
اقتحامات واعتقالات واسعة للاحتلال في الضفة
ديسمبر 6, 2025
لا تقولوا للشهداء أموات فيضيع إيمانكم (3)
ديسمبر 6, 2025بقلم: أحمد شتيوي – أخصائي طب الأسنان
بسم الله المنتصر المنتقم الجبار، الحكيم المدبر.. الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على حبيبه الذي أقسم بعمره، أما بعد:
فيبدو أن أهل غزة سيظلون يدفعون أثمانا باهظة يعجز العقل عن الإحاطة بها، وبما أن هذه الإبادة أكثر إبادة رآها البشر مباشرة في تاريخ الدنيا ولم يتحركوا لها تحركا حقيقيا كافيا حتى الآن فإنه لابد أن تكون عواقبها على المجرمين وعلى المتخاذلين كبيرة، فهذا الكون يدار بسنن يراها كل من قرأ في التاريخ أو حتى بالفطرة والدين، والقصاص السُنني لن يكون بمقدار صغير على مستوى المكان الصغير، بل سيكون على مستوى كبير تماماً كما يدفع أهل غزة فاتورة كبيرة.
ولكن متى سيكون هذا القصاص أو الخلاص؟ لا أدري، ولكني أدعو أن يكون قبل فناء المجاهدين وقبل هدم الأقصى، هذا الفناء وهذا الهدم الذي هو بالعقل والأسباب وارد بل وقريب التحقق ويسعى له اليهود بكل خطوة صغيرة أو كبيرة، ولا بد أن يُنظر للأمر هكذا ونترك الأماني جانباً؛ فقد سُحق أهل القدس قبل الآن وحُول الأقصى لحظيرة خيول حيناً من الدهر.
ولعل من يقرأ كلامي هذا يصفني بالتشاؤم فقد توقفت الحرب وفُعّل الاتفاق وتوقف القصف والدكّ، ولم تعُد تُفتح جروح جديدة بالحجم الذي كانت عليه، وآن للناس أن تنتقل من النزف إلى لعق الجراح، إلا أن هذا بالواقع منال عسير وليس مرحلة طبيعية تالية، فلم يحدث في المشهد أي شيء غير توسلات من البعض وتعارض مصالح بين الأعداء ما تلبث أن تتصالح، ودهاء بعضهم لبعض، وهذا ليس تشاؤماً إنما هو الواقع الذي لا هوادة فيه، ونعم لكل حرب وقت ستضع فيه أوزارها، ولكن متى!
عندما خطر لي معنى هذا المقال لم أخطط أن أبدأه بهذه المقدمة، ولعل المعنى الذي يربط بين ما أريده هنا هو الفصل بين وعود الله بالنصر وبين ما قدمته الأمة لهذا النصر، أي البعد عن إتباع النفس هواها ثم التمني على الله، أي الوعي بالواقع المرير، وبالحال التي عليها المسلمون، بالأداء الذي يؤدونه تجاه هذا الواقع قبل أن يطلقوا العنان للخيال كي يتخلص من هذا الكابوس.
ومن المعاني أيضاً معنى أظهره المقاومون المفاوضون وهو استنفاذ الوسع في التفكير والتدبير، والترجيح بين الفاضل والمفضول والمفاوضة بثبات بين مسئوليتين عظيمتين، بين مسئولية صمود المقاومة، ومسئولية إدراك الناس، ومراقبة وسعهم على الصبر في هذا الطريق، وهذا أمر شائك في واقع كهذا، ومسئولية ثقيلة ألقاها غيرهم في تجارب أخرى خوفاً من تحمل تبعاتها أمام الناس، فهنا رأينا ألواناً أخرى تنبئ عن عمق تدبير واتزان وتروي معها أنفة.
والوقوف هنا أمام هذه المعاني ليس للمديح فهو كثير إنما هو وقوف للتعلم، فكثير من أبناء التيار الإسلامي والعاملين لنصرة هذا الدين لديهم تصورات تكون أحياناً كثيرة جامدة أو سطحية أو كليهما، وصاحب الغاية صاحب المبدأ المقاوم المجاهد يرى دوما مساحة للعمل يراها مدخلا يستطيع أن يتقدم منه لنموذجه الذي يطمح إليه، لا واقع يتشكل هو وغاياته عليه.
