
وتستمر الحرب على غزة
ديسمبر 8, 2025
من ضجيج الموسيقى إلى سكون الإيمان
ديسمبر 8, 2025ليديا نجوما
مدينة ناكورو- كينيا
ناكورو.. الواقعة في المرتفعات الغربية من كينيا، حيث تمتد الحقول الخضراء، وتتناثر البيوت الطينية الصغيرة على أطراف الجبال.
وُلدت في أسرة فقيرة تعمل في زراعة الشاي والذرة، وكان والدي قسًّا في كنيسة محلية صغيرة. كنت أحفظ بعض الترانيم منذ طفولتي، وأذهب للغناء في الكنيسة كل أحد. كنا نظن أن حياتنا تدور في فلك الكنيسة فقط، وأن ما وراءها ظلمة لا خير فيها.
لكن في داخلي، كنتُ دائمًا أتساءل بصمتٍ: لماذا يولد الإنسان ليُعاقَب على خطيئة لم يرتكبها؟ لماذا أعبدُ ثلاثة آلهة في صورةٍ واحدة؟ ولماذا إذا دعوتُ الله من قلبي لا أشعر بالسكينة؟ تلك الأسئلة كانت تُخيفني، لأن مجرد طرحها يُعدّ خطيئة في عائلتنا وفي ملتنا. كان أبي يوبّخني إذا أظهرت أي تردد، ويقول لي: “إيمانك ناقص يا ليديا، لأنك تُكثرين من الأسئلة!”
كبرتُ وأنا أُخفي صراعي الداخلي خلف ابتسامةٍ مصطنعة، حتى صرت في الخامسة والعشرين. كنت أعمل في متجر صغير للملابس في السوق، وأدرس التسويق عبر الإنترنت في المساء، طموحة أن أغيّر واقعي يومًا ما. وذات ليلة، كنت أبحث على الإنترنت عن مادة دراسية عن (القيم في العمل)، فظهر لي منشور بالإنجليزية لمشروع اسمه (بصيرة) الدعوي على منصة الفيس بوك، بعنوان:”الإخلاص من قيم الإسلام”.
كنت أظن أن المنشور مجرد مادة أخلاقية عامة، لكني قرأته بدافع الفضول. لكن شيئًا ما بدا مختلفًا؛ لم يكن فيه دعوة لاتباع ديانة، بل كلام عن نية الإنسان، وأن العمل لا يُقبل إلا إذا كان لله وحده، لا رياءً ولا مصلحة ونحو ذلك.
أعجبتني الفكرة. لأول مرة أرى أحدًا يتحدث عن العلاقة مع الله بلا وسطاء ولا قساوسة. فدخلت إلى صفحة المشروع، ورأيت خيارًا مكتوبًا عليه: (تحاور معنا).
في البداية ترددت، لكن بعد ثلاثة أيام فتحت نافذة الحوار. كتبت بالإنجليزية: “هل يمكنني أن أسأل عن الإسلام دون أن أُجبر على شيء؟”
جاءني الرد بعد دقيقة: “بالطبع، نحن نحترم رغبتك وخصوصيتك. اسألي كما تشائين”.
بدأت المحادثة بيني وبين أحد الدعاة في المشروع. لم يطلب اسمي، ولم يسألني عن ديني، فقط سألني: “ما الذي تبحثين عنه حقًا؟”
ترددت قليلًا ثم كتبت: “أبحث عن الله.. لكني لا أعرف أين أجده”. كان ذلك أول اعتراف حقيقي أكتبه في حياتي!
ردّ عليّ المحاور بلطف: “الله أقرب إليك مما تظنين، لكنه يريدك أن تعرفيه كما وصف نفسه، لا كما يصوّره الناس”.
تلك الجملة ظلّت ترنّ في أذني أيامًا. بدأت أطرح عليه أسئلة كثيرة:
- لماذا خلقنا الله؟
- ما الهدف من الحياة؟
- هل محمد نبيٌّ للمسلمين فقط؟
- ولماذا يسمح الله بالظلم بين الناس؟
وكان يجيب عن كل سؤال بالمنطق والعقل، ويرسل لي نصوصًا قصيرة من القرآن مترجمة. قرأت تفسير هذين الآيتين: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الضحى: 7-8] فبكيت. شعرت لأول مرة أن هناك كتابًا يتحدث عني أنا، لا عن شعبٍ آخر ولا عن أسطورةٍ بعيدة.
كنت أعود من عملي لأجلس أمام هاتفي وأتحدث مع الداعية في مشروع بصيرة. كنت أقول له: “أنا خائفة، إن عرفت عائلتي أنني أبحث وأقرأ عن الإسلام، سيطردونني”. فكان يردّ: “ابحثي عن الحقيقة بهدوء، والله لن يضيعك. الحق لا يُخاف منه”.
ذات يوم، أرسل لي فيديو بعنوان: “ماذا يحدث بعد الموت؟” كنت وحدي في غرفتي، والمطر يهطل بغزارة. في المقطع كان المتحدث يقول: “الموت ليس نهاية، بل بداية الحياة الأبدية والعدالة المطلقة، حيث لا يُظلم أحد”. في تلك الليلة، لم أستطع النوم. كنت أبكي وأشعر أن قلبي يشتعل. كتبت للداعية: “لقد صدّقت كل ما قلتَه لي، لكني خائفة من الخطوة التالية”.
