
ثلاثية الأبطال (3) – فكر الليل والنهار
ديسمبر 6, 2025
وتستمر الحرب على غزة
ديسمبر 8, 2025بقلم: عبد القادر مهدي أبو سنيج – باحث شرعي
ذكرنا في المقالات الماضية أن الشهادة ثابتة بالنص القطعي، وأن الشهيد المقتول في معركة ناصعة -كالتي تجري بين المسلمين واليهود- هو أرجى الناس بالتحصل على منزلة الشهادة، ولهذا فإن الذين يقفون موقف الصدّ والنكير والتنفير عنهم ممن ينتسبون إلى العلم، ويصفونهم بالموتى أو القتلى -تحقيرا ً وتنقيصاً، وبخلا ً عن وصفهم بالشهادة- إنما هم على شفا جرف هار من الإيمان. لا سيما أولئك الذين يتبعون هذا القول بوصف “مستراح منه” كما يفعل (الـمَداخلة) ومشايخ السلطان، وذكرنا أن هذا الأمر مرتبط بالاعتقاد! ومرتبط بالولاء والبراء، وأنه قد جاء في القرآن والسنة وفي عمل الصحابة ما يقطع بأنه لا سواء بين الشهداء وبين القتلى.
ونواصل الكلام فنقول:
قال ابن تيمة رحمه الله: “قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [الْقَلَمِ: 35] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: 28]. وَقَالَ: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الْجَاثِيَةِ: 21] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ مِنَ الْحُكْمِ السَّيِّئِ الَّذِي يُنَزَّهُ عَنْهُ، وَأَنَّ ذَلِكَ مُنْكَرٌ لَا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ فَقَدَ جَوَّزَ مُنْكَرًا لَا يَصْلُحُ أَنْ يُضَافَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [الْقَلَمِ: 35] اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، فَعُلِمَ أَنَّ جَعْلَ هَؤُلَاءِ مِثْلَ هَؤُلَاءِ مُنْكَرٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِاللَّهِ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ. فَلَوْ كَانَ هَذَا وَضِدُّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ سَوَاءً جَازَ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا وَهَذَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: 136] دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا حُكْمٌ سَيِّئٌ، وَالْحُكْمُ السَّيِّئُ هُوَ الظُّلْمُ الَّذِي لَا يَجُوزُ، فَعُلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ هَذَا. ومنه َيُعلمُ أَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ أَهْلِ الطَّاعَةِ وَبَيْنَ أَهْلِ الْمَعْصِيَةِ مِمَّا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْحُكْمِ السَّيِّئِ الَّذِي يُنَزَّهُ اللَّهُ عَنْهُ.
وَفِي الْجُمْلَةِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَبْرَارِ وَالْفُجَّارِ، وَالْمُحْسِنِينَ وَالظَّالِمِينَ وَأَهْلِ الطَّاعَةِ، وَأَهْلِ الْمَعْصِيَةِ حُكْمٌ بَاطِلٌ يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْهُ، فَإِنَّهُ يُنَافِي عَدْلَهُ وَحِكْمَتَهُ. فقد أنكر سبحانه على من ظنَّ أنه يساوي بين أهل طاعته وأهل معصيته، فكيف بمن يطلب منه أن يفضِّل العبد العاصي على المطيع؟!”
فمن وصف من قُتل شهيداً بيد أهل الكتاب بأنه “مستراح منه” أو أنه ليس بشهيد أو أنه مات على ضلالة أو بدعة أو مات ميتة جاهلية، فقد عصى وخالف صريح القرآن والسنة مخالفة تفضي به إلى الانسلاخ من دينه، لأنه بقوله هذا يوافق أهل الشرك والكفر ويواليهم بقوله مثل قولهم، وفي الأثر عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ: “لِيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمْ أنْ يَكُونَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ” قَالَ مُحَمَّدٌ: فَظَنَنْتُهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 51].
وأي موالاة أعظم من موافقة الكافرين باتهام المرابطين وتثبيطهم والطعن في نياتهم وجهادهم والحكم بمصيرهم وتسويتهم بالفجار والكفار؟ بل وجعل شهادتهم بأن قُتلوا بيد أهل الكتاب أقل درجة بل درجات من موت سائر الناس بادعاء موتهم على البدع ونسبتهم للخروج ومخالفة المنهج!