في هذا الصراع الدموي الطاحن تأملت في المجاهدين وحالهم، حين وجدوا أنفسهم وحيدين كأنهم أشبه ما يكونوا بالمسلمين الأُوَل في مكة، حين كانت معركة المعنى والفكرة هي الطاغية المسيطرة قبل المعركة الخشنة وكانت لا تقل عنها شراسة، ومع أن المجاهدين في قلب معركة مادية إلا أنهم ولفارق القوة كأنهم عزّل في وجه السلاح، وهذا السبب هو الذي دفعهم للاستعانة بدور المعنى وأثره ليكون عدة لهم فهو الدافع للمؤازرة وهو المثبط لشيء من الشر، والسبب الثاني هو انعدام الظهير، فأصبح على المجاهد أن يبحث عن أي وسيلة لمؤازرة نفسه، وعليه أن يحسب آثار كل خطوة يخطوها على كل الجوانب، وإذا كانت المعارك الخشنة نفسها تحسم بخطة جيدة وحسن تدبير فإن العقل هو أخطر سلاح.
ولعل من حكمة الله سبحانه لأبناء زماننا أن يولدوا في زمان استضعاف وانعدام ظهير، كي يوضعوا أمام هذا الاختبار فيروا الله منهم ما يحب مما ميز به بني آدم، فقوانين الحيوان في الغابة ليست هي المهيمنة إن كان هناك عقل بشري يدبر.
وهذا المعنى هو الذي يجب أن يتعلمه كل عامل للإسلام في زماننا هذا، هذا الزمان الذي لم يكد يبقى من حرية الإنسان إلا الهواء الذي يتنفسه، حيث لكل شيء آخر حدود أو ثمن لا بد من دفعه.. حتى الحركة! لذا فلا بد له أن يدرك أن القوة أصل وانعدامها ليس بعائق، وأنها قابلة للاكتساب، ويجب أن يعلم أنه كما أن قوانين الغاب ضعيفة أمام عقل البشر فإن عقول البشر متكافئة وكل حيلة بشرية لها ثغرة، وليس لبشر أي كمال في التدبير فضلاً عن كمال العلم، فكلٌّ يجرب في ميدان الدنيا ويتعلم، فضلاً على أن لكل صاحب حق سلطان إلهي إذا سعى.
وبقليل من التأمل نجد أن سبب هذه الفجوة الرهيبة في القوة بين الفئتين هو بذل عقول في مختبرات ومعامل على مدار عشرات السنين، وقبلها بذل عقول لترغيب العقول في بذل العقول.
سمعت يوما في صغري أحد المشايخ في أحد الدروس يتكلم عن النمرود في المبارزة الفكرية التي دارت بينه وبين سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، حين بُهت النمرود أمام ملأه وفُضح، وعلق الشيخ في آخر الكلام ساخرا من النمرود بأن الديكتاتوريين مثل الثور لا يفهمون (قالها بالطاء حتى يسخر) ملمحا إلى حسني مبارك، وإبان ثورة 25 يناير كان بعض الثوار يسبون مَن ملكوا زمام مصر أنهم “أبو خمسين في المية” تلميحاً للفشل الدراسي وقلة العقل.
وللأسف هذه الأوصاف تسطح الفهم عند الكثير، وتسطح معركة الحق مع الباطل، فلا يوجد أحد نال سيادة قوم بجهده وقادهم صالحاً أو فاسداً إلا وله عقل، هذا ما يقوله التاريخ والواقع، وما كان انتصار إبراهيم عليه السلام إلا لحقيقة بدهية ناصعة البياض، حكم الله أن تظل فوق كل مكر ومستوى أي فكر ليقيم الحجة على عباده كلهم، وما كان النمرود غبياً بل كان يستغبي قومه كما فعل فرعون ﴿فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُۚ إِنَّهُمۡ كَانُوا۟ قَوۡمࣰا فَـٰسِقِینَ﴾ [الزخرف: 54] ولا يستقيم لامرئ أن يرأس ولو مجلس إدارة عمارة سكنية وينجح فيه إلا إذا كان ذا عقل وتدبير وحيلة؛ فما بالكم بأمة بما فيها، وانظر إلى صقر قريش حين انتفض يدافع عن ذاته وبذله:
لا يلف ممتن علينا قائلٌ ** لولاي ما ملك الأنام الداخلُ
سعدي وحزمي والمهند والقنا ** ومقادر بلغت وحال حائلُ
إن الملوك مع الزمان كواكبٌ ** نجمٌ يطالعنا ونجمٌ آفلُ
والحزم كل الحزم أن لا يغفلوا ** أيروم تدبير البرية غافلُ!
وانظر حولك في أي تاريخ، ما هو مقدار الصراعات التي تحدث حول الملك والحكم الذي هو منتهى اللذائذ والغرائز وعنده يفتن كثير ممن صمدوا فيما هو دونه؟ دعك حتى من الملك، انظر حتى إلى مقعد في مجلس شعب أو مجلس أمة أو رئاسة حزب أو حتى بلدية!