فقال لي: “الإيمان الحقيقي لا يُفرض، لكنه عندما يطرق قلبك، لا يمكنك تجاهله. إن كنتِ تؤمنين أن الله واحد، وأن محمدًا رسوله، فقوليها بصدقٍ بينك وبين ربك”.
أغلقت الهاتف، وبدأت أتمتم بصوت هادئ تلك الكلمات التى أرسلها لي المحاور بصوته: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله”. كانت دموعي تسيل بلا توقف. شعرت وكأن جبلاً كان فوق صدري واندفع عني فجأة.
أعدت الجملة مرةً ثانية وثالثة.. ثم كتبت له: “لقد أسلمت”. لم يكتب شيئًا طويلًا، فقط قال: رددي الشهادة معي مرة أخري، ففعلت وانشرح صدري كثيراً!
فقال لي حينها: “مرحباً بك في الإسلام يا أختاه.. الآن بدأ طريقك إلى السلام والنور الحقيقي”.
منذ تلك الليلة تغيّر كل شيء.. استيقظت فجرًا، وغسلت وجهي، ووقفت أصلي كما علّمني خطوة بخطوة. لم أكن أفهم العربية، لكنني كنت أشعر أن كل سجدة تقرّبني من الله أكثر من كل سنوات الكنيسة مجتمعة.
في الأيام التالية انضممت إلى قسم التعليم في مشروع بصيرة، وبدأت أتعلم من خلال مقاطع قصيرة يرسلها لي المعلم، عن الطهارة، وعن الصلاة، وعن معنى التوحيد وأشياء أخرى. كنت أحتفظ بدفتر أكتب فيه أسئلتي اليومية، مثل:
- كيف أتعامل مع عائلتي؟
- هل يقبل الله دعائي؟
- هل يجوز أن أعمل في متجر يبيع الخمور وأنا مسلمة؟
وكان يجيبني بكل صبرٍ ووضوح، حتى شعرت أنه لا يرشدني فقط إلى الإسلام، بل يعلّمني كيف أعيش الإسلام مطمئنة راضية وقنوعة.
أصعب لحظة كانت حين اكتشف أبي أمري. وجد في هاتفي محادثة تتحدث عن الإسلام، فصرخ غاضبًا وقال: “لقد خُدعتِ من دعاةٍ على الإنترنت! سيأخذون مالك وعقلك!”
أخبرته أنني لم أُجبر على شيء، وأن الإسلام جعلني أحب الله أكثر مما كنت أفعل. لكنه لم يقبل، وطردني من البيت.. انتقلت إلى منزل زميلةٍ لي في العمل كانت متعاطفة معي، وبدأت أعمل لساعاتٍ إضافية لأعيل نفسي. ورغم قسوة الأيام، لم أشعر بالوحدة أبدًا؛ لأنني كنت أشعر أن الله يراني في كل سجدة، ويسمعني في كل دعاء.
في الشهر الثالث، أرسل لي الداعية من مشروع بصيرة نسخة إليكترونية من مصحف مترجم إلى الإنجليزية. عندما وصلني، فتحت أول صفحة، وقرأت: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2] وبكيت طويلًا. كنت أقرأ لأول مرة كتابًا لم يتغير عبر القرون، ولم يُحرّف، ولم يُقدَّم لي كبضاعة تجارية، بل كهديةٍ من السماء.
بدأت أصوم في رمضان رغم أنني كنت وحدي. لم يكن في منطقتي مسلمون كثيرون، فكنت أتابع الدروس التي يبثها مشروع بصيرة عبر الإنترنت. كنت أشعر أنني جزءٌ من عائلة كبيرة تمتد من أفريقيا إلى العالم كله.
بعد عامٍ تقريبًا، أسلمت زميلتي التي سكنت معها، بعدما رأت التغيّر في حياتي وسلامي الداخلي. كانت تقول: “ليديا، كنتِ تبكين دائمًا بلا سبب، واليوم تبتسمين حتى في التعب.. ماذا غيّرك؟”
فقلت لها: “النور.. نور الإسلام”. وأرسلت لها رابط المشروع، لتبدأ رحلتها هي الأخرى.
اليوم، أكتب هذه القصة، وأعمل مترجمة متطوعة مع مشروع بصيرة، أساعدهم في ترجمة الحوارات إلى الإنجليزية والسواحلية للباحثين عن الحقيقة من أفريقيا. لم أعد الفتاة الخائفة من أسئلة الإيمان.. صرتُ امرأة تعرف ربها، وتدعو إليه كل يوم.
أمي الآن تتحدث إليّ من حينٍ لآخر، وتسألني عن بعض الأمور في الإسلام.. أشعر أن الله يفتح لها بابًا من الرحمة كما فتح لي. أدعو الله أن يُتمّ عليها النعمة كما أتمّها عليّ!
وأقول لكل من يقرأ قصتي:
ربما لا تكون قريبًا من المساجد، ولا تسمع الأذان، ولا تملك من يعرفك بالإسلام، لكنّ الله الذي هداني من جبال كينيا إلى نوره، قادرٌ أن يهديك أينما كنت.
فالشكر لله أولًا، ثم لمشروع بصيرة الدعوي، الذين كانوا كالجسر بين قلبي والحق.
لقد علّموني أن الله لا يُعبد بالخوف، بل بالمحبة، وأن الإسلام ليس دين قوم، بل رسالة عالمية لكل قلبٍ يبحث عن السلام.





