتشر، فاعلم أن نصر قد حضر، لقوله ﷺ لزيد بن حارثة رضي الله عنه، وهما في أشد الأوقات حلكة، وقد طُرِدَ من الطائف وسُدَّتْ أبوابُ مكة في وجهه ﷺ: “إن الله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً، وإن الله ناصرٌ دِينَهُ ومظهرٌ نَبَيَّهُ”.
فمهما ادلهمت الخطوب، واشتدت الكروب فنصر الله آت آت وفرجه أقرب مما نتصور.. فصبر جميل.
المعالم الصهيونية التي كشفها طوفان الأقصى
تسارعت دول الخذلان وأمريكا راعية العدوان الصهيوني في محاولة يائسة لإنقاذ العدو من جرائمة، خاصة بعد فشلهم الذريع في القضاء على المقاومة، حتى لا يسيء أبطال غزة وجه العدو وتظهر صفات اليهود المذكورة في كتاب الله تعالى، والمنبثقة من شدة عداوتهم للذين آمنوا، قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةࣰ لِّلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلَّذِینَ أَشۡرَكُوا۟﴾ [المائدة: ٨٢].
- فقد ظهرت شدة عداوتهم للذين آمنوا في غزة بجرائمهم التي لا توصف.
- كما ظهرت حقيقة الأنا في الطبع اليهودي المتكبر من خلال أنهم شعب الله المختار.
- ولتتضح صفة النفاق في السلوك اليهودي، ليتلاقوا مع أهل الخذلان في نفس الصفات، قال الله تعالى في اليهود: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٦]، وقال في المنافقين: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤].
- ولتكون أهم الصفات التي تجمعهم ببعضهم بعضاً: الكذب والاستهزاء وسوء الأدب مع الله تعالى، قال تعالى: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١].
- إضافة إلى الظلم الذي يصاحب دائماً سوء الأدب، وتجاوز حد الظلم إلى الطغيان والكفر، ولتترسخ في قلوبهم الكراهية والعداوة والبغضاء… فهم الأكثر إثارة الفتن، وإشعالاً للحروب بين الناس، وإشاعة للفساد والسعي فيه.
هذه بعض المعالم اليهودية، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (المائدة: ٦٤]، إضافة إلى الحسد الذي لا يفارقهم، قال الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩].
كانت وما زالت هذه صفاتهم منذ أن نَجَّاهُمُ الله تعالى من فرعون وجنوده، وعاشوا عليها يقتاتون بها، فلم يحفظوا نعمة الله ويذكروا فضله عليهم، بل أشركوا وطلبوا إلهاً يُعْبَدُ من دون الله، قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨].
هذا طبعهم وإلى اليوم ..
طبع اللئيم لا يتغير
إنه السلوك والطبع اليهودي الذي لم يتغير منذ زمن موسى عليه السلام، حتى يومنا الحاضر، وهم يثيرون الفتن ويشعلون الحروب، ويسعون في الأرض فساداً، حتى استطاعوا بتلك الطباع إسقاط الخلافة العثمانية، وإقامة كيانهم الغاصب على أرض فلسطين بمساعدة دول الكفر العالمية، ومنذ نشأة كيانهم اللقيط وهم يقتاتون على هذه المعالم والصفات، وما غزة عنا ببعيد، بل هي واقع نعيشه اليوم، لتكون الأرض شاهدة على بشاعة وفظاعة الإجرام والحقد اليهودي.
كل هذا الإجرام، ليس للحفاظ على وجودهم ودولتهم، بل لأن طبع اللئيم لا يتغير، في تحقيق ساديتهم وطبعهم الخبيث. لذلك كان فضل الله تعالى على أمة الإسلام عظيماً، بأن ربط على قلوب أهل غزة، وصبرهم، وثبت أقدامهم، وقوى عزيمتهم، وأنار بصيرتهم، وسدد قولهم وصوب رميهم فلم ينكسروا بفضل الله تعالى، ولو حدث الإنكسار وسلموا رايتهم لهلكنا وهلكت الأمة. ولنا في التاريخ دروس وعبر عظيمة، فقد سقطت عاصمة الخلافة في بغداد، واستسلمت دمشق، واجتيح بيت المقدس من قبل التتار، لكن القاهرة بفضل الله تعالى ثم بفضل رجالها الأبرار وقفت سداً منيعاً أمام التتار ليكسروا شوكتهم، ولتحافظ القاهرة على راية الإسلام خفاقة، ليس في مصر وحدها بل على كل الأرض الإسلامية وتستعيد عافيتها.