فلا يليق بمن يريد أن يمكّن لدين الله وأن يرفع راية ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ﴾ أو يدفع ويكسر زراع البغي والإفساد والطغيان.. أن يكون ساذجا خفيفا لا يعرف أن المعركة عالية المستوى، وأنها معركة تدبير كما هي معركة عقيدة وإيمان، فضلا عن أن يفهم ويعي أن آثارها مصيرية وليست نافلة أو فضلا يؤتى أو يترك، بل هي كالزحف إن زحفته لا يجوز لك الفرار، وإلا أضعت كل شيء!
ولعمري..كم رأينا من أثمان غالية دفعت بلا ثمن لضعف التدبير، وكم من انكفاء لم يكن أمام أصحابه غيره لما سقط في أيديهم، وعرفوا أن عدوهم أوعى منهم بمعركته، فلعدم وعيهم بالمعركة وعدم إعدادهم لها، واتباعهم نمط تفكيري لا يرتقي إلى الشعارات التي يرفعونها لم يكن أمامهم إلا الانكفاء حيث أصبح لفكرهم خطوط حمراء، وكأنه لابد وأن يلجم، وأصبح الفعل له قيود ما أنزل الله بها من سلطان، مع أن دفع الثمن واقع لا محالة على النفوس فضلا عن المشروع والقضية، ولا أريد أن أستطرد فيما وقر في نفوس البعض من خطوط حمراء وهمية انتهكها الخصم وما كان ليوقرها ولن يفعل، كما يفهم كل من يفهم معنى قيادة ومعنى مدافعة ومعنى سلطان، ويفهم آيات الله الكاشفة للصراع في القرآن الكريم، بعد أن يشخص الحال جيدا بمقياس الشرع والدين.
وإن ذكر هذا مزعج للبعض فيمكن تصنيفه كتعريض، ولكن ليس هذا مرادي ولن يكون هنا إنما هو قول حق لا بد منه فهذه آفة لا بد من إبرازها للجيل الذي يتشكل، حتى لا يجتر الفشل ويسقيه لأمته هو أيضاً.
وانظر إلى خير من دبر وقدر من البشر ﷺ فحين تابت وأسلمت عقول كبيرة عجل باستعمالها وقدمها على بعض السابقين الأولين لخدمة رسالته، وأقام بهم دولة وأمة وانتصر ﷺ بربه الذي جعل نصره ثمرة التدبير وأخذ الأسباب ومشاورة الأصحاب في الأمر، وقبل هذا كل بذل وسعي وتدبير وسجال في مكة وكل البذل الذي لم يتجاوز اللسان إلى اليد.
تلك الفترة التى أخبر جل جلاله نبيه ﷺ أنه يكيد له ويدبر ﴿إِنَّهُمۡ یَكِیدُونَ كَیۡدࣰا * وَأَكِیدُ كَیۡداࣰ﴾ [الطارق: 15-16] يكيد لهؤلاء الذين قال عنهم سبحانه ﴿وَقَدۡ مَكَرُوا۟ مَكۡرَهُمۡ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡ وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ﴾ [إبراهيم: 46] الذين لم يدخروا وسعا في التفكير للباطل لدعمه! وتأمل هذا الكلام الصادق في أيام الحق الآخرة ﴿وَقَالَ ٱلَّذِینَ ٱسۡتُضۡعِفُوا۟ لِلَّذِینَ ٱسۡتَكۡبَرُوا۟ بَلۡ مَكۡرُ ٱلَّیۡلِ وَٱلنَّهَارِ إِذۡ تَأۡمُرُونَنَاۤ أَن نَّكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجۡعَلَ لَهُۥۤ أَندَادࣰاۚ﴾ [سبأ: 33] أي أن الذين استكبروا لم يكونوا يستخفون بالأسباب برغم أنهم أصحاب القوة المُستضعفين لغيرهم، ولكن مكر شديد وليس بالنهار فقط بل بالليل وقت الراحة لأن قضيتهم محورية ومؤرقة! وصدق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال: ”اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر وعجز الثقة”.
كنت قارئي الكريم قد بدأت سلسلة سميتها (ثلاثية الأبطال) استلهمت فيها ثلاث صفات رئيسية من صفات مجاهدي هذه الأمة من فلسطين والشام في العامين الآخرين تقريباً، وقد بدأتها في العدد الثالث والثلاثين من هذه المجلة الطبية، ثم في السادس والثلاثين، وكان الدور على هذا المقال الذي نحن فيه والذي أسميته: فكر الليل والنهار، وأهمية هذا المقال أراها والله أعلم من أهم الصفات بسبب هذا الزمن الذي نحياه، والذي -كما أسلفت- اختل فيه ميزان القوة المادية اختلالاً كبيراً فلم يكن أمام أهل الحق إلا أن يجتهدوا بفكرهم اجتهادا عميقا، فكان أن طغى العقل على جوانب هذه المعركة، ورأينا كيف اشرأب أمام الكاسحات والناسفات! وكل من عاصر هذا الخط المبارك يرى كيف تحولت المعركة من الحجر إلى المسيرات في بيئة محصورة ثم محاصرة.