وإن أنصع راية في الجهاد وأوضحها هي راية المرابطين المجاهدين المحاصرين في الأرض المباركة؛ فهم يجاهدون وقد وقع عليهم الخذلان وسينتصرون بوعد النبي ﷺ، وجهادهم للعدو واجب قطعي لأنه عدو اعتدى على أرضهم وديارهم وأموالهم وأعراضهم، ومقدسات المسلمين.
ولو أن رجلاً مسلماً كان سكيراً عربيداً مات على فراشه لترحموا عليه. ولكنهم يمنعون ذلك عن المرابطين: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ* مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الْقَلَمِ: 35، 36]. يخذلون قوماً داهم العدو أرضهم وديارهم وأخرجهم منها، وليست أرضاً كسائر الأرض بل هي الأرض المباركة المقدسة، يخذلونهم فلا إعانة ولا نصرة، ويا ليتهم تركوهم وشأنهم بل زادوا في الخذلان بنسبتهم للبدعة والخروج ثم تماودوا فمنعوا الترحم عليهم واحتقروا واستهانوا بجهادهم؛ بل وفرحوا بموت المرابطين المظلومين المحاصرين: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: 100].
وصاروا يعترضون على الضعفاء ولم ينكروا منكر غيرهم وسلطوا عليهم حداد ألسنتهم لأنهم في مأمن، وتركوا من يوالي اليهود والنصارى ولم يعترضوا أو يبينوا حكم ذلك: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: 19].
ولا ريبَ أن جهادَ هؤلاء وإقامةَ الحدودِ عليهم من أعظم الطاعات وأكبرِ الواجبات، وهو أفضلُ من جهادِ مَن لا يُقاتِلُ المسلمين من المشركين وأهل الكتاب؛ فإن جهادَ هؤلاء من جنس جهادِ المرتدِّين، والصِّدِّيقُ وسائرُ الصحابة بدؤوا بجهاد المرتدين قبلَ جهادِ الكفار مِن أهل الكتاب؛ فإنَّ جهادَ هؤلاء حفظ لما فتح من بلاد المسلمين، وأن يدخل فيه مَن أراد الخروج عنه، وجهاد مَن لم يقاتِلنْا من المشركين وأهل الكتاب من زيادةِ إظهارِ الدين.. وحِفظُ رأسِ المال مقدمٌ على الربح.
وإن قوماً يحكمون على رجل أخرج من دياره، يدافع عن أرض الإسراء وقتله اليهود فلم يرتضوا له الشهادة ولم يحكموا له بها، ووصفوه بالموت المنهي عنه بل جعلوه فاجراً مستراحاً منه ومبتدعاً ليفرحوا بموته.
إن قوماً هؤلاء صفتهم وهذه أفعالهم ضاع إيمانهم وليسوا من المؤمنين بل هم -في أحسن حالهم المذري-قوم دعاة على أبواب جنهم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. وهم من بني جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا.
ومما يؤكد هذا أن النهي عن قول (ميت) للشهيد وأنهم أحياء عند ربهم، سببه النهي عن مشابهة الكافرين والمنافقين، والميل والموالاة لمن حاد الله ورسوله، مع ترديد قول الكافرين المنكرين للبعث، وتأييد للمنافقين الذين ينكرون نعيم المؤمنين ويحسدونهم على مكانتهم عند رب العالمين.
المقتول في سبيل
الشهيد: الشين والهاء والدال أصل، يدل على حضور وعلم إعلام، شهيد على وزن فعيل من الفعل شهد، والفعل شهد يدل على معان عدة، والشهيد القتيل في سبيل الله، والشهيد في الأصل من قُتل مجاهداً في سبيل الله، أو قتله الكفار في المعركة ثم اتسع فيه فأطلق على من سماه النبي ﷺ من المبطون والغريق ونحوه.
فالشهيد في اللغة عام يطلق على شهيد المعركة مع الكفار، وعلى غيره..