كذلك صمدت غزة ووقفت شامخة عزيزة أبية، وأفشلت كل مخططاتهم. ليحاولوا من جديد فيما فشلوا فيه عسكرياً أن ينفذوه بكل السبل والوسائل والمكر، عبر الحيل والمؤامرات ومجلس الأمن.
أهل غزة نعمة الله على أهل الإسلام
قال رسول الله ﷺ: “أوَّلُ هذا الأمر نُبُوةٌ ورحمة، ثم يكون خلافة ًورحمة، ثم يكون مُلكًا ورحمة، ثم يتكادمون عليه تكادُمَ الحُمُر، فعليكم بالجهاد، وإنَّ أفضل جهادكم الرباط، وإنَّ أفضل رباطكم عسقلان”.
صحيح أن الله ابتلى أمة الإسلام باليهود، لكنه في نفس الوقت مَنَّ عليها بأهل غزة ليكونوا في مواجهة اليهود، وليكونوا بذلك رأس حربة الأمة في مواجهة جمع الكفر والنفاق أجمعين، حتى يُسيء اللهُ وجه اليهود الكالح، بصبر أهل غزة وثباتهم وصمودهم، بدماء أهلها الأبرار، شيوخها وأطفالها ونسائها ورجالها، ليس على أرض فلسطين فحسب، بل في كل بقاع الأرض، ليكون الطوفان بإذن الله القشة التي قسمت ظهر البعير، على يد ثلة مؤمنة ظاهرة بدينها، قاهرة لعدوها، لا يضرها من خذلها أو خالفها..
ظاهرين على الحق لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خذلهم
توقفت الحرب ليس رحمة بأهل غزة، وليست إنسانية منهم، لكن إنقاذاً للكيان، في محاولة يائسة بائسة لمحاصرة غزة تلك البقعة الصغيرة المحاطة بالباطل من كل مكان، بل قل إنها قطرة الماء الحق الوحيدة الصافية الزلال، في بحر الباطل المتلاطم الأمواج، ومع ذلك لم يستطيعوا قلعها من محيطها، ولا تهجير أهلها، ونزع سلاحها، تلك المهمة التي فشلوا في تنفيذها عسكرياً، يحاولون تنفيذها عبر مجلس الأمن اليوم بزيادة الضغط على رجالها، والتضييق عليهم بكل الوسائل والسبل، بالمؤامرات الواضحة الجلية مع دول العرب والمسلمين، ليكتمل الخذلان لأهل غزة مائة في المائة، ولأن قدر الله نافذ في الابتلاءات والفتن والخسائر، وكذلك في الإيمان والصبر والمثوبة والأجر، ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٢]، ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [البقرة: ١٦٥]، ليقيم الصابرون على أرض غزة الحجة على كل مَن خالفهم وخذلهم وتآمر عليهم وتركهم لقمة سائغة لليهود، ولأن الله يأبى ذلك فيقول: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢].
بصبر غزة وثباتها وصمودهما وأمعاء أهلها الخاوية يتم الله نوره، ويعلو دينه، برجال الله وثباتهم وصبرهم ظهروا بدينهم، قهروا عدوهم، ولسنتين كاملتين ما ضرهم خذلان من خذل، فرأينا الناس يدخلون في دين الله أفواجاً في كثير من دول العالم.
إنهم الطائفة المنصورة؟ التي أخبر عنها النبي ﷺ، فعن أبي أمامة الباهلي عن النبي ﷺ قال: “لا تزالُ طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحقِّ لعدوِّهم قاهرين لا يضرُّهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأْواءَ؛ فهُم كالإناءِ بين الأَكَلةِ حتى يأتيَهم أمرُ اللهِ وهم كذلك” قالوا: يا رسولَ الله وأين هم؟ قال: “ببيتِ المقدسِ وأكنافِ بيتِ المقدسِ”.