وكمثال لهذا التحول المثير، مَن شاهد حلقات (شاهد على العصر) لشيخ المجاهدين أحمد ياسين يفهم ما أعنيه بمثال قريب، على يد رجل حكيم مُطلع يفهم ما معنى شعب وما معنى ثورة وما معنى مقاومة ويرى مساحات كثيرة للعمل تحت أي ضغط بثبات ودبلوماسية حتى، وكل من تابع ثورات العرب الأخيرة سيعرف فارق الحجم بين هذا الكبير وكثير ممن تصدر في أماكن أخرى، هذا القعيد الذي لم يكد يملك إلا عقلا.. ولسانا يفصح عما في هذا العقل وأوصل العالم لما رأينا!
تأمل أخي الكريم، برغم أن رسول الله ﷺ نبياً يوحى إليه، فإنه لم يحسم دعوته العظيمة بمعجزات كأغلب من حسم من الأنبياء ولا حتى في حروبه الفاصلة، حتى فيما يراه البعض معجزة -كأن يصمد ثلاثة آلاف أمام مائتي ألف- فهذه ليست حكراً على المسلمين ولا حتى على المؤمنين؛ فقد جاءت الفئات في القرآن مجهولة: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249]. فهذه لم تكن حكراً للمؤمنين، بل هي حكر لأصحاب الحق الصابرين الثابتين -إن صح التعبير- وفي كل حركات المقاومة والتحرر مثال واضح في هذه الدنيا.
وفي سيرته ﷺ مندوحة عظيمة لمن أراد أن يتأمل، والسيرة تحتاج لمن يقرأها بشمولية كبيرة وتعمق شديد ليتعلم من خير معلم ﷺ كيف يكون التخطيط على أبعد مستويات، وعلى قدر ما يرفع من رايات.
هذا المعلم رسول الله ﷺ عاصر أصحابا كراما نالوا منه خير ما يُنال، وأكملوا مسيرته من بعده على سنته في شرعه ومنهاجه، وبما أن هذا العدد عن الصديق رضي الله عنه فتأمل معي في هذه الشخصية، التي عاشت مع النبي كل لحظات الدعوة وبنى معه الصرح خطوة خطوة، وضع نفسك مكان الصديق كرفيق للنبي ﷺ: هل رأيت من النبي ترك للأسباب واستعمال دعواته المستجابة كبديل عنها؟
حاشا وكلا، وكل فعل مر بتخطيط وتدبير ووزن للأمور وتبصُّر فيها، بخلاف ما فهم عند كثير من المسلمين سنين طويلة حين غاب عنهم العلم لما غاب عنهم الجهاد، فهذه دعوة ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ﴾ [العنكبوت: 69] وأي جهاد يتطلب تدبيراً وبذلاً ووعياً وفهماً ثم إعداداً لتجاهد ثم بعد الجهد ستُهدى إلى سبيل، والسبيل طريق، أي تتدرج من خطوة لأعلى منها، أي سعي آخر! حتى يقبضك الله في إحدى سبله.
هذا الإسلام الذي عاشه ﷺ مع أصحابه الأوائل مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومصعب، ثم عمرو بن العاص وخالد، لم يكن انتصاراً بمعجزات، بل انتصاراً بإذن الله جل جلاله بشخصيات ذات عقل وفعل ﴿وَإِن یُرِیدُوۤا۟ أَن یَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِیۤ أَیَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ [الأنفال: 62].
ولك أن تتدبر ما معنى أن يجعل الله بعده سببا يكون إنسانا، فكأن وقود هذه الدعوة هذه النوعية من الرجال، فكما أطنبت لم تكن أي معجزة هي مسار تحولٍ في الأمر ولا منعطفاً كما كان في حياة موسى أو عيسى أو نوح ولا إبراهيم عليهم جميعا السلام؛ مع أن حياة هؤلاء الأنبياء جلها تدبير، إلا أن هذا الدين شاء الله أن يكون نصره بسعي بشري ثم مدد إلهي، وربما كان هذا لأن نبيه ﷺ كان خاتم الأنبياء، فلابد لنهجه أن يعمر هذا الكون من بعده، يحمله بشر ليسوا أنبياء لا تشق لهم البحار ولا يلين في أيديهم الحديد، ولكنهم قادرون على نصر هذا الدين ليظهروا للعالم أنه صالح لهذه الدنيا بعد أن أكملته السماء، صالح لأن يأخذ بأي بشر من أي حال إلى حال عظيمة، وكيف لا وقد أنزله الله ليرحم به البشر !