ومن قُتِل مجاهدًا في سبيل الله؛ سمي شهيداً لأن ملائكته شهود له بالجنة، وقيل لأنه حيّ لم يمت كأنه شاهد حاضر، كَذَا جاءَ عَن النَّضْر بن شُمَيْل. وَنَقله عَنهُ أَبو دَاوُود. قَالَ أَبو مَنْصُور: أُراه تَأَوَّلَ قولَ اللهِ عز وجل: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ﴾ [آل عمرَان: 169] كأَنَّ أَرواحَهم أُحْضِرَت دارَ السَّلامِ أَحياءً، وأَرواحُ غيرِهم أُخِّرَت إِلَى البَعْثِ. قَالَ: وهذا قولٌ حَسَنٌ. وقيل غير ذلك، فهو فعيل بمعنى فاعل أو مفعول على اختلاف التأويل ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: 140] وكذا ما في [النساء: 69].
وقد عرفه الحنفية بأنه: من قتله المشركون أو وُجد في المعركة وبه أثر الجراحة، أو قتله المسلمون ظلماً ولم تجب بقتله دية، أو قُتل مدافعاً عن نفسه، أو ماله، أو أهله، أو أحد من المسلمين أو أهل الذمة.
والذي يظهر من تعريف الفقهاء للشهيد أن مرادهم الشهيد الذي تطبق عليه الأحكام الدنيوية فلا يُغسل، ولا يُصلى عليه، ويُدفن في ثيابه التي قُتل فيها، ولا بد لحصول لذلك من قيود:
الأول: أن يُقتل في المعركة أو ما يسمى (مسرح العمليات) سواء كان في البر، أو البحر، أو الجو، وبهذا القيد يخرج من مات في غير المعركة، أو جُرح في المعركة ومات بعد انتهاء الحرب.
الثاني: أن يكون قتيل حرب الكفار، وبهذا القيد يخرج ما لو قتله المسلمون، كأهل البغي فإنه لا يُعد شهيداً، فيُغسل ويُكفن ويُصلى عليه.
والقيد الثالث وهو في غاية الأهمية: أن يكون مراد المجاهد من القتال الذي قُتل فيه إعلاء كلمة الله ونصرة دينه.
وما ذهب إليه الحنفية من أن المقتول ظلماُ ولم تُدفع ديته، والمقتول دفاعاً عن ماله، أو عِرضه، أو نفسه، أو أحد من المسلمين.. أنه شهيد، فإن ذلك توسع منهم في معنى الشهيد ويمكن حمل ذلك على أنه شهيد في الآخرة، كما في المبطون والغريق، ونحو ذلك ممن سماهم النبي ﷺ شهداء وغُسلوا وصُلي عليهم وكُفنوا، فكان المراد شهداء في الآخرة والله أعلم.
“وَالشُّهَدَاءُ َهُمْ: الْمَقْتُولُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، الْمَقْتُولُ دُونَ مَالِهِ، الْمَقْتُولُ دُونَ أَهْلِه، الْمَطْعُونُ، الْغَرِقُ، الْحَرِقُ، الْمَجْنُونُ، الْهَدِيمُ، ذَاتُ الْجَمْعِ، الْمَقْتُولُ ظُلْمًا، أَكِيلُ السَّبْعِ، الْمَيِّتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. مَنْ مَاتَ مِنْ بَطْنٍ فَهُوَ شَهِيدٌ، الْمَرِيضُ شَهِيدٌ، الْغَرِيبُ شَهِيدٌ، صَاحِبُ النَّظْرَةِ شَهِيدٌ (واختُلف فيه على قولين: فقيل هو المخبول الذي اتخذ نظرة، وقيل هو المعين). فَهَؤُلَاءِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهِيدًا”. ومن مات في سبيل الله فهو شهيد وإن لم يباشر الحرب، ولم يشاهدها؛ فهو شهيد لا يحجب عنه الاسم والوصف الذي سماه به الله عز وجل ورسوله ﷺ، كما لا يُحجب عنه وصف الإسلام، لعداوة أو بغضاء أو لاختلاف سياسي حزبي أو مذهبي؛ لأن الأسماء والأحكام الشرعية حق لله لا تدخلها الأهواء ولا اختلاف الآراء.
والقتال في سبيل الله له شرطان هما: الإخراج من الديار والأبناء، والظلم بأنواع الاعتداء أو دفع العدو الصائل المعتدي على بلاد المسلمين، ورفع الظلم والفتنة عن المؤمنين، وإعلاء لكلمة الله تعالى، قال تعالى: ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: 246].
وقال جل جلاله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 39-41].
ونواصل في المقال القادم إن شاء الله تعالى.