إنهم الذين تمنى النبي ﷺ رؤيتهم حين قال: “وَدِدْتُ أنِّي قد رَأيتُ إخوانَنا”. قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، ألَسنا إخوانَكَ؟ قالَ: “بل أنتُمْ أصحابي، وإخواني الَّذينَ لم يَأتوا بعدُ وأَنا فرَطُهُم على الحَوض”. إنهم الذين بصبرهم لهم أجر خمسين شهيد من الصحابة رضوان الله عنهم أجمعين. قال ﷺ: “إِنَّ مِنْ ورائِكُم زمانُ صبرٍ، لِلْمُتَمَسِّكِ فيه أجرُ خمسينَ شهيدًا منكم”. وأي صبر مَرَّ على قوم كالذي مر على أهل غزة؟ ولماذا قال النبي ﷺ “شهيداً”؟ ولم يقل عاملاً.. أو عابداً؟ ولماذا قال “منكم”؟، وهل هناك من يصل بجهده وعمله إلى مرتبة أجر الشهيد؟ وأي شهيد؟ الشهيد الصحابي رضي الله عنه! لندرك أن مؤمن آخر الزمان بإيمانه وجهاده ظهر بدينه وصبره، ليقهر عدوه، فصبر على اللأواء، لا يضره من خذله ولا من خالفه، وأنه منصور بأمر الله ووعده. ولندرك أن العابد العامل المرابط المجاهد في آخر الزمان مدافعاً عن دينه وعن حرمات المسلمين، له أجر خمسين من شهداء الصحابة، فكيف بمن أريقت دماؤهم وهم في ساح الوغى، وفي مواجهة أعداء الله؟ وأي أعداء؟ الأشد عداوة..
وأين هي الطائفة المنصورة اليوم في الأرض إن لم تكن على أرض غزة عسقلان؟ وهل هناك في الأرض طائفة عاملة لدين الله كالتي على أرض غزة عسقلان؟ ثم ما السر بأن أجر الصابر بأجر خمسين من شهداء الصحابة رضي الله عنهم أجمعين؟ فعندما تكثر الفتن والابتلاءات وينفلت الناس -إلا من رحم الله- من دينهم كما تنفلت الدابة من عقالها، وتهيم لا تدري مصيرها.. يصبح الذي ثبت على دينه وقت الفتن وعمل بدينه وظهر به لا يخاف في الله لومة لائم، يصبح له الأجر عظيماً.. كما ويبيّن ﷺ نوعية هذه الطائفة بقوله “كالإناءِ بين الأَكَلةِ” أي أنها فئة قليلة جداً، وخصومها كثيرون جداً جداً.. وبما أنهم قلة وعابدة وعاملة وقت الفتن والابتلاءات… ليس لهم هم إلا مرضاة الله تعالى، استحقوا هذه المرتبة وهذه الدرجة.
ويوضح ذلك ﷺ أكثر بقوله: “بل منكم؛ لأنكم تجدون على الخير أعواناً ولا يجدون عليه أعواناً”. غزة محاصرة من أهل ملتها ودينها، لا تجد أعواناً، بل وكل من حولها خصوما وأعداءً، يصبون جام حقدهم وغضبهم عليهم من خلال حرب إعلامية شعواء شرسة، ليست من اليهود فحسب، بل من محطات عربية وإسلامية يطعنون في دينها وجهدها وجهادها وأخلاقها.. إنهم لا يجدون على الخير أعواناً.
سيف غزة لن ينكسر
إن المتتبع لأحداث غزة يرى عجباً وأي عجب، فرغم صغر مساحة غزة وانعدام إمكانياتها ومواردها، يتكالب عليها معظم أهل الأرض دعماً للكيان، بِشَنِّ حربٍ ضروسٍ شرسة، حربَ إبادةٍ جماعية، بكل أنواع البطش والتنكيل والإجرام، بكل أنواع الدعم الإعلامي والسياسي والعسكري الأمريكي والأوروبي الكامل، وبتمام التخاذل العربي والإسلامي المهين، لأكثر من سنتين كاملتين، في محاولة لسحق غزة وتهجير أهلها! ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١]، فبعد الفشل العسكري، وفشل مخطط التهجير، ولأن مشروع الدولة الصهيونية غربي في الأساس، ولأنهم يملكون العدة والعتاد والتكنولوجيا المتطورة، فكيف تتوقف الحرب دون تحقيق أهدافها؟ ولأنهم لا يستطيعون القضاء على حماس بفضل الله تعالى، ولا يستطيعون إعلان الهزيمة والاستسلام للمقاومة، خاصة أنهم يملكون السلاح الكافي لاستمرار الحرب، ولكن كيف تستمر الحرب وحملات المعارضة والاحتجاجات تتعاظم ضد الكيان؟
إن استمرار الحرب مشكلة كبيرة، ووقفها مشكلة أكبر، وخاصة أن أمريكا راعية الكيان الإجرامي شعرت بمر الخسائر الصهيونية، بعد أن فقدت عدداً من جنودها على أرض غزة في أواخر سبتمبر ٢٠٢٥م. لتعاود الكرة ثانية وثالثة للضغط على المقاومة إعلامياً بطريقة قذرة وعسكرياً بأسلحة تفجيرية متطورة، ومع ذلك لم يفلحوا.
سنتان من الحرب الشرسة والإجرامية لم ينكسر سيف غزة، ولا هانت، قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، فما الذي حدث، وكيف استمرت ولماذا توقفت، والجيش الصهيوني بدأ مرحلة الروبوتات الأخيرة بآلاف الأطنان المتفجرة، وقتل مئات الأبرياء وتدمير معظم أحياء مدينة غزة وتشريد أهلها، ورجال غزة لم يستسلموا وبقوا على مواقفهم.
فلماذا توقفت الحرب على غزة بعد أكثر من سنتين؟
أمام صمود رجال غزة، واتساع رقعة الاحتجاجات العالمية، اضطرت أمريكا إلى مبادرة تكون مقبولة نوعاً ما لدى المقاومة، والتي تشمل بنوداً كثيرة أهمها وقف إطلاق النار.. تبادل أسرى.. إدخال مساعدات.. وانسحاب إسرائيلي من المناطق المأهولة، على أن يُستكمل الانسحاب في المرحلة الثانية.
تم وقف إطلاق النار بعد إعلان المقاومة على المبادرة بشروطها، دون التطرق إلى نزع السلاح، وافق ترامب مباشرة ودون تردد للأسباب التالية:
- فشل الاحتلال في الانتصار المطلق، وعجزه عن تحقيق أهدافه.
- إنقاذ الكيان من فشل عسكري ورئيس وزرائه من الفضائح التي تلاحقه.
- حجم الخسائر الهائلة التي تكبدها العدو لم يرَ مثلها قبل معركة الطوفان.
- يريدون عودة قطار التطبيع واستئناف [اتفاقات أبراهام] في محاولة يائسة خبيثة للقضاء على المقاومة.
- نقل الصراع بين المقاومة مع المحتل إلى المواجهة مع الأمم المتحدة والعالم العربي لتجنب محاسبة الاحتلال.
- لا بد من وقف الإبادة الجماعية، حتى تتوقف حملات الاحتجاج العالمية ضد الكيان وجرائمه، التي باتت تلاحقه في كل مكان وباتت نذير شرم على وجوده.
يقول ترامب زعيم أكبر دولة مؤيدة للكيان الصهيوني: “أفتقد لتلك الأيام التي كانت فيها كلمة واحدة سيئة عن إسرائيل تنهي حياتك السياسية، اليوم كلمة واحدة دعماً لإسرائيل تنهي حياتك السياسية”.
وأخيراً.. ﴿وَلَـٰكِن لِّیَقۡضِیَ ٱللَّهُ أَمۡرࣰا كَانَ مَفۡعُولࣰا﴾
توقفت الحرب دون أن يحقق العدو أياً من أهدافها، ودون عودة الأمان لغزة وأهلها، فما زال العدو يرفض تنفيذ التزاماته، والانتقال إلى المرحلة الثانية، ويرفض إدخال المساعدات حسب المتفق عليه، كما ويرفض عملية الإعمار برمتها.
إن أهل غزة صبروا وثبتوا وصمدوا وواجهوا الظلم والطغيان، ولأن فضل الله على غزة عظيماً، بأن أعدت واستعدت وعملت وقامت بالطوفان أنذر بزوال الكيان، وأنها أقضت مضاجع دول الخذلان أكثر من دولة الاحتلال، فسنة الله تقول إذا ساد الباطل وانتشر وانزوى الحق لسبب من الأسباب، فقد حضر النصر رغم كل البشر، قال الله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: ١١٠]
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١].





